تحقيق

أمسية وفاء للغناء الريفي: الاستاذ سليم سالم يستعيد سيرة خضير حسن ناصرية. .

   عاد الباحث إلى الجذور الاجتماعية لحياة خضير حسن ناصرية. موضحاً أن يتم الأب المبكر شكل منعطفاً حاداً في مسيرته، فبعد وفاة والده وهو صغير، نشأ في كنف خاله بمدينة الناصرية، حيث تشكلت لبنات وعيه الأولى في بيئة جنوبية خصبة فنياً، وغنية بالأصوات والحكايات والإيقاعات. وفي أزقة الناصرية، وساحاتها، كان الغناء جزءاً من الحياة اليومية، لا مهنة ولا تجارة .

       عند بلوغه العشرين من عمره، اشتغل خضير حسن ناصرية بائعاً متجولاً. كان يحمل بضاعته على ظهر فرس، وينتقل بين أحياء مدينة الناصرية، لكن ما ميّز تلك الجولات لم يكن البيع وحده إذ كان يقف ليغني، فتلتف النسوة من حوله، ويصير المكان مسرحاً عفوياً، والصوت خبزاً يومياً للروح، تلك التجربة، كما أشار سليم سالم، صقلت صوته وأسلوبه، ومنحته تماسّاً مباشراً مع الناس ومع الذائقة الشعبية في أنقى صورها .

     ومن أكثر محطات السيرة إثارة للتأمل، موقف خضير حسن الحاسم من الاسترزاق بالغناء، فقد رفض رفضاً قاطعاً أن يتقاضى أجراً مقابل غنائه، رغم حاجته الماسة للمال. كان يردد عبارته الشهيرة (الغناء لا يشترى و لا يباع) هذا الموقف الأخلاقي دفعه إلى التنقل بين المهن والمدن، بحثاً عن لقمة العيش، دون أن يساوم على قناعته، وهو موقف نادر، يعكس فهماً روحياً للفن، بوصفه رسالة لا سلعة .

     توقف الاستاذ سليم سالم مطولاً عند طور(الشطيت)، موضحاً أن التسمية مشتقة من الفعل (يشط) أي يقفز، ويعني ذلك أن المغني يخرج عن أصل مساره الى مسار جديد، وقد (اشتطَّ) خضير حسن ناصرية في هذا الطور المتعارف عليه في الغناء الريفي بالانتقالات السريعة صعوداً و نزولاً، وكذلك في مخارج الكلمات والمفردات، فهو غناء فطري. لذا عُدَّ الراحل خضير حسن، مبتكراً لبنية لحنية وأدائية شديدة الصعوبة، تتطلب قدرة عالية على التحكم بالصوت والتنقل بين الاطوار والاحساس ولهذا -يؤكد الباحث- عد الشطيت من أعقد الاطوار الريفية، ولا يجرؤ على أدائه إلا القلة .

                                   قصة (مفطورة)..

     تحدث الاستاذ المحاضر عن هذا اللقب الذي صاحب خضير حسن وقال : في أثناء عملية تسجيل أحدى اغانيه في ستوديو بيضافون في عام 1925 ، كان جلوسه قريباً جداً من ألة تسجيل الاسطوانة، ولأن صوته كان قوياً للغاية ، كسرت ابرة آلة التسجيل قرص الشمع أسطوانة التسجيل من شدة الأهتزاز، (هذه كانت الوسيلة الوحيدة لتسجيل الاغاني في ذلك الحين).

     وبسبب ما جرى، اطلق عليه لقب (حسن مفطورة). وأكد الباحث أن هذه المعلومة موثقة، والتي رواها صديقه المقرب محيي يوسف الذي كان يصاحب خضير حسن ناصرية في كل الاماكن التي يذهب اليها، والذي روى تاريخ حياته وأبرز محطاته الابداعية ، بعضها قدم في مسلسل درامي بعنوان (درب الحطابات) للكاتب حسين الهلالي الذي (اشتطّ) هو الآخر في إحدى المداخلات التي ذكر فيها أن هذا اللقب اخذه المطرب من اسم أمه مفطورة، ولكن الأستاذ سالم أصر على ما ذكره بعد نقاش طويل مع الشخص الذي تفضل بالمداخلة، واضاف قائلاً إن معلومة المداخلة غير دقيقة لانها ببساطة غير موثقة.

                              تأثير عميق في الكبار

     خضير حسن ناصرية ظاهرة ليست معزولة، فقد تأثر به كبار مطربي الريف وعلى رأسهم داخل حسن وحضيري ابو عزيز، اللذان كانا مرافقين له في حفلات الطرب ، وكان يسمح لهما بالغناء بعد أن ينتهي هو من الغناء أولاً وقد بين الاستاذ سليم سالم كيف انتقلت بصماته الاسلوبية الى هذين الرائدين، سواء في الاداء أو في الجراة على التجريب، ما يجعل من خضير حسن حلقة تأسيسية في تطور الغناء الريفي العراقي.                          وتخللت أمسية الاستذكار الثقافي الموسيقي، إشارات إلى مواقف طريفة من حياة الراحل خضير حسن، أضاءت جانبه الإنساني البسيط والعفوي، وكسرت جدية السرد التاريخي، لتعيد تقديمه شخصاً من لحم ودم، يعيش ويخطئ ويضحك ويتألم مثل الاخرين، وقد أشار المحاضر الى تلك المواقف بإسهاب، فأمتع بتفاصيلها جميع الحضور.

                       خضير ناصرية..والروح الوطنية

      كان المطرب الراحل وطنياً بالفطرة، ذكر المحاضر، أنه في فترة من حياته كان ينام في معسكر للانكليز مع العمال العراقيين في الشعيبة – البصرة، وقد غنى للعمال أغاني وطنية، أثارت في نفوسهم الحمية والنخوة، فحدث أضطراب، تحول إلى مظاهرات في المعسكر من جراء هذه الاغاني، مما ادى الى مغادرته المعسكر هارباً الى عبادان من بطش الانكليز.

              المغنّي حيّاً : حسين السعد يمتع الحضور

   ولم تكتف الأمسية بالسرد والتحليل، إذ شارك فيها الفنان المبدع، مطرب المقام والريف،  حسين السعد  الذي قدم باقة من أغاني خضير حسن، جاء الاداء ليترجم الكلام إلى صوت عذب وإحساس عالٍ، فأمتع الحضور وأعاد للاغاني نبضها الأول، مؤكداً أن هذا التراث لا يكتمل إلا بالأداء الحي.

مقالات ذات صلة