تحقيق

محمود صبحي الدفتري ، رجل من تاريخ العراق..

     كان الوالد في هذا التاريخ يسكن في بيت مستأجر في حي إرخيته بالكرادة الشرقية، وهو البيت الذي ولدت أنا، أصغر الأبناء فيه عام 1942، وعادت العائلة الى محلة قهوة شكر بعد وفاة الوالد في مايس 1944.

    ومن الواضح أن صحة إبراهيم صالح شكر كانت محل اهتمام الدفتري ، ولهذه القضية قصة أحاول أن أتطرق لها في سطور قادمة .

عقب فصله من وظيفته قائمقاماً لقضاء علي الغربي للواء العمارة ، محافظة ميسان حالياً ، بعد تأييده انتفاضة مايس 1941،عندما كان قائمقاماً لقضاء خانقين ، أخذت صحته بالتدهور وهو أصلاً يعاني من مجموعة من الأمراض ، فقد أصيب بالملاريا بعد أنْ كانت أمراضه تشمل الروماتزم في الكتف الأيسر ، والقرحة في جدار المعي، ودخل السكري الى قائمة أمراضه في وقت كانت فيه الشرطة تبقي دار سكنه في أرخيته تحت المراقبة ، وقال لي لطفي بكر صدقي أحد أصدقائه المقربين، أن الوالد اعترض في إحدى المرات الشرطي السري الذي يراقبه، وأعطاه ورقة ، قائلاً له : يا إبني لا تتعب نفسك، هذه هي حركاتي فاكتبها لمن أرسلك!

    وقد ازدادت متاعبه الصحية والنفسية بعد إعدام صديقه محمد يونس السبعاوي ، وقالت إحدى سيدات العائلة لي أن الوالد استضاف في منزله بأرخيته والدة السبعاوي ليلة إعدامه وشاركها الحزن .ولأنه قضى الليل كله في ليلة باردة على سطح الدار حتى طلع الفجر حيث كانت العادة الجارية تنفيد أحكام الاعدام فجراً ، فأصيب بذات الرئة ثم السل الحاد، فنقل بمعرفة محمود صبحي الدفتري الى  مستشفى العلمين في الكرادة الشرقية ، ربما كانت قرب محل سكناه في إرخيته ، ووفقاً لرغبة وزير الخارجية محمود صبحي الدفتري الذي تحمل تكاليف العلاج، لكن الوالد توفي في الساعة السابعة والربع من صباح يوم الإثنين الخامس عشر من شهر مايس عام 1944.

       وفي عام 1962 وكنت شاباً ، وطالباً في ثانوية الأعظمية ومهتماً بجمع  تراث والدي ، قابلت محمود صبحي الدفتري في منزله بالشواكة ، حالياً شارع حيفا ، ويقع على ضفاف نهر دجلة جوار السفارة البريطانية، وقال لي إنه حينها كان وزيراً للخارجية ، وعلى غير العادة اتصلت به إدارة المستشفى لتطلب حضوره الى المستشفى حسب رغبة إبراهيم صالح شكر، مع أنه كان يزوره يومياً.

    واكتشف عند وصوله أن الوالد طلب مغادرة ابنه رياض المستشفى الى البيت لكي لا يموت أمام ابنه، وأبلغ الأطباء ، الدفتري ، بأن إبراهيم يُحتضَر ، وحضر الى المستشفى أيضاً رفائيل بطي والمحامي فائق توفيق، وهما في زيارة تفقد يومية وكان الثلاثة موجودين ساعة وفاة إبراهيم صالح شكر.

    وشيع يوم 16 ايار 1944 وكان نعشه ملفوفاً بالعلم العراقي ،وتقدمت موكب التشييع صورة كبيرة له ، وهي الصورة الموجودة عندي حتى اليوم.

     وشارك في التشييع جميل المدفعي، ومحمود  صبحي الدفتري ، والوزراء ، وممثل عن نوري السعيد ، ورئيس مجلس النواب الشيخ محمد رضا الشبيبي ، ورئيس مجلس الأعيان محمد الصدر ، وجمع غفير من الوزراء ورجال السياسة والدولة والصحافة والأدب، ورفائيل بطي  وجميع أصدقائه ، ودفن في مقبرة الغزالي بوسط بغداد، بعد أداء الصلاة على جثمانه في مسجد الشيخ عبد القادر الكيلاني.

      وبعد حين توفي ابنه البكر ، رياض عام 1946 في لبنان نتيجة انتقال وباء السل إليه بالعدوى لأنه كان ملازماً لوالده في المستشفى ، ونقل الى مصح بحنس اللبناني للعلاج دون جدوى، ودفن في بحنس بإشراف قنصل العراق العام عبد الجليل الراوي ، والشاعر اللبناني أمين نخلة ، وهما من أصدقاء الوالد.

وبكى  الشاعر أمين نخلة على الهاتف عندما اتصلت أنا به عام 1970 ليدلني على قبر رياض في لبنان، وتكررت اتصالاتي ومراسلاتي معه في إطار جمعي لتراث والدي.  

ولكي تكتمل الفاجعة ، فقد التحقت الوالدة بهما بعد حين.  

     محمود صبحي الدفتري  ( محمود صبحي) اسم مركب ، وهو  من مواليد بغداد في 14 كانون الأول عام 1889 وتوفي فيها  يوم 7 كانون الأول عام 1979 نتيجة مضاعفات عملية جراحية ، وتقلد عدة مناصب وزارية في العهد الملكي.  

      واسمه الكامل هو محمود صبحي بن فؤاد بن إسماعيل بن إبراهيم بن خليل الدفتري، ينتسب لآل الدفتري، وهي عائلة معروفة من عرب ديار بكر فضّلت العيش في بغداد مع الفتح العثماني الثاني لها عام 1638 باشتغال أجدادهم بوظيفة «الدفتردار» المساعد للوالي.

     والدته هي ابنة رئيس بلدية بغداد ابراهيم الجادرجي وأخت رفعت الجادرجي الذي أصبح في وقت مختلف رئيس بلدية بغداد، وابن عمهما كامل الجادرجي.

     وهو متزوج من السيدة صبيحة والتي توفيت في لندن عام 1950، وانجبت له عدة بنات منهن السيدة لميس زوجة المؤرخ خيري العمري والسيدة نجلاء.

     ومن أولاد خاله ، الوزير علي ممتاز الدفتري وصبيح ممتاز الدفتري ونعيم ممتاز الدفتري.

     ودرس الدفتري في مدرسة إعدادية وبعد تخرجه منها عين بوظيفة كاتب في دائرة ولاية بغداد وكان أول طالب يلتحق بمدرسة حقوق بغداد عند تأسيسها عام 1908 وتخرج منها عام 1912 بشهادة حقوق وفي وقت لاحق عرضت عليه وظيفة عميد الكلية لكنه رفض واختار وظيفة المدير العام لدائرة التسجيل العقاري. (الطابو)، 

   سافر عام 1917 مع والده إلى اسطنبول عبر مدينة الموصل عقب الاحتلال البريطاني للعراق ، ثم عادا الى بغداد التي عام 1919، وشاركا في الحركة الوطنية التي ساندت ثورة العشرين، فقبضت عليهما السلطات العسكرية في 28 آب 1920 وزجت بهما في السجن ثم نفيا الى اسطنبول،  ولبِثا هناك ما يقارب السنتين حتى سمح لهما بالعودة بعد تنصيب الملك  فيصل ملكاً على العراق عام 1921.

    وأصبح عضواً في مجلس النواب لأكثر من مرة ، وفي عام 1931 أصبح أمين العاصمة ثم عين عضواً  في مجلس الأعيان عام 1937.

    شغل محمود صبحي الدفتري منصب وزير العدلية خلال تولي نوري السعيد وزاراته الثلاث المتوالية الثالثة والرابعة والخامسة للفترة من 25 كانون الأول 1938 حتى 31 آذار 1940، كما شغل منصب وزير الخارجية في وزارة نوري السعيد الثامنة للفترة من 25 كانون الأول 1943 حتى 4 حزيران 1944 وفي هذه الفترة تولى الدفتري العناية بالوالد ابراهيم صالح شكر ودخوله المستشفى.

     استمر الدفتري في عضويته بمجلس الأعيان حتى تشرين الأول عام 1945 فاعتزل الحياة السياسية بسبب معارضته لتعديل الدستور التي منحت الملك وبالتالي الوصي على العرش الامير عبد الإله صلاحيات جديدة تمنحه حق إقالة الوزارة حسب رغبته تحت ذريعة أنّ سياسة الوزارة لا تتلاءم مع موقف البلاط الملكي ، وقد ناصبه الوصي العداء لهذا السبب.  

      وكان ينظم كل يوم جمعة في مسكنه القديم في الحيدرخانة ثم مسكنه الجديد في الشواكة، ديوان الدفتري، يحضره الكتاب والسياسيون والأدباء والصحفيون ،وكان من رواده في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات معروف الرصافي وابراهيم صالح شكر وعبد المسيح وزير وجميل صدقي الزهاوي ونوري ثابت وطه الراوي وعبد الله الشواف ومنير القاضي من الادباء.

    وياسين الهاشمي وطه الهاشمي وجميل المدفعي وحكمت  سليمان وعبد الوهاب محمود ويونس السبعاوي وحسين جميل وغيرهم من السياسيين.  

     واستضاف الدفتري في ديوانه بعض الشخصيات العربية والأجنبية التي قدر لها أنْ تمر ببغداد أو تقيم بها إقامة مؤقتة ومنهم عبد الرزاق السنهوري وسعد الله الجابري ورياض الصلح وعلي الجارم  والدكتور زكي مبارك 

     وحضر الوالد أيضاً أغلب المناسبات التي يستضيف الدفتري فيها بعض الشخصيات العراقية والعربية، ومنها احتفاء الدفتري بالعلامة الدستوري المصري عبد الرزاق السنهوري ويظهر الوالد في الصورة ، بينما يبدو الدفتري، واقفاً خلف الجالسين.

مقالات ذات صلة