هل القبيلة “ثابتٌ وطني” و”حصنٌ أخلاقي” في زمن “ألاعيب” السياسة!!



عُرِف شيوخ العرب بأنّهم أباةٌ، أصحابُ مروءاتٍ، وذوو بأسٍ شديدٍ، وهم أهل كرامة وموقف وعزيمة. تميّزوا بالحكمة واشتُهر شجعانهم وأكارمهم، بأماراتِ الفروسية، نالوا شرف إخلاصهم لأعوانهم وتابعيهم، ونُصرة من استجار بهم من الضعفاء، أو لجأ إليهم من الغرباء، حتى شاعت بين ظهراني العرب، الاستجارة في العراق وسواه بصيغة (ذبّ جرش) أي أنْ يوالي المرءُ العشيرةَ الفلانية، ويصير في حمايتها، ثم أنّه (يدّي)، أي يؤدي الديّة مع أبناء العشيرة، ويغير في حملاتهم، ويتحمل وزرَهم في الضراء، وينعم بسرّائهم.
وظلّت القبائل والعشائر والأفخاذ، تتغنّى بنسبها لأنَّ فيها ما يجعلها تفاخر الأقوام الأخرى بمناقب العشيرة، ومكارمها، فقبيلة “طي” مثلاً عُرفت بحاتِم الطائي الذي يُكرمُ ضيوفه دوماً، ولا تُطفأ نارُه، كي يَستدل عابرو السبيل على مضاربِه، وينعموا بما يقدمه ليلاً ونهاراً من طعام وزوادة سفر.

وتفاخرُ قبيلة “خزاعة” بحنكة حكمائها، وشجاعتهم في الفصْلِ بين المتخاصمين من القبائل. ولخزاعة وظائف خدمة الحجيج، وكان آخرهم حمد آل حمود الذي سميت الديوانية على شرفه، وقريش بهاشم عمرو بن عبد مناف جد الرسول الذي عُرفَ بأنّه أوّلُ من هشَم الثريد لأهل مكة في أيام القحطِ والجَدْب، فأطعم الحجيج ، ولقبيلة “السعدون” أيضاً مزية ناصرهم “الأشكر” الذي سُميت الناصرية على اسمه ولقبه، وكان حكيماً.
وهكذا فإن العرب تملك رصيداً تاريخياً طويلاً يشّرف قبائلها جميعاً، ويجعلها تفاخر بأنسابها، ومواقفها المشهودة في الجاهلية والإسلام. وما كانت “السلطة”، مبتغى القبائل، فهي ذات إرثٍ وتاريخ مجيدين، بل كان جلُّ همها “عربيةً” كانت أم “عراقية” على وجه التحديد، حماية الثغور، والمحافظة على ربوعها وحدودها. تدفعها إلى ذلك مثلُها في الفروسية، وكانت تفاخر بأنها الأكرمُ، والأعزُّ مكانة وجوداً وتضحية!.
وعُرفَ عن تلك القبائل العريقة أنها (لاكت) “1” حكاماً، وطغاة وبغاة، وردَّتهم، أو دحرتهُم بشجاعة، وصبر طويل. وما كانت تخضع لسياسيّ طغى أو أراد ان يتحكّم بمصائرهم حتى لو داهنته، إذ أنّها سرعان ما ترميه فيما بعد إلى مزبلة التاريخ المليء بالحكايات والشواهد ، التي أثبتت حنكة شيوخ قبائلنا الأبرار، ومواقفهم في مقارعة طغيان الحكام والساسة المنحرفين!.

ظلت القبائل مُهابةَ الجانب، عصيّةً على التوظيف السياسي، فهي الحكَم والفيصلُ في الذبِّ عن لُحمة المجتمع وسَدَاها ، والحؤول دون انقسامه في أحلك الظروف، برغم سعي الأنظمة الغاشمة إلى توظيف القبائل والعشائر، أي “استغلالها” في عمليات سياسية لأهداف قصيرة انتخابية غير مقبولة، ومكشوفة لديهم. وإنّه لأمرٌ غيرُ مجدٍ، ولا يتناسب مع تاريخ عشائر العراق أنْ تخضع القبائل لمضاربات السياسة وألاعيبها، لا سيّما أنها تدرك كونها الثابت، وأنّ والسياسة متغيرة الأهواء والمشارب والتحالفات والمراوغة وتستبدل الشخوص وتحولهم في لحظات حرجة إلى “مماسح طاولات”!!.
إذن فالقبائل وأبناؤها ثابت وطني، لا يمكن توظيفه في خلافات آنية زائلة، وعلى القبيلة ومشايخها أن تبقى مع الثابت الوطني والمقوّم الأخلاقي في تاريخها وحصيلة ما تفخر وتفاخر به. و لا تسمح بأنْ يخضع بعض شيوخها من الخط الثاني والثالث إلى المضاربة السياسية، فهي غير لائقة بالقبائل وبدورها في الحياة العامة ، كونها محكومة بتاريخها وإرثها، وتستحيي ان تكون لعبة في أيدي الزائلين حتما من السلطة والمنصب ، فلو دامت لغيرهم ما وصلت اليهم، والعاقل يفهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“1” لاكت من “اللوك”، أي مضغُ اللقمةِ.





