صحيفة “التليغراف”: إعادة رسم النظام الأمني الأوروبي عبر بوابة أوكرانيا



واقع الحال: لم تعد المفاوضات الأميركية الروسية بشأن أوكرانيا مجرد محاولة لإنهاء حرب استنزفت البلدين وأربكت الاقتصاد والأمن الأوروبيين، بل أخذت تتسع لتلامس سؤالاً أكثر خطورة: من يمتلك حق رسم مستقبل أوروبا، ومن يحدد قواعد الأمن والنفوذ فيها؟
تبدو تصريحات دونالد ترامب عن اتفاق «كبير وجميل» يتجاوز أوكرانيا مؤشراً إلى أن واشنطن لا تبحث عن تسوية عسكرية فحسب، وإنما عن تفاهم استراتيجي أوسع مع موسكو، يعيد تنظيم العلاقة بين القوتين، ويمنح روسيا معالجة لبعض هواجسها الأمنية المرتبطة بتوسع حلف شمال الأطلسي شرقاً. لكن جوهر المعضلة -بحسب تقرير نشرته صحيفة التليغراف البريطانية- يكمن في أن هذا التفاهم، إذا مضى بعيداً، قد يتحول إلى صفقة بين قوتين على حساب طرف ثالث، هو أوروبا، فضلاً عن أوكرانيا نفسها. فالأخيرة ليست مجرد ساحة جغرافية للنزاع، بل دولة ذات سيادة، ومن الصعب تصور سلام مستدام يَرسمُ مستقبلها من دون مشاركتها الفعلية.

والأكثر إثارة للقلق أن تصريحات جاريد كوشنر بشأن صياغة بنية أمنية أوروبية جديدة تكشف عن طموح يتجاوز وقف إطلاق النار، نحو إعادة تعريف العلاقة بين روسيا والغرب، وتحديد قواعد الاشتباك والنفوذ العسكري والسياسي في القارة. أما الحديث عن لقاء ثلاثي محتمل يجمع ترامب وبوتين وشي جين بينغ، فيحمل دلالات تتجاوز الحرب الأوكرانية؛ إذ يشي بإمكانية عودة منطق التفاهمات الكبرى بين القوى العظمى، على حساب مصالح الدول الأقل قدرة على التأثير. وقد جرت مقارنة هذا اللقاء الثلاثي المرتقب بمؤتمر يالطا عام 1945، الذي اجتمع فيه قادة بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لرسم ملامح أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
هنا تواجه أوروبا اختباراً تاريخياً: إما أن تستعيد قدرتها على إنتاج موقف استراتيجي موحد، أو تقبل بأن تُرسم ترتيبات أمنها في غيابها. إن أخطر ما في هذه المفاوضات ليس احتمال تقديم تنازلات لروسيا، بل أن تتحول أوكرانيا إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ الدولي، وأن تصبح أوروبا نفسها موضوعاً للتفاوض، لا طرفاً فيه.

مؤشرات رئيسة:
– صهر ترامب ومبعوثه البارز جاريد كوشنر، بيَّنَ أن الاتفاق بات وشيكاً. ووصفه بأنه «ينشئ بيئة أمنية أكثر استقراراً وقدرة على التنبؤ بالنسبة إلى أوروبا بأكملها».
– هذه التصريحات أثارت مخاوف من احتمال التوصل إلى «صفقة كبرى» بين روسيا والولايات المتحدة.
– وكان بوتين قد عمل طويلاً على استعادة قوة موسكو ونفوذها. لاسيما انه اشتكى مراراً من أن أوروبا وحلف شمال الأطلسي يتوسعان أكثر مما ينبغي باتجاه الشرق.
– وكان ترامب قد قال للصحفيين في المكتب البيضاوي إنه التقى «الشخص المسؤول الأول في روسيا»، في إشارة يبدو أنها كانت إلى دميترييف. وقال ترامب: «لا أستطيع أن أخبركم بما ناقشته، لكنني أقول لكم إن اتفاقاً سيُبرم، وسيكون اتفاقاً كبيراً، ولن يقتصر على أوكرانيا». وأضاف: «قد يشمل أوروبا بأكملها… سيكون اتفاقاً كبيراً وجميلاً، وسيكون الجميع سعداء به».

– وكشف كوشنر أن الرئيس ترامب أجرى نقاشاً مهماً مع عدد من القادة الأوروبيين بشأن الحاجة إلى صياغة بنية أمنية أوروبية أوسع، يمكن أن تهيئ الظروف لتحقيق سلام دائم.
– صهر ترامب قال أيضاً “إن عقوداً من انعدام الثقة، وتضارب المخاوف الأمنية، والعواقب المدمرة، تجعل هذا التحدي بالغ الصعوبة، لكنه يظل ضرورياً لتحقيق سلام دائم».
–صحيفة “التليغراف”، نقلت عن كوشنر قوله إن الاتفاق ينطوي على خمس نقاط رئيسة:
1. إقامة مشاورات أمنية دائمة.
2. إنشاء قنوات موثوقة للاتصالات في أوقات الأزمات.
3. تعزيز الشفافية العسكرية.
4. اتخاذ تدابير متبادلة للحد من مخاطر التصعيد.
5. وضع إطار مستدام للأمن والاستقرار الأوروبيين على المدى الطويل.
– ومن المقرر أن تنتقل المحادثات إلى أبوظبي الأسبوع المقبل، حيث سيناقش مفاوضون أوكرانيون وروس مع الولايات المتحدة المقترحات المطروحة.
– ويُتوقّع حضور مسؤولين من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، لكن من غير المرجح أن يشارك هؤلاء بصورة مباشرة في المفاوضات. ومع طرح مستقبل البنية الدفاعية والأمنية لأوروبا على طاولة البحث، بدا أن القادة الأوروبيين يسارعون إلى إيجاد مفاوض واحد يمثلهم في محادثات أبوظبي.





