الغارديان: كيف يمكن أن تؤدي الحرب في إيران وتداعياتها الاقتصادية إلى هزيمة ترامب؟



“برقية”: ترجمة عن الغارديان
ترامب واثق من أن مشروعه المشترك مع إسرائيل في إيران سيحقق النجاح نفسه. فسيل الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية الموجهة إلى إسرائيل وجيران إيران العرب لم يغير شيئًا في قناعة ترامب بأنه قادر على الفوز، مهما كان تعريفه لكلمة “الفوز”!.
ومهما فعلت الحرب بأسواق الطاقة، فإن الاقتصاد الأمريكي قادر على تحمّل ذلك. فقد كتب على وسائل التواصل الاجتماعي: «أسعار النفط على المدى القصير، والتي ستنخفض بسرعة عندما ينتهي تدمير التهديد النووي الإيراني، هي ثمن صغير جدًا تدفعه الولايات المتحدة والعالم مقابل السلام والأمن». وأضاف: «الأغبياء فقط قد يفكرون بخلاف ذلك”!.
إن شعور ترامب بأنه لا يُقهر يعود أيضًا إلى أن سياساته المتقلبة حتى الآن لم تسبب ضررًا بقدر ما كان يُخشى في البداية. فعلى الرغم من جدار الرسوم الجمركية الذي فرضه، وتفكيكه لقوة العمل الفدرالية، وترحيله للعمال المهاجرين، وهجماته المستمرة على مجلس الاحتياطي الفدرالي، كان قتصاديون كبار يتساءلون قبل أسابيع قليلة عمّا إذا كان الاقتصاد قادراً على تحقيق أصعب الإنجازات: هبوطًا ناعمًا بعد فترة التضخم المرتفع؟.
كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ربما تكون الأكثر تحصنًا بين الاقتصادات المتقدمة الكبرى ضد ارتفاع أسعار الطاقة. فقد تراجعت واردات النفط الخام بشكل ملحوظ مع ارتفاع الإنتاج المحلي منذ أوائل العقد الأول من الألفية. كما أصبح الغاز الطبيعي، الذي لا يتأثر سعره المحلي بارتفاعات السوق العالمية بنفس الدرجة، يلعب دورًا أكبر في إمدادات الطاقة.

اليوم يلبّي النفط نحو 38٪ من استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، أي أقل بنحو 10 نقاط مئوية مما كان عليه خلال أزمة النفط عام 1973، عندما أوقف منتجو النفط العرب شحناتهم إلى الولايات المتحدة لمعاقبتها على دعمها لإسرائيل في حرب يوم الغفران. في المقابل ارتفعت حصة الغاز الطبيعي من 30٪ إلى 36٪.
ارتجفت الأسواق الأوروبية عندما ضيّقت إيران الخناق على مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20٪ من شحنات النفط في العالم، وازداد القلق عندما أوقفت قطر منشآت الغاز المسال. أما في هذا الجانب من المحيط الأطلسي، فإن مؤشر إس آند بي 500، وهو المقياس المفضل لدى ترامب للاقتصاد الأمريكي، لا يزال يحوم قريبًا من أعلى مستوياته التاريخية.
لكن مهما بدا ترامب منتشيًا، فإنه يواجه الهزيمة. ليس هزيمة عسكرية أمام ما تبقى من القوات المسلحة الإيرانية، بل هزيمة أمام القوة الوحيدة التي استطاعت في التاريخ إيقاف المغامرات العسكرية الأمريكية: معارضة الشعب الأمريكي. فالحرب ضد إيران لم تكن شعبية منذ البداية، وهو أمر غير معتاد لدولة تميل غالبًا إلى دعم إرسال أبنائها للقتال حتى عندما تكون المبررات موضع شك. كما أن آثارها الاقتصادية لن تساعد على زيادة شعبيتها مستقبلًا.

إن الاكتفاء الذاتي في الطاقة لا يمكنه أن يعزل الولايات المتحدة بالكامل، فسعر النفط يُحدد في الأسواق العالمية سواء جاء من تكساس أو من الشرق الأوسط. وقد ارتفع سعر البنزين العادي بالفعل إلى أعلى مستوى له منذ تولي ترامب منصبه، متجاوزًا 3.50 دولارات للغالون. وتتوقع الحكومة الآن ألا تعود أسعار البنزين بالتجزئة إلى مستويات عام 2025 قبل خريف 2027، في حين سيبقى سعر الديزل أعلى من مستواه قبل الحرب على الأقل حتى نهاية العام المقبل.
شركات النقل بالشاحنات ستمرّر معظم هذه الزيادات إلى العملاء. كما أن المزارعين الذين يواجهون ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة سيضيفونها إلى أسعار الغذاء. كذلك سيتضرر تجار التجزئة وشركات الطيران من ارتفاع تكاليف الوقود.
وكل هذا سيظهر بلا شك في قراءة التضخم لشهر مارس-آذار، بعد أن كان قد استقر في فبراير-شباط عند زيادة قدرها 2.4٪ مقارنة بالعام السابق.كما أن كل ذلك سيعرقل خفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفدرالي. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تؤثر أسعار الوقود المرتفعة في محطات التعبئة على مبيعات سيارات الدفع الرباعي التي يعشقها الأمريكيون.

كل هذا سيضرب معدلات تأييد ترامب في المكان الأكثر حساسية. الرئيس يدرك هذه المخاطر، ولهذا يحاول بكل الوسائل خفض أسعار النفط. فقد كشفت الإدارة عن خطة لتأمين ناقلات النفط ومرافقتها عبر المضيق. كما رفعت بعض العقوبات عن صادرات النفط الروسية وتدرس طرقًا لزيادة إنتاج النفط في فنزويلا لسد أي نقص في الإمدادات.
لكن عكس أكبر قفزة في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود سيتطلب أكثر من ذلك. فإما أن تنتهي الحرب، أو أن تتمكن الولايات المتحدة من إضعاف قدرات إيران إلى الحد الذي يجعلها غير قادرة على تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز.
يبدو أن ترامب، بحسب تصريحاته العلنية، يعتقد في الوقت نفسه أنه قادر على تحقيق «استسلام غير مشروط» من طهران وأن الحرب «شبه منتهية إلى حد كبير». لكن مستشاريه في واشنطن كان ينبغي أن يتعلموا حتى الآن أنه يمكن قصف بلد من الجو حتى يتحول إلى أنقاض، ومع ذلك لا يعني ذلك الفوز بالحرب على المدى الطويل.
فلا الحرس الثوري الإيراني ولا قوات البسيج — وهما مؤسستان يكرههما كثيرون من الإيرانيين — سيتخليان ببساطة عن أسلحتهما ويخاطران بحياتهما. ومهما دُمّرت البنية التحتية الإيرانية، لا يزال هناك آلاف المقاتلين المسلحين على الأرض القادرين على القتال ودعم نظام معادٍ في طهران.
قد يتراجع ترامب عن مطلب «الاستسلام غير المشروط»، ويخترع مبررات أخرى لإعلان النصر وإعادة أسطوله البحري إلى بلاده، لكن ذلك لن يبدو جيدًا. أو قد ينشر قوات برية، وهو خيار لم يستبعده. أو قد يواصل القصف، وينتقل إلى استهداف الأهداف المدنية بعد الانتهاء من تدمير البنية العسكرية الإيرانية.





