العراقتحقيق

مجتمعنا العراقي بين ظاهرة حسون الأمريكي وظاهرة البريكية

      ولأنّ البغدادي إنسانٌ، ينمُّ تعامله بإيجابية مع الثقافات الأخرى وان البغادّة يتقبلون الأفكار والممارسات التي لا تنسجم مع موروثهم وثقافتهم، ولا تخدش قيمهم، في الوقت نفسه، وبعضهم تأثر، بسرعة، بما كانوا يشاهدونه من أفلام، ومن الواضح الأثر الذي تحدثه الأفلام السينمائية الحديثة التي تعرضها دور السينما من تغيير في تفكير الناس وقناعاتهم وتكوين آراء جديدة، وقد أسهمت تلك الأفلام في تخفيف وطأة التقاليد الموروثة على سلوكهم وجعلهم أكثر انفتاحا وتحضراً. والدليل أن عدداً كبيراً من النساء غير المحجبات كن يدرسن في الجامعات ويعملن، بعد تخرجهن،  في مهن كطبيبات ومهندسات ومعلمات، ومنهن من أصبحن عازفات كالراحلة بياتريس اوهانسيان وغيرها، وكنَّ يظهرن في الشوارع حاسرات الرأس ويذهبن الى دور السينما ويحضرن حفلات الاغاني الشهرية وحفلات الازياء واختيار ملكة جمال بغداد، وكن يحضرن عروض للفرقة السيمفونية العراقية، ومحاضرات الأدباء والشعراء والعلماء، فضلا عن الصحفيين والنوادي الاجتماعية.

    يقول الأستاذ الجنابي عن حسون الأمريكي هو ذلك الإنسان غريب الشكل والمظهر والملبس هو (حسون العبيدي)، رجل أسمر طويل القامة، يقطع الشارع مشياً من الأعظمية  الى الباب الشرقي وبالعكس، ولأن البغادة شاهدوه يلبس قبعة الكاوبوي والجينز فقد أطلقوا عليه اسم (حسون الاميركي)، وحسون كان من سكنة منطقة الأعظمية ويسير من بيته الى الباب الشرقي ويعود، بعد ذلك بساعات، إلى بيته مشيا على الأقدام، مغيراً بين الحين والآخر ملابسه،  ولم يكن يسير على الرصيف، بل في نهر الشارع وعكس مسير السيارات.

    يضيف أستاذنا الجنابي قائلاً ( المهم أن حسون كان يلقى من البغادّة الاحترام ولم يتعرضوا له لا بكلام جارح ولا منعوه من مواصلة سيره، بل عدَوه شخصية ظريفة، وقد شاهدته عديد المرات وهو يسير من الجهة المقابلة لمحل والدي متجها إلى الباب الشرقي وفي قدميه حذاء (جم جم) وبنطلون نصفي وجواريب ملونة. والحال، أن سلوك البغادة الحضاري تقبل ملابس حسون بوصفها مودة، كما تقبلوا سلوكه بوصفه تعبيراً عن الحرية الشخصية، ولم يوجهوا الإساءة إليه ما دام لا يسيء إليهم.

     ويرى استاذنا الجنابي انه وفقا للمصادر التي قرأها عن حسون الاميركي، فإنه كان زبونا دائماً لدور العرض السينمائية ولمحال الملابس الراقية في شارع الرشيد، وقد تأثر جدا بما كان يشاهده في السينما من طريقة لبس الممثلين، وبدأ يطبقها على نفسه، ولقد شاهد أن بعض الممثلين يربي كلبا ويصطحبه معه فربى هو الآخر، كلباً وراح يصطحبه معه في أثناء سيره في شارع الرشيد) .

    في أواسط الستينات، دفعني فضول حبّ الاستطلاع إلى متابعة الشخصية الظريفة المدعو حسون الأمريكي في شارع الرشيد.كان ينزل من الباص رقم (٦) في الميدان قادماً من راغبة خاتون، حاملاً كلبه الصغير الحجم مربوطاً بحبل لسحبه، وكان يسير عبر شارع الرشيد متجهاً نحو الحيدرخانة ثم يواصل السير في الشارع حتى نهايته وعند عودته يمشي في الجهة اليسرى متجهاً نحو الميدان لركوب الباص رقم ٦ من الميدان عائداً الى راغبة خاتون.. وكان حسون ظريفاً لطيفاً يعتني بقيافته وملبسه وأناقة مشيته، ولا يرد على التعليقات الساخرة التي تصدر من بعض الشباب بل يقابلها بابتسامة لطيفة..

            الشرطة تقارن بين ظاهرتي حسون والبريكية؟

في الثمانينات اهتمت مديرية الشرطة العامة من خلال مركز البحوث والدراسات فيها (تأسس عام 1981) بدراسة وتحليل الظواهر الاجتماعية السلبية في المجتمع، وكانت حينها ظاهرة البريكية حديث المجتمع العراقي، وكلفت أحد الأساتذة الجامعيين وهو الدكتور عبدالسلام الطائي بالبحث في الظاهرة، وفعلاً أنجز دراسته الموسومة (الغزو الثقافي للشباب وصراع الاجيال..دراسة تطبيقية مقارنة بين جيل حسون الأمريكي وجيل البريكية). وأنا في الحقيقة لا أعدُّ (حسون الامريكي) ظاهرة لانه لم يتكرر ولم يقلده احد بل كان ظاهرة بمفرده وبشخصيته وتصرفاته واخلاقه .. ولا يصح مقارنته بظاهرة البريكية الظاهرة السلوكية الشاذة السلبية والمسيئة اجتماعيا..

   أما أهم ما خلصت إليه دراسة الدكتور عبد السلام سبع خماس الطائي عن المقارنة بين ظاهرة البريكية وظاهرة حسون الأمريكي:

      حسب الأستاذ الطائي:

  1. حصل حسون على شهرته من خلال الملابس التي كان يرتديها، والمخالفة للتراث الاجتماعي آنذاك.
  2. كان تحصيل حسون الدراسي متوسطًا، وحاول تعويض فشله الدراسي بإجادته للغة الإنكليزية.
  3. كان حسون لا يدخن ولا يتناول المسكرات إطلاقًا.
  4. كان حسون عصاميًا من أسرة فقيرة، كافح بعرق جبينه فأصبح غنيًا، حيث حصل على الثروة بشرف وعن طريق الكسب الحلال.
  5. كان حسون ميالاً للسلام، لا يعتدي على غيره حتى إن اعتدى عليه أحد بكلمات نابية، ويرفض أسلوب التحرش بالفتيات.
  6. كان لا يكذب ولا يجامل أحدًا على الكذب.
  7. دقيقًا في المواعيد.
  8. كان يمتاز بحبه للعمل الوظيفي وتفاعله من أجل ذلك، فقد حصل حسون على تشكرات عديدة من رؤسائه في العمل الصحي، ولعل هذا يُعد رد فعل إيجابياً لتعويض عقدة الفشل الدراسي.
  9. كان حسون لا يستخدم المكياج.
  1. حصل البريكية على شهرتهم سيئة الصيت بنفس الطريقة الحسونية.
  2. ظهر أن جيل البريكية من الفاشلين دراسيًا، وأن معظمهم ذوو تحصيل دون الابتدائية، ولم يفتشوا عن وسائل إيجابية لتعويض فشلهم الدراسي، كما فعل حسون.
  3. البريكية يتباهون بالتدخين وتناول المسكرات رغم صغر سنهم.
  4. البريكية يمتازون بالتبذير والجشع، والحصول على الأموال بالقوة أو السرقة، أي الكسب الحرام.
  5. البريكية فئة تمتاز بالخشونة وسوء التصرف، والتحرش بالفتيات بعبارات غير مؤدبة.
  6. الكذب والنفاق جزء من شخصية البريكية.
  7. يمتازون بعدم احترام الزمن.
  8. البريكية يمتازون بحبهم للعمل الحر، خصوصًا تصليح السيارات وتصليح إطارات السيارات.
  9. البريكية فئة مارقة عن الدين، وتقوم بأعمال سلوكية وأخلاقية شاذة جنسيًا، لا يرضاها الله ولا الدين.
  10. البريكية يستخدمون مسحوق المكياج مثل أحمر الشفاه الخفيف، ويلبسون الأقراط والأساور والقلائد.

    الدكتور الطائي، في دراسته الشهيرة عام 1989، رغم المؤشرات أو الخصائص السلبية على فئة وزمرة البريكية، لكنه يرى أنهم لا يشكلون إلا جزءًا يسيرًا من الجيل أو الشباب العراقي الواعي والمؤمن بالله والوطن والمستقبل المشرق والمنير، علمًا أن هذه الزمرة في طورها إلى الانتهاء بفضل جهود المخلصين والساعين للحفاظ على نظافة المجتمع من الحركات أو البدع العابرة، والطارئة عليه.

    البريكية لفظة وظاهرة طفت في اجزاء من المجتمع العراقي، في الثمانينات وإبان الحرب العراقية الايرانية، واللفظة جاءت من مصطلح (البريك داون دانسBreakdown Dance) ,قد وردت من المجتمعات المسحوقة في اوربا وامريكا..صبيان يؤدون حركات بهلوانية بارعة يتناوبون عليها وهم يتقلبون على الارض معتمدين على عضلات سواعدهم وسيقانهم، يدورون مثل (المصراع) وسط حلقة من المتفرجين والمشجعين.

    ظاهرة الخوشية:

          وقد ارتبط ظهور “البريكية” في المجتمع العراقي بظواهر أخرى مقاربة منها ظاهرة (الخوشية) وهم فئة شاذة تستخدم الاسلحة البيضاء او الاسلحة الجارحة في ايذاء الاخرين والاعتداء عليهم. 

    وكتبت الاستاذة إنعام كجة جي مقالة عن (البريكية) في صحيفة الشرق الاوسط قالت فيها: ” في الثمانينات انتشرت الظاهرة في انحاء من شرقي بغداد، وسمع الناس لأول مرة بالبريكية في بغداد، وهم أولئك المراهقون الذين يرتدون سراويل مترهلة ويمشطون شعورهم وفق القصّات الشبابية، يمشون وكأنهم يرقصون. وفهمت أنها تقليعة مستوردة من أميركا. بدأت ممارستها في نيويورك أوائل سبعينات القرن الماضي ثم اجتاحت العالم. لكن الموسوعات تخبرنا أن جذور تلك الحركات الراقصة بدأت في أفريقيا منذ الخمسينات، في نيجيريا بالتحديد. وبفعل انتشار تلك المهارات الأفعوانية وانجذاب الشباب لها، فتياناً وفتيات، نالت اهتمام الصحافة باعتبارها التعبير عن ثقافة جديدة تنمو في هوامش اجتماعية محددة.).

        وعند الحديث عن الشباب البريكية وممارستهم رقصة البريك داون، يرتدون سراويل متهرئة، فاتذكر انهم انطلقت لوصفهم اغان شعبية شهيرة منها اغنية (للكاع للكاع، ثوبة امركع) في وصف حركاتهم؟؟؟

    وتضيف الاستاذة كجة جي في مقالتها: (لم تكن بغداد بعيدة عما يجري في العالم. وهي قد عرفت مدارس تعليم الرقص للكبار والباليه للصغار. كان الرجال يرقصون مع نسائهم، منذ النصف الأول من القرن الماضي، التانغو والفالس والفوكستروت في نوادٍ للنخبة. غالبية الرواد من الجاليات الأجنبية. واليوم يتبادل رواد مواقع التواصل، بما يشبه الأعجوبة، صوراً لإعلانات عن حفلات «بالو» راقصة تقام في الملاهي الراقية مثل الإمباسي في بغداد وفندق شط العرب في البصرة. بينها ما كان مخصصاً للنساء في حفلات للشاي، بين العصر والمغرب).

      وتضيف الاستاذة كجة جي (أول المنتديات الاجتماعية المقصورة على المشتركين من علية القوم كان نادي العلوية. تأسس عام 1924 وأحسب أنه ما زال قائماً. ونادي الهندية عام 1949. ثم لحقت بهما نوادي الطوائف المسيحية مثل السنتر والمشرق وبابل والأنوار ونادي الأرمن. ومع انتشار نوادي النقابات وأصحاب المهن، كالمهندسين والتشكيليين والصحافيين والاقتصاديين، صار الرقص المختلط ممارسة ديمقراطية في الأعياد والحفلات.

     وكانت تلك النوادي تعلن عن وجود «باند» في حفلاتها، أي فرقة تعزف موسيقى حية، مثل فرقة شيراك وإلهام المدفعي وإيغلز. كنت في حدود السابعة من عمري حين سمعت بالروك أند رول للمرة الأولى. وأذكر أنني رقصتها مع أخي الكبير في اجتماع عائلي بحديقة الدار. يمسك بيدي ويديرني حول نفسي مثل اللولب. ثم يحملني من اليمين ويلقي بي وراء ظهره ليتلقاني من اليسار. كان هناك الغرامافون والأسطوانات الكبيرة السوداء التي نسميها قوانات. وتمر السنوات وألتقي في مهرجان «كان» السينمائي بالممثل والمؤلف الموسيقي الأميركي جيمي دونايت، صاحب الأغنية الشهيرة «روك أراوند ذا كلوك». لم يصدّق حين قلت له إنني رقصت على إيقاع تلك الأغنية في بغداد. قال إنه يعيش حياته من عائدات بيع أسطوانتها في العالم. كان سعيداً ونحن نغني المطلع سوية على إيقاع فرقعة الأصابع).

           (لم تكن البرجوازية العراقية وحدها من يرقص. فهناك أهازيج الفلاحين ودبكات الأكراد والآثوريين والإيزيديين و«الجوبي» وحفلات الغجر. وكان التلفزيون يعرض حفلات للراقصات الغجريات مثل حمدية صالح وبناتها. شابات ممشوقات القوام ذوات شعور طويلة مرسلة، يرتدين فساتين مستورة ويتمايلن برشاقة. ولم يكن الانحدار قد جرف الفن إلى هاوية الابتذال المسمى، زوراً، بالرقص العراقي).

           (وما بين مدرسة ألياس بحر، التي تعلّم فيها الزعيم عبد الكريم قاسم الرقص الغربي في الخمسينات، وبين ظاهرة البريكية في الثمانينات، يتنفس شعب عريق يشويه القيظ كطائر «يرقص مذبوحاً من الألم».)…

مقالات ذات صلة