تحقيق

بعد نحو ربع قرن من 2003..الفريق الحبوش يثير “لغزي” الاختفاء والموت..

     وبين هذين الخلافين هذا مقال توثيقي تاريخي مضى على تفاصيله نحو ربع قرن من الزمان، يعود تحديداً إلى 8 من آذار 2003، وبشكل أكثر تحديداً إلى ما قبل احتلال بغداد بيوم واحد. وأؤكد فيه أن:

  • هذا المقال لاعلاقة له بـ: (مع أو ضد)، ولا (مدح أو ذم)، ولا (وفاء أو خيانة)، ولا بجميع مرادفات المعاني السابقة.
  • هذا المقال يراد منه بيان حادثة تاريخية معينة باستخدام الوثائق (مذكرات، شهود، مواد إعلامية منشورة).
  • هذا المقال يعرض مرويات تاريخية موثقة في كتب عدة، تشير إلى الحادثة، منها ما أشار بشكل مباشر، ومنها ما أشار ضمناً.
  • هذا المقال يستعرض تفاصيل حادثة معينة عبر وثائق مدونة وشهود معروفين، وليس عبر (حسن) أو (سوء) الظن المجردين من الشهادات والوثائق.
  • هذا المقال يصب في إطار التوثيق لا التحليل، ولمن لا يميز بين التوثيق والتحليل، فإن الأول يتعلق بذكر الحوادث المجردة فقط، وحسب الوثائق، والثاني يبحث في ما ورائيات تلك الوثائق والشهادات المثبتة فيها.
  • هذا المقال يذكر وجهتي نظر، واحدة تضع طاهر جليل الحبوش في قفص الاتهام (بشكل مباشر)، والأخرى تبرئه من التهمة (بشكل غير مباشر).
  • لكل من وجهتي النظر مصادرها المدونة، وقد صار الجميع من التاريخ.

وندخل الآن في صلب الموضوع بعد وضوح الغرض.

روايات الإتهام:

  • أقلعت من مطار صدام الدولي (مطار بغداد حالياً) طائرة سي 130 الأمريكية(Lockheed C-130 Hercules)
  • تاريخ الإقلاع هو 8 من آذار/ مارس 2003.
  • نقلت الطائرة  المذكورة كبار ضباط الحرس الجمهوري ومسؤول الفدائيين مع عائلاتهم خارج العراق.
  • تم منح المنقولين جوازات أمريكية مع ملايين الدولارات.

أبرز المنقولين هم:

  1. الفريق سفيان ماهر التكريتي قائد الحرس الجمهوري وقريب صدام
  2. طاهر جليل (حبوش) التكريتي رئيس جهاز المخابرات– رئيس استخبارات الحرس الجمهوري
  3. آخرون

المصادر التي نقلت الحادثة (اقلاع الطائرة أو هوية المنقولين فيها) حسب اسماء المصادر وأرقام الصفحات هي:

  1. الإنهيار بداية وليست نهاية، 167
  2. سقوط العرب في الحرب على العراق، 100-101
  3. حرب العراق، 227-229
  4. سنوات صدام، 32-33
  5. أسرار وخفايا المقاومة العراقية، 70-72
  6. صدام حسين الجمهورية الخامسة، 273-274

    زائداً شهادة أدلى بها فلاديمير تيتورينكو آخر سفير روسي في العراق قبل الاحتلال عن موضوع الطائرة ومن نقلوا عليها في مقابلة على قناة روسيا اليوم RT بثت على يوتيوب في 30 نوفمبر 2011، قال فيها:

“علمت فيما بعد أن هذه الطائرة (سي – 130) نقلت الجنرالات الذين خانوا صدام، هذه المعلومات حصلت عليها من كبار المسؤولين العراقيين من أصدقائي، وأن CAI دفعت لكل ضابط منهم 10-20 مليون دولار، وهم حوالي 50 ضابطاً من الجنرالات وكبار قادة الحرس الجمهوري، ويعيشون الآن في فلوريدا”. وقال تيتورينكو عن طاهر جليل حبوش بشكل مباشر أنه “كان واحدا ممن خانوا صدام”، والحديث موجود في كتاب الهمجية لسلام مسافر وموثق على هذا الرابط في يوتيوب:

روايات التبرئة

      وأقول التبرئة (غير المباشرة) لأنها لم تتحدث عن الفريق الحبوش بشكل مباشر سوى شهادة قدمها سالم الجميلي وهي عامة ايضاً، لكنها تؤخذ باعتباره ينتمي إلى جهاز المخابرات العراقية في مرحلة ما قبل الاحتلال الامريكي البريطاني للعراق، وهو أعرف بهذا الجهاز ومدير الجهاز من غيره، أما بقية الشهادات فقد برأت قيادات الجيش العراقي عامة، والحرس الجمهوري خاصة، وإلى هذه الشهادات ومصادرها.

  1. ينفي الفريق الركن المتقاعد د. ياسين فليح المعيني الذي شغل معاون رئيس أركان الجيش للعمليات قبل الإحتلال وجود خيانة في الجيش العراقي لغاية 9 من إبريل/ نيسان 2003، ويذكر في فصل (البعض القليل من الدروس المستنبطة من الإحتلال)، في مبحث (الإيجابيات):”عدم وجود أي خيانة أو عمالة في القوات المسلحة العراقية لغاية 9 من إبريل/ نيسان 2003، وما يشاع هنا وهناك، و[ما كُتِبَ في] مذكرات البعض من المسؤولين الأمريكان والعراقيين وغيرهم بوجود مثل هكذا أمور فإنها افتراءات وأكاذيب للتأثير السلبي على ما تبقى من نفوس الشرفاء من العراقيين، وإدخال اليأس والشك في قلوبهم، حتى يبقى الغزاة يعملون حسب أهوائهم”، المصدر: جيش في الذاكرة، 566-567.
  2. ويقول الفريق الركن مجيد حسين علي مؤكداً:” الذي أريد أن اقوله بكل أمانة لم أسمع لا من قريب ولا من بعيد أن هناك خيانة في الجيش العراقي أو الحرس الجمهوري ..لكنّ هناك تقصيراً في الحسابات والتقدير !- ويضيف-  أقول لا خيانة ولا انشقاقات في صفوف الجيش ولا في الحرس الجمهوري لكنّ هناك شكوكاً بالنصر وتقصيراً في الواجب- ويضيف ثانية- أن الحقيقة التي أكتبها وأدونها للتأريخ ولمن يقرأ [أنه] لم يبادر أي منا بالتفكير أو مجرد الاشارة إلى انقلاب عسكري. وفي ذات الوقت أقول أيضاً للأمانة لو أن أي طرف فكر وبمساعدة آخرين ربما استطاع وبكل سهولة..! لكن لدي قناعة انه لا سمح الله لو حصل ذلك لانقلب الأمريكان على الانقلابيين في ذات الوقت..!”، المصدر: مذكراتي (حرب الخليج الثالثة، معارك المطار اسرار وأهوال)، 659-661 باختصار.
  3. ويؤكدمصدر ثالث قائلاً: إنه “لم يكن بين القوات العراقية خونة، هذا ما تأكد بعد كل هذه السنين من الغزو”، المصدر: سنوات عاصفة، 52.
  4. ويقول سالم الجميلي، رئيس شعبة أمريكا في المخابرات العراقية -ليس في كتابه المخابرات العراقية أسوار واسرار – وإنما في لقاء بث بتاريخ 20 آذار/ مارس 2013 على قناة آر تي: “وفقا لمعلوماتي، وأنا على ثقة من صحتها، لم تحصل أي خيانة على مستوى القيادات على الإطلاق، بقيت القيادات متماسكة”، المصدر: الهمجية لسلام مسافر، 33. والحوار موجود وموثق على يوتيوب على الرابط:

      وبعد عرض الرأيين، أود أن أقول إني لم أجد شيئاً مكتوباً للحبوش بعد 2003، يمكن أن يؤكد أو يفند الحادثة، لكني وجدت كتاباً مطبوعاً على آلة كاتبة (يشبه كتاب مذكرات وطبان في طبعته الأولى) وقد عرضته دار نشر مصرية في أحد معارض الكتاب في الشارقة قبل نحو 7-8 سنوات، كان بحدود 400-500 صفحة تقريباً، لم يكن المتوافر أكثر من خمس نسخ مطبوعة على ورق A4، أكد لي الناشر أنه للفريق الحبوش، قلبت صفحاته على عجالة، ووجدت فيه موضوعات عدة أتذكر منها: ملابسات اغتيال شخصيات دينية، وموضوعات متخصصة بالكرد، تركت شراءَهُ لعدم اهتمامي بمثل هذا الموضوع في تلك المدة، للأسف.

جوهر المقال

     هناك سؤال يراودني دائماً، هل هناك المزيد من هذه المصادر والشهادات التي لم نقف عليها؟ والتي تجيب عن هذه القضية وعشرات القضايا التي مرت بنا في تلك الحقبة المريرة بحيث يمكن وضع النقاط على الحروف بوضوح لهذا المقال؟، وأجيب نفسي: نعم من دون شك، لكن، أين؟، مع من؟، متى ستظهر؟، ما الذي أخَّرها كل هذا الوقت؟، والأهم في كل هذه الأسئلة: كيف ستُقرأ هذه الحوادث من قبل الأجيال القادمة؟.

     هذا هو جوهر المقال الذي أضعه حباً في البحث التاريخي، وأمام الباحثين المتجردين الذين لا يهمهم سوى البحث عن الحقيقة في مصادرها وشهاداتها، ومعها كانوا أو ضدها.  

مقالات ذات صلة