…يبدو أنّه “صراع وجود” فعلاً






أتاحَ نجاحُ ستالين في تصفية مراكز القوى المنافسة له داخل قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، أنْ يفرض قراءته لإرث ماركس ولينين ومواقفه وتصوراته المستقبلية على مجمل الحركة الشيوعية واليسار العالمي، حتى صارَ بعضُ هذه المفاهيم والمواقف معايير مقدسة ومسلّماتٍ لا يمكن المساس بها، وتسلّلت لتصبح جزءاً من الموروث الماركسي واللينيني.
امتدَّ هذا التأثير حتى انهيار التجربة السوفيتية ليطغى لا على الحركة الشيوعية العالمية فحسب بل صار أنموذجاً استعارته كل احزاب وحركات التحرر الوطني والقومي بما فيها تلك المنافسة للأحزاب الشيوعية في بلدان العالم الثالث.
كان البعث من بين تلك الحركات التي استعارت القاموس السياسي للستالينية في صراعها مع القوى المنافسة، وأولهم الشيوعيون أنفسهم، فتم فرض مفهوم الحزب القائد الذي يحق له وحده رسم آفاق التجربة وتحديد مستقبلها السياسي دون الآخرين ودون أنْ يحق لهم مشاركته في ذلك ليشكل هذا الأمر فيما بعد المدخل لظهور القائد الأوحد الذي إذا قال فقد قال العراق كله..ثم لينتهي بنا المآل الى الكارثة التي مازلنا نعيش أثارها لغاية الآن.
كانت واحدةً من أكثر الإشكاليات التي واجهت الاحزاب الشيوعية العربية في تاريخها هي المسأله الفلسطينية فقد شكل إسراع ستالين ولهفته للاعتراف باسرائيل الصهيونية وقرار التقسيم فوراً دون انتظار تطبيقه كاملاً !! ثم تبني الاحزاب الشيوعية العربية للموقف السوفيتي والدفاع عنه وما فرضه هذا الموقف من ظلال على القضية إحراجا للاحزاب الشيوعية العربية حاولت قياداتها، خاصة في الفترة التي أعقبت رحيل ستالين وبعد انكشاف حقيقة المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً استعمارياً صمم لخدمة مشاريع رأس المال العالمي في المنطقة. وحاولت هذه القيادات تدارك الأمر بالنأي عنه أو تبريره، لكنّه بقي يشكل فجوة و افتراقاً في نظر طيف واسع من الجماهير العربية المشحونة قومياً بين النضال القومي والنضال الطبقي استغله خصوم الشيوعيين ومنافسوهم ووظفوه لصالحهم …
التباعد والاستقطاب الحاد بين الخطاب القومي والخطاب الطبقي الوطني ألقى بظلاله على مواقف الحركات السياسية الجماهيرية في عموم المنطقة فصار التخندق وإلغاء الآخر برمته هي السمة التي تحكم العلاقة بين الفصائل السياسية العاملة على الساحة لم يستطع اليسار الماركسي العربي استيعاب الهواجس القومية واحتواء الخطاب القومي التقدمي الا في وقت متأخر بعد أنْ لعب الغرب على الورقة القومية نفسها ووظفها لمحاربة المشروع القومي نفسه وطبعا لمحاربة الاحزاب الشيوعية العربية.

في الطرف المقابل ترك البعثيون وبعض أطراف الحركة القومية شعاراتهم وأولوياتهم النضالية، فصار الشيوعيون هاجسهم الأزلي و بات الصراع والاشتباك معهم مهمتهم الأولى التي تسبق كل المهمات النضالية الأخرى وكأن الشيوعيين هم العقبة الكأداء في طريق مشروعهم القومي وأنهم العائق الرئيس في إتمام مشروع الوحدة العربية صار الإلغاء المتبادل هي السمة التي تحكم العلاقة بين الطرفين هذه السردية حكمت الواقع السياسي العربي لعقود تالية ابتداء من خمسينيات القرن الماضي ولعب عليها الاستعمار والغرب واسرائيل ووظفها جيداً وكانت سبباً رئيسياً في الواقع الحالي الرديء.
الخطاب الديماغوجي التمجيدي للديكتاتوريين اللذين حكما باسم البعث في العراق وسوريا، واستعارا مظلته الفكرية، جعل الناس ترفض كل المقولات والشعارات المرفوعة وتنظر اليها باعتبارها إنشاء فارغاً خالياً من المضمون، يهدف لتمجيد فكر القائد الأوحد الذي اختزل كل تاريخ الأمه بشخصه وبفكره الثاقب ومقولاته الفلسفية التي أعيت هيغل وماركس وكونفوشيوس. إنّ تداخل الخطاب الموضوعي التحليلي مع الخطاب الانتهازي الذي يمجد القائد ويوظفه لا لخدمة القضية الرئيسية التي اختبأ وراءها النظام وانما لتأليه القائد “الفلته” الذي لم ولن تنجب مثله النساء.
واحدة من تلك المقولات والشعارات المرفوعه التي كانت تتردد أيام حكم القائد انذاك والتي كنا متخمين بها تقول ( صراعنا معهم – اسرائيل – صراع وجود لا صراع حدود) وكالعادة فقد كنا نعبر هذه المقولة بلا مبالاة حالها حال الشعارات الأخرى اذ لم نجد فيها ما يستحق الانتباه والوقوف.
هكذا تصورنا وخيل لنا أنها مجرد تنضيد كلام يحمل روح قومية متطرفة مناهضة للانسانية و الطموح بالتعايش والسلام!. الآن وأنا انظر الى ما يجري في الساحة العربية صرت أدرك بما لا يقبل الشك ان من صاغ هذه المقوله او تبناها كان مصيبا تماما وانه نجح في توصيف طبيعة الصراع، وان اسرائيل باعتبارها مشروعا استعماريا واحلاليا كانت تحمل هذا الخيار منذ اليوم الاول لاعلانها فلم تعد هي او داعموها الرئيسيون تقبل التعايش بهذا الواقع الذي يميل كليا لصالحها أو تكتفي بالتفوق العسكري والعلمي والتكنولوجي وضمان النصر في اي مواجهة من خلال التزام امريكي غربي بهذا الامر، بل صار هذا المشروع اكثر وضوحا وبات يتطلب لاستمراره وبقائه، تجزئة المُجزّأ و تفتيت وتقسيم الكيانات العربية المحيطة التي يمكن ان يشكل بقاؤها بحدودها وشكلها الجغرافي الحالي يوما ما ثقلاً منافساً يهدد المشروع الصهيوني الاستعماري رغم بؤس الواقع السياسي والاقتصادي والاداري والعسكري الذي يلف هذه الكيانات .
لتأمين ذلك أدركت امريكا واسرائيل ضرورة تغيير طبيعة الصراع و محاولة إضفاء الصبغة الدينية والمذهبية عليه ولهذا الامر كان ينبغي تغيير واستبدال الديكتاتوريات العسكرية الحاكمة والمُلْتَحِفة بغطاء قومي في الاقطار العربية بقوى دينية وطائفية فذلك يضفي على الصراع شكلا دينيا يدعم الرواية الصهيونية فضلا عن انه يشكل مدخلا لصراع ديني طائفي داخلي يقود الى شق النسيج الديمغرافي وتكريس الانقسام بما يهدد الوجود الجغرافي لهذه البلدان.
اعادت امريكا واسرائيل استخدام الورقة الدينية التي لعبتها امريكا اواخر سبعينيات القرن الماضي حينما سهلت وصول الخميني للسلطة في ايران لمحاولة تطويق الاتحاد السوفيتي انذاك بحزام اسلامي مناهض للشيوعية وقد ساعدت هذه الاستراتيجية وساهمت فعلا و الى حد ما مع عوامل اخرى طبعا في تهيئة الظروف لسقوط الدولة السوفيتية فيما بعد
ادركت امريكا واسرائيل ان التعامل مع منظومات حاكمة تتبني الدين كايديولوجيا ومنظومة للحكم أسهل بكثير من التعامل مع العسكريات القومية واطوع لها ويتيح لها مسك زمام المبادرة والهجوم وتهديد هذه الكيانات بوجودها .. ورغم ان هذه الاستراتيجية لم تنجح في الجزائر ومصر والى حد ما في تونس لكنها أتت ثمارها في

السودان (الذي أدّى وجود الاسلاميين في سلطته الى انفصال جنوب السودان و مازال يهدد بتفتيت الباقي ) في حين نجحت في العراق ثم اليمن لاحقا وأخيرا في سوريا ساعدها في ذلك الانقسام الطائفي في مجتمعات هذه الدول .. اما في ليبيا فمازال الإخوان المسلمون طرفا فاعلا في تكريس الانقسام الحاصل بين الشرق والغرب
ثمة ملاحظة جديرة بالانتباه فالشق السني من الاسلام السياسي لا يتبنى شعار معاداة امريكا والغرب منهجا وشعارا بقدر ما يركز على أسلمة الدولة داخليا و محاربة القوى الديمقراطية والعلمانية ولهذا تراه مدعوماً و قابلاً للاحتواء امريكيا ومخترقاً مخابراتياً.
بينما يجاهر الاسلام السياسي الشيعي بمعاداة الغرب وقوى الاستكبار العالمي واسرائيل ومع هذا فان امريكا تدعم وجوده في السلطة او مراكز التاثير في الساحات ذات الاغلبية الشيعية بدلا من ان تكون هذه تحت تاثير القوى الوطنية والعلمانية او اليسارية التي تسعى وتعمل على بناء سلطة او دولة يمكن لها ان تشكل فيما بعد قوة مواجهة للهيمنة الامريكية والاسرائيلية .
فضلا عن ان امريكا واسرائيل تستطيع ان تدفع قوى الاسلام السياسي الشيعي المناهضة لها الى تبني مواقف مرسومه ومعدة له سلفا يسهل عليها التعامل والسيطرة على تحركاتها والحد من خطورتها نظرا لان هذا القوى محكومة اساسا بسلفية فكرية وعقيدة جهادية جامدة وتبعية لا تستطيع ولا تجرؤ على كسر الاصولية و التراتبية الدينية … وهذا ماحدث مع حزب الله في لبنان حين دفع الغباء السياسي والعمى الايديولوجي والعجز عن قراءة الواقع حزب الله وطاعة الولي الفقيه للدخول في مواجهة اعدت لقص اجنحته مسبقاً.
أما في العراق فقد استطاعت امريكا تدجين قوى الاسلام السياسي الشيعي الحاكمة بسهولة ويسر من خلال الافساد المالي وتمكينها من سرقة ونهب ثروات البلاد واللجوء الى استعمال القوة والتصفية الجسدية او التهديد بها عند الضرورة.
مرة أخرى فان الاسلام السياسي بشقيه السني والشيعي يلعب بوعي او بدون وعي ومعرفة دور الوكيل الامريكي والاسرائيلي ويساهم بتنفيذ المخططات الاسرائيلية الرامية الى تفتيت الكيانات العربية وإعادة رسم الخارطة الجغرافية في المنطقة بما يحقق لاسرائيل وراعيها الامريكي هيمنتها على المنطقة ويقود شعوب المنطقة الى صراع مجهول العواقب ويرميها خارج التاريخ والمطلوب من كل القوى الوطنية والتقدمية العلمانية في المنطقة ادراك هذا الواقع والتصدي له والارتقاء الى مستوى المواجهة.





