ترجمة

ماذا وراء الهجوم على “المركز الإسلامي في سان دييغو”، ومقتل خمسة بينهم مراهقان مسلّحان؟!

       يقدّم تقرير لوس أنجلوس تايمز صورة كلاسيكية لتحوّل حادث إطلاق نار محلي إلى قضية سياسية واجتماعية أوسع تتصل بتصاعد خطاب الكراهية ضد المسلمين في الولايات المتحدة. فالتقرير لا يركّز فقط على تفاصيل الجريمة، بل يبني سردية متكاملة حول هشاشة دور العبادة أمام العنف الأيديولوجي، ويضع الهجوم ضمن سياق (جرائم الكراهية) المرتبطة بالتفوق العِرْقي والتطرّف اليميني.

     اللافت أن التقرير يوازن بين البعد الأمني والبعد الإنساني؛ إذ ينتقل من وصف مسرح الجريمة وتحركات الشرطة إلى مشاهد الأهالي والأطفال والصدمة الجماعية. وهذه التقنية تمنح الحدث بعداً عاطفياً يرسّخ صورة الضحية المدنية المسالمة في مواجهة عنف عقائدي منظّم.

    كما أن التركيز على توقيت الهجوم مع بداية شهر ذي الحجة يحمل دلالة رمزية واضحة، توحي بأن الاعتداء أصاب شعور الجماعة الدينية في لحظة روحانية حساسة، وليس مجرد استهداف عابر لمكان عام.

     ومن الناحية السياسية، يعكس التقرير قلق المؤسسات الإسلامية من تصاعد الإسلاموفوبيا، لكنه يتجنب اتهاماً مباشراً للمجتمع الأمريكي ككل، عبر إبراز تعاون الشرطة وFBI وإدانات القيادات المحلية. هذه نقطة مهمة، لأنها تمنع تحوّل ما يُنشر في الصحف الأميركية إلى خطاب تعبوي، بهدف المحافظة على الطابع الإخباري المهني.

     لكن التقرير يبقى حذراً، فهو يلمّح إلى الدافع العنصري أكثر مما يقدّم أدلة مكتملة، ما يعني أن الرواية النهائية ما تزال قيد التشكل الأمني والإعلامي.

    وفي التفاصيل التي أوردتها الصحيفة: قُتل ثلاثة أشخاص بعدما أطلق مشتبه بهما النار داخل المركز الإسلامي في مدينة San Diego صباح الاثنين، في هجوم أثار صدمة واسعة وإدانات كبيرة. وطوقت الشرطة المركز الإسلامي عقب تلقيها بلاغات عن وجود مطلق نار نشط، لتكتشف مسرح جريمة امتد عبر عدة شوارع في المنطقة.

    وبحسب الشرطة، وصلت الدوريات خلال أربع دقائق من أول بلاغ. وأوضحت السلطات أن شابين يبلغان من العمر 17 و19 عاماً وصلا إلى المركز وفتحا النار بشكل مباشر.

    وعندما وصلت الشرطة نحو الساعة 11:45 صباحاً، عثرت على ثلاثة قتلى من البالغين أمام المركز، بحسب ما قاله قائد شرطة سان دييغو سكوت وول. وأضاف أن أحد القتلى كان حارس أمن المركز، مشيراً إلى أن تصرفاته ساهمت في إنقاذ أرواح كثيرة.

      وخلال تفتيش الشرطة للمركز، والتنقل من باب إلى آخر بحثاً عن المهاجمين، تلقت السلطات بلاغات إضافية عن إطلاق نار على بعد عدة شوارع. وعلى مسافة تقارب نصف ميل جنوب المركز، أفاد عامل تنسيق حدائق بأنه تعرض لإطلاق نار من دون أن يصاب. وبعد ذلك، عثر الضباط في شارع آخر على جثتي المشتبه بهما، ويُعتقد أنهما انتحرا بإطلاق النار على نفسيهما، وفقاً لوول.

     وتحاول الشرطة الآن تحديد الدوافع التي قادت إلى الهجوم، الذي يجري التحقيق فيه بوصفه جريمة كراهية. وقال مصدر في أجهزة إنفاذ القانون، غير مخول بالتصريح علناً بشأن التحقيقات الجارية، إن المحققين عثروا داخل السيارة التي وُجدت فيها جثتا المسلحين على كتابات معادية للإسلام.

     وأضاف المصدر أن المحققين عثروا أيضاً على رسالة انتحار مرتبطة بأحد المشتبه بهما تتضمن إشارات إلى “التفوق العرقي”، فضلاً عن عبارات تحضُّ على الكراهية داخل السيارة. وأشار المسؤول إلى أن أحد المشتبه بهما استخدم سلاحاً نارياً يعود إلى منزل والديه.

        الهجوم ترك مجتمع كليرمونت، شمال وسط مدينة سان دييغو، في حالة من الذهول والحزن. وقال إمام المسجد طه حسّان: “لم نختبر مأساة كهذه من قبل. من الفظيع للغاية استهداف دار عبادة… الناس يأتون إلى المركز الإسلامي للصلاة والاحتفال والتعلم”.

     ووقع إطلاق النار أثناء دوام المدرسة التابعة للمركز والمسجد. وتضم المنشأة صفوف المراحل الابتدائية، فيما تُدار الصفوف من الرابع حتى الثاني عشر في حرم منفصل. ووفقاً لموقع المدرسة الإلكتروني، فهي المدرسة الإسلامية المعتمدة الوحيدة في سان دييغو. وأكد أحمد شبيك، رئيس المركز الإسلامي في سان دييغو، أن أياً من الأطفال لم يُصب بأذى.

   من جانبها، قالت تزهين نظام، المديرة التنفيذية لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية في سان دييغو، إن الشرطة قامت بإجلاء الأطفال والمعلمين إلى كنيسة قريبة.

      أما دينا حلمي، رئيسة مجلس الشورى الإسلامي في جنوب كاليفورنيا، فقالت: “الأمر مقلق للغاية. هذا بيت عبادة، وهناك أطفال يتعلمون هنا، وما حدث مؤسف جداً”. وأضافت أن الهجوم جاء مع بداية شهر ذي الحجة، الشهر الثاني عشر في التقويم الهجري، والذي يشهد موسم الحج واحتفالات عيد الأضحى. وقالت: “بدء الشهر بهذه الطريقة يثير القلق والخوف”.

     وفي فترة ما بعد الظهر، انتظرت عشرات العائلات عند زاوية شارعي هاثاواي وبيتيت لاستلام أطفالهم من المدرسة التابعة للمسجد ومدرستين أخريين في المنطقة. وكان الآباء والأمهات يحتضنون أطفالهم ويحاولون الإجابة عن أسئلتهم بشأن ما جرى، بينما بدت على وجوههم علامات القلق والحزن العميق.

      وسأل الأطفال بعضهم بعضاً إن كانوا قد سمعوا أصوات إطلاق النار. تامِر بار، البالغ من العمر 39 عاماً، كان ينتظر اصطحاب ابن شقيقه ذي السبع سنوات، الذي يدرس في الطابق الثاني من المسجد. وقال إن الطفل كان قد تأخر عن المدرسة ذلك اليوم وأراد البقاء في المنزل، لكن والدته أصرت على ذهابه.

      وأضاف بار: “لا أعرف ماذا كان سيحدث. أختي قالت لي إنها لن تسامح نفسها لو أصابه شيء”. وأشار إلى أنه يصلي في المسجد مرتين يومياً على الأقل منذ وصوله إلى الولايات المتحدة قادماً من غزة عام 2006.

      وقال إنه ممتن لأن الهجوم لم يقع بعد ساعة، حين كان المسجد سيمتلئ بنحو 300 مصلٍّ لأداء صلاة الظهر، مضيفاً أن الموجودين وقت إطلاق النار كانوا قلة مع الأطفال في الطابق العلوي. ووصف المسجد قائلاً: “إنه مكان للسلام. عندما نصلي نترك كل شيء خلفنا ونتوجه إلى الله. نحن المسلمين لا نحمل الكراهية، وقد جئنا إلى الولايات المتحدة من أجل السلام”.

     وأضاف أن حارس الأمن الذي قُتل يُدعى أمين، وكان يعمل في المسجد منذ عقود، ويستقبل الناس دائماً بعبارة “السلام عليكم”. وقال مارك ريميلي، المسؤول الخاص في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI في سان دييغو، إن الوكالة تشارك في التحقيقات.

   وأكد قائد الشرطة سكوت وول: “نحن نحقق بشكل نشط في الأسباب التي أدت إلى هذا الهجوم. من الواضح أن مثل هذه الحوادث لا تقع عادة بشكل عشوائي”.

مقالات ذات صلة