تحقيق

(7)”نقش في الحجر”: إنعام كجه جي.. السنوات الأولى على طريق الألف حلم!

      وعلى رأس تلك الأحلام دائماً، وطن كامل معافى، صالح للعيش بكرامة، يفتح أحضانه لكل المنتمين اليه، ولادةً وحباً ووجعاً. تعشقه بطريقة ترقى الى مرتبة القدسية منذ أطلَّت على الدنيا في العام 1952، ولن ترضى ببديل عنه حتى ولو كان الجنة. وقد بلغ أضعافاً مع كل يوم جديد تمضيه من عمرها المهاجر. لكنه خذلها والملايين، بعد أن أاغتيلَ الرجاءُ في استعادة بقايا أزمان جميلة منه، حتى بات وطناً “لم يعد يشبهنا“..

     وطن شَكَّلَ جرحاً قديماً ينزف في خاصرة روحها المتحلقة في سمائه دوماً، ويسكن دفء أدبها الراقي الذي يُقْرَأ رواياتٍ بلغات العالم ومقالاتٍ وخواطر وتحقيقات كَتبتْ معظمها مغتربة منذ مدة تقرب من نصف قرن. كم كان الأمر سيبدو جميلاً لو أنّ كل هذا جرى في مراتع الصبا وموطن الذكريات الأولى بين اهلها واصدقائها وصاحباتها وجيرانها ومحبيها وقرائها الذين يؤلمهم رحيل روّاده ومبدعيه إلى صقيع الغربة. يغادرون وعيونهم على العراق.. و” كُلّو في المنافي يابا كُلّو في المنافي“.

والعبارة الأخيرة، مقتبس آخر من تعليقات تكتبها على منشوراتي، أتأكد عبرها أن “إنعام” التي عرفتها قبل خمسة وخمسين عاماً لم تتغير. لربما باتت مشغولة أكثر، وأكبر استيعاباً لتجارب الحياة وخصوصاً حياتها الصحفية التي مكنتها من عطائها الشاهق هذا: “حياتنا كلها روايات”. كَتَبَتْها بـ”أناقة حرف استدعتْ عمرا كاملاً”. عُمْرٌ.. ظلت خلاله تلك الشخصية الصادقة الواضحة القوية الجريئة الأصيلة الواثقة، المنصهرة في قالب من البساطة والتواضع، المشرقة بمزيج من الجد والمرح.

   صفات إنسانية لا أريد الاستطراد في تعدادها لأنني أعرف أنها لا تحب المديح. لم أراجع أرشيفاً كي أرويها، بل من خلال معايشة قريبة عَرَّفتني بإنعام التي لم تنسَ أصحابها الأوائل وتبقى تتذكرهم مهما باعدت بينهم السنون والمسافات: “رياض شابا الزميل والصديق الذي افتقدته دهراً، قبل أن يجمعنا الفيس بوك. ما زلت أتذكر ذلك المكتب الصغير الذي عملنا فيه، نبعث بطلب نفر كباب وكَرصة خبز عوازة“.

     ويوم جمعنا الفيس بوك في أواخر 2023، بادَرتْ إنعام بعد مدة قصيرة الى “شحن” روايتها “النبيذة” من باريس الى فانكوفر، وكان أول كتاب مطبوع يصلني طيلة فترة إقامتي في كندا التي رست سفينتي المهاجرة على شواطئها في خريف 2008… وكان يوماً مشهوداً أعادني الى آخر لقاء يجمعني بـ”أُم جهين” مطلع الثمانينات عندما زارت بغداد مع زوجها سمير حنا جاري منذ بداية السبعينات، وبيته يبعد خمسين خطوة عن بيتنا الأول في حي الغدير.

     ذهبت للسلام عليهما، ورأيت طفلهما الصغير “المتنعم” بين أحضان الأجداد. وبسهولة العارف بمكنونات الأصدقاء، قرأتُ على وجهيهما حزناً ملبوساً بقلق على مستقبل مجهول ينتظر وطناً يبكي شبابأ يحترقون كل يوم بنيران حرب نعيش سنواتها الأولى..

    كان واضحاً أن “إنعام” قد تخلّت عن كثير من أمارات البهجة وروح الطرافة التي يشيعها وجودها في أجواء المكان أيام عملها وإقامتها في العراق. “صباح الخير عبقر!!” .. “مييت هلا بالجهبذة!! ..يا الله شعندج جديد اليوم؟”… أو أنْ تُعَوِّضَ القاء إلتحية اثناء دخولها بـ: “ليلتنا نكَف إنْ شاء الله”. جملةٌ وموقفٌ ظلا عالقين في ذهني حتى اللحظة. لأكتشف أنها ما زالت تحت تأثير ما شاهدَتهُ من كوميديا مصرية رائعة على التلفزيون، نراجع أحداثها ضاحكين، وغالباً ما كانت تكتب عن الأشياء التي تترك بصمة على نفسها التوّاقة للابداع..

   تلك الأيام لن تعود.. ولقد مضى زمن طويل.. بل طويل جداً لم نعد نتبادل فيه عبارات ملونة بشيء من تندر يومي يغلف نقاشات مقتضبة وأحاديث سريعة تخطط لعملنا بقية النهار. موقف مضحك أو نكتة نرويهما، ليس مع فنجان قهوة، بل استكان شاي ساخن، نتناوله كل صباح، مغتسلاً بصوت فيروز، ومدشناً لسباق يحاول كل واحد الفوز بصيد ثمين في نهايته.

     فيروز، التي جاءت إنعام ذات ظهيرة سبعينية لتدعوني بلهفة، الى مشاهدة بروفات حفلتها في قاعة الخلد ببغداد، ولم أتمكن من الذهاب لظرف “إنساني” طارئ جعلني أحل محل زميل غائب: “منو يعرف شوكت راح نكَدر نشوف فيروز مرة ثانية؟”. ذهبتْ، وفي عينيها نظرة عتاب، لكنني غبطتها عندما عادت مأخوذة، بجناحين رفرفا في فضاء “جارة القمر”. وقد استعدتُ المشهد، قبل أسابيع قليلة سبقت عودة الصلة بيننا، وكم تمنيت لو أنها قرأت سطوري تلك.

     هكذا كانت إنعام، لا تُفَوِّت دقيقة تمضي هباء. تُهرع الى حيث السبق الصحفي والأحداث الطازجة التي لا تدعها تهرب منها. دماغها يعمل بدقة الساعات “السويسرية” وأكثر. لم تكن تحب الاجتماعات وإضاعة الوقت في كلام يتحول الى ندوة مملة من النوع الذي أَزْمَنَ في بلاد كانت سعيدة ولم تحصد غير الخيبات والـ”طاخ“.

    أفتقد الآن صوتها وهي تستعرض بعض مستجدات “مفكرتها” التي لا تدونها في دفتر صغير، أو على ورقة تطويها داخل حقيبتها أو أحد جيوب زيّها الجامعي. بل تختزنها مُخيِّلةٌ مُتَّقِدَةٌ، زاخرة بمشاريع عمل. ما إنْ تعود من مهامها، حتى تخرج المسودة، لتشطب كلمات وتدَوِّن غيرها. تفعل ذلك وهي واقفة أحيانا، قبل أن تجلس على طاولتها القريبة، لتسكب سطورها بخط جميل واضح ولغة سليمة وأسلوب أنيق، على صفحات ورق أسمر يعبق برائحة المطابع، تأخذ طريقها الى النشر وتنال إعجاب الزملاء والقراء، فنزداد ثقة بأننا أمام إنسانة وُلدتْ كي تكون صحفية من طراز خاص، اقتحمتْ عالم مهنة البحث عن المتاعب دون أن تصاب بالتعب يوماً.

    كتابات إنعام لافتة حد الانبهار منذ البداية. التقاطات وانتباهات ومعالجات تتسم بالموضوعية والتفرد والجرأة، والتنوع أيضاً، وهي لمّا تزل طالبة في عامها الدراسي الأول بقسم الصحافة. تمارس معظم أشكال الكتابة الصحفية خبراً أو تحقيقاً أو نقداً. “وخزة” أو انتباهة أو صرخة تتناول فيها ظواهر إيجابية أو سلبية في مجتمعنا. مواد مقروءة ومتميزة، تعزز رصيد زميلتنا التي سَبَقتُها بأسابيع في العمل بجريدة “الثورة” البغدادية، في زمن لم تكن الصحف اليومية وحتى الأسبوعية المهمة والمعروفة، تفتح أبوابها إلّا أمام صحفيين مهنيين متمرّسين، لا يسببون صداعاً أو دواراً لمن يراجع المواد من بعدهم ما عدا “استثناءات” قليلة. وكانت هي تُشَكِّل المفاجأة التي تدهشنا دائماً، فيخيل إليك أنك أمام عازفة بيانو متمرسة، أو رسامة محترفة.

      لم تكن الجريدة وقتذاك تشغل مقرها المعروف في ساحة”عقبة بن نافع” لعقود، بل تسكن مبنىً هَرِماً يجاور عمارة وكالة الأنباء العراقية في شارع “أبي نؤاس”، حيث دجلة يتهادى أمامنا صباح مساء، سبعينياً حانياً جميلاً، يلهمنا بالكثير، كتابةً وإحساساً وحكايات. نعلم أنها تحرر صفحات من الجريدة التي يصدرها قسم الصحافة بجامعة بغداد التي لم تكن تكتفي بالمساهمة فيها، بل تقف في ساحة التحرير وتبيع نسخها للمارة بصحبة زميلاتها وزملائها: “أهرام.. أخبار.. كَمهورية”، نتندر ونضحك دائماً، محلقين بأحلامنا التي بلا نهاية ..

     كان ذلك خلال ترؤس الدكتور خليل صابات “المصري” للقسم المذكور، والذي عينه طارق عزيز رئيس تحرير “الثورة” آنذاك ليكون مستشاراً للجريدة التي يزورها يومياً بعد انتهاء عمله في الجامعة، ويبدي إعجابه بكل ما تكتبه إنعام في الجريدتين مع أمثلة ملموسة. أسمعه يقولها في اجتماعاته بالأقسام أو في أحاديث ولقاءات معي وكادر التحرير، أو آخرين يلتقيهم في أيّ مكان يمكن أن يحضر فيه شخص مثله.

     وصحفية كهذه، لن تستغرب عندما تعرف أنها “لكَفَتْ” الرئيس أحمد حسن البكر أثناء زيارة له الى متنزه الزوراء، لتخرج بمادة صحفية مثيرة عن.. رئيس في حديقة عامة. كان الأمر ما زال جديداً ولافتاً ونادراً في تلك الأيام. والبكر نفسه، قرأ تحقيقا كتبته إنعام عن طالب طب إثرَ ظهوره في برنامج “العلم للجميع” للراحل الكبير كامل الدباغ، فاستدعاه وكرمه. وعمل ذلك الشاب معنا محرراً في الصفحة الأخيرة، قبل أنْ يتخرج ويصبح الآن مخترعاً معترفا به، وطبيباً شهيراً بشهادات وعيادات ومستشفيات.. خارج الوطن!!

     ولا تحضرني كل التفاصيل الآن، لكنني أعرف أنه يدعو إنعام “القديسة”، لأنه يعتقد أنّ تحقيقها سبب ما وصل اليه. وقد كان طالب الطب ذاك يتمتع بذكاء واضح بحق، وبدراية مكتسبة من خلال دراسته الجامعية، تيقنتُ منهما وهو يزودني بالنصائح الكفيلة بشفائي من قرحة الإثني عشري التي عانى منها كلانا “الطبيب وأنا” في زمن مشترك!

     وذات ظهيرة، وكنا في قسم التحقيقات وقتها، جاءت إنعام وعلى وجهها ضحكة كبيرة، فادركتُ على الفور أنها آتية بـ”خبطة” جديدة .. وما إنْ جَلستْ حتى راحت تروي تفاصيل لقائها بوزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور هشام الشاوي الذي تناولت معه الفطور في مكتبهِ، وخرجت بقصة صحفية ناجحة تضاف الى حسابها. قالت يومها إنّ الوزير يحب الصحفيين كثيراً ويسمّيهم “شعراء القرن العشرين.

    وفي نهار آخر، “اصطادت” وبالمصادفة في أحد شوارع العاصمة التي كانت جميلة نظيفة هادئة، السيارة التي تحمل رقم “1 بغداد خصوصي”! ولم أعد أنا أتذكر الآن صاحب هذا “الامتياز”.. فهل تفعل إنعام بعد مرور كل هذه العقود؟!

    وفي نهار مختلف ذَهبتْ الى حيث تقيم النجمة الإيطالية الكبيرة “جينا لولو بريجيدا” في الفندق وأظنه “فندق بغداد”، وحققت سبقاً “برتقاليا”!.. هكذا سميناه حينها، فقد التقطت اللون المفضل لدى الممثلة الحسناء الذي لا يطغي على ملابسها فقط، بل تُدخلهُ في ماكياجها أيضاً، لكنه لم يكن يتشرب في مزاجها لحسن الحظ، وفق وصف إنعام التي أجادت استثمار اللقطة في ما نشرته.

    انكبّت عل أوراقها ذات صباح وكتبت مادة سريعة عن مذيعة أو مقدمة برنامج ظهرت على الشاشة الصغيرة بكامل أناقتها وبتسريحة تلفت الأنظار، لكنها ارتكبت أخطاء لا تغتفر، رصدتها إنعام لتقول في الختام ما معناه أن ليست التسريحة الشيء الأبرز الذي يكترث به المشاهد، بل “المهم ما تحت التسريحة!”

    وفي أحد الأيام وقبل أنْ ندفع بالصفحات الى النشر، تناولتْ ورقةً واستلَّتْ قلمها لتكتب عن “عمر قتلاتو”.. فيلم دراما جزائري “صَدَرَ” في سنة 1976، اخراج مرزاق علواش، فاز بالجائزة الفضية في مهرجان موسكو السينمائي الدولي العاشر حسب “ويكيبيديا” التي أسمته “عمر قتلتوا”. وليست التسمية بيت القصيد في ما أقول طبعاً، بل هي أمثلة أحفظها عن قلب، وأرويها بنبض الوفاء لزميلة أفتخر أنني عملت معها مدة طويلة، واكتشف كل يوم اهتماماتها الجميلة المتشعبة مثل حديقة زاخرة بزهور من كل لون ونوع.

     صنعتْ ذات ظهيرة مادة جميلة عن موسيقى هادئة يبثها تلفزيون بغداد في الفترة التي تسبق الافتتاح اليومي للبرامج. تفاجأتْ شقيقتها الصغرى “جمانه” بألحان ساحرة تنبعث من زاوية ما في البيت، وما إنْ فتحت باب غرفة إنعام واكتشفت “السر” حتى بدأت تحذو حذوها. ويومها أرادت الكاتبة أنْ تلفت الانتباه الى فاصل كان يسعد الكثيرين ممن عاصروا ذلك الزمن وأنا منهم، وتمنت أنْ يطيلوا المدة من أجل “موسيقى للجميع”. وكانت تلك مناسبة أُشير من خلالها الى مختارات من الموسيقى الكلاسيكية تبثها إذاعة طهران الملكية ظهيرة كل يوم، نستمع اليها “بيتر يوسف” وأنا. “أبو بشار” في قسم الدراسات ونحن في “التحقيقات” بجناحين متجاورين، “نبث” منهما أنغاماً تفعل مفعول القهوة في أجواء مثل التي كنا نعمل فيها.

    وعلى ذكر عالم النغم، وكانت إنعام تعرف أنني أحرّر زاوية “نادي الموسيقى” في مجلة “الإذاعة والتلفزيون، فقد سارعت الى نجدتي في أحد أيام 1978، مقابل تلقينها عبارات جديدة بالألمانية ترددها من بعدي بسرعة. وجدتني حائراً في نقل بعض ما كتبته مجلة “باري ماتش” عن وفاة المغني والمنتج الفرنسي المشهور “كلود فرانسوا” الملقب بـ”كلو كلو”. قامت بترجمة العناوين المهمة للمقال مستخدمة كل ما تملكه من “عتاد” قديم احتفظت به منذ أيام دراستها في ثانوية “راهبات التقدمة” ببغداد التي تُعَلِّمَ طالباتها “لغة بلاد الغال”، وجعلوا اسم المدرسة “العقيدة” في وقت كان تغيير الأسماء بدعة سادت البلاد والعباد لسنوات طوال.

     ويوم زارت المغنية الشهيرة “ميريام ماكيبا” الملقبة بـ”ماما أفريقيا” بغداد في وقت ما من السبعينات أيضاً، احتفت بها الجريدة بشكل خاص، والتقينا بها إنعام وأنا، وأمضينا وقتاً ثميناً جعلنا نخرج بحصيلة رائعة عن الفنانة المناهضة ضد “الآبارتايد” وحكومة الأقلية البيضاء في بلادها الأم “جنوب أفريقيا“.

     ويضاف ذلك الحدث الى سجل ذكريات لا تنضب عن زميلة تقرأ كثيراً منذ سن مبكرة، تحفظ القصائد والأمثال، والحكم والأقوال، وتعشق الشعر الشعبي وتتلو علينا منه الكثير. “نبَّاشَةُ” كُتُبِ لا تُضاهى رغم “أثقال” الدراسة والعمل التي كانت تحملها وكأنها ترفع مضرب ريشة. وفي عيد ميلاد لها، أردت أنْ أهديها كتاباً، فاقترحتُ عليها كتابين كي تختار أحدهما فكان الجواب: “موجودين بمكتبتي”، فلجأت الى إعداد قائمة أطول، وكان الرد: “كلها عندي”.. وشكرتُ إنعام لانها وفرت عليَّ ثمن الهدية.

     تفعل كل ما تفعله من كتابات ومواقف، دون مباهاة أو ضجيج. بل تزداد تواضعاً وبساطةً. “كانت” أختاً صغيرة كبيرة في كل الأوقات. ينبوع وفاءٍ وطيبةٍ وانسانيةٍ وشهامةٍ. خلال زيارة لها الى العراق “في العام 2002 ربما” لمناسبة حزينة ومشاركة الأهل الوداع الأخير لوالدها الطيب “عبد الأحد كجه جي”، لَمَحَتْ بالمصادفة زميلنا المرحوم عمران رشيد ماشياً في شارع بالكرادة، فترجلت من السيارة التي كانت تقلها لتصيح: “عمران.. عمران” الذي سارع بإبلاغي أن “إنعام” ستزور في الغد مكتبه الإعلامي الذي “نخاني” لتولي مهام مدير التحرير فيه لصحف مهنية عربية، واستجبتُ لطلبه رغم توجسي من أعين النقابة والرقابة، بعد أكثر من سنوات عشر لاعتزالي المهنة. الا أن “إنعام” لم تأتِ الى زيارتنا لسبب طارئ، فاتصلتُ بها مواسياً، وكانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوتها.

      لا تدخر وسيلة للعون والمساعدة. وأتذكر جيداً، وعلى سبيل المثال، كيف أنها كانت “تتطوع” أثناء سنوات عملنا في الجريدة لاصطحاب قريبات لنا الى عيادة عمتها الطبيبة “ماهي كجه جي”.. في “بغداد الجديدة”. ” الدكتورة وردية”.. وما أدراك بتلك “الدختورة” الطيبة التي عاشت قريبة منها في باريس بعد ان انتزعت روحها من العراق، وصاحَبتْها حتى اللحظات الأخيرة في كل آمالها الضائعة وآلامها التي تبخرت بضياع وطن “طشرنا“..

     وها أنا اليوم أُلَبّي نداءً من الروح أَزْمَنَ معي، يدعوني الى كتابة سطور عن “إنعام كجه جي”، هي “أضعف الإيمان”، ولا تُعَدُّ الا نقطة في بحر تألقها. وكنتُ أبحث عن فرصة “تبرر” ما أقوم به، والذي أُدرك جيداً أنها لا تحبذه، وأنّ وجهها سيحمَرُّ خجلاً عندما تقوم بقراءته. ولكنها مناسبة تستحق الاحتفاء عندما أجدها تنال فوزاً تستحقه وأُعْلِنَ عنه في حزيران الماضي وستحظى به كاملاً في شهر تشرين الثاني “نوفمبر” المقبل حيث الاحتفال بتقديم جائزة العويس للثقافة التي كانت من نصيب عراقيين أعتز بهما، الأستاذ حميد سعيد والأستاذة إنعام كجه جي..

      تهانيَّ من القلب مجدداً إنعام، وسلامي الى زهرة “القداح” المزروعة في شرفة اغترابك الطويل، و”النخلة” التي تحرصين على إيداعها داخل المنزل شتاءً وأنت تروينهما بسواقي الحنين. تقبَّلي مشاكسة “عارضة” أخيرة: أستطيع أن أؤلف عنك كتاباً إذا ما تعهدت بطباعته، خصوصاً بعد التكريم.. الذي تواصلين به السير في طريق الألف حلم.. وحلم، أراها جميعاً تتجسد حقائق مع كل رواية وقصة وعمود، ومقالة بنكهة وطن مثقل بالجراح، بعضها يحمل توقيع “وردية شماس“.

مقالات ذات صلة