تحليل سياسي

حرب الحوثيين و”مأزق  السعودية”..الأمن والاقتصاد أمام اختبار صعب

تكشف هذه التطورات عن مفارقة استراتيجية واضحة: تمتلك السعودية تفوقاً كبيراً في الموارد العسكرية والاقتصادية، لكنها لا تستطيع توظيف هذا التفوق وحده لفرض نهاية سياسية للحرب. فالقوة النارية، مهما بلغت، لا تضمن إخضاع خصم يعتمد على أساليب الاستنزاف والهجمات غير المتكافئة، ويستطيع مواصلة القتال بكلفة أقل نسبياً. وهنا تتجلى إحدى أبرز معضلات الحروب الحديثة؛ إذ لا يُقاس النجاح بقدرة الدولة على توجيه الضربات فحسب، وإنما بقدرتها على منع خصمها من تحقيق أهدافه السياسية والأمنية.

في المقابل، يدرك الحوثيون أن مجرد استمرار قدرتهم على تهديد العمق السعودي يمنحهم ورقة تفاوضية تتجاوز حجمهم الجغرافي والعسكري. فالهجمات لا تستهدف إحداث خسائر مادية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى رفع كلفة الحرب على الرياض، وإظهار محدودية قدرتها على توفير الحماية الكاملة لمنشآتها الحيوية. وإذا استطاع الحوثيون الحفاظ على هذه القدرة، فإنهم سيعززون موقعهم في أي مفاوضات مقبلة، حتى من دون تحقيق انتصار عسكري حاسم.

لكن هذا لا يعني أن الحوثيين يمتلكون حرية حركة مطلقة أو أن استمرار التصعيد يصب بالضرورة في مصلحتهم. فالهجمات التي توسع نطاق التهديد قد تستجلب رداً عسكرياً أشد، وتزيد الضغوط الدولية عليهم، وتضعف فرص التوصل إلى تسوية مستقرة. كما أن قدرتهم على الصمود لا تلغي اعتمادهم على شبكة من العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية، وفي مقدمتها طبيعة العلاقة مع إيران.

وتبرز إيران في هذا السياق بوصفها عاملاً مؤثراً في ميزان الصراع، لكن من الخطأ اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية؛ فللحركة حساباتها المحلية ومصالحها الخاصة، وإن كانت تستفيد من علاقاتها الإقليمية. وتتيح الضغوط التي تتعرض لها السعودية لطهران مجالاً لتوسيع نفوذها الاستراتيجي بصورة غير مباشرة، من خلال إبقاء الرياض أمام معادلة أمنية مكلفة. ومع ذلك، فإن حجم التأثير الإيراني الفعلي في قرارات الحوثيين، وحدود قدرتها على دفعهم نحو التصعيد أو التسوية، يظلان مسألتين لا يجوز حسمهما بالافتراض وحده.

أما الولايات المتحدة، فإن دورها لا يمكن فهمه باعتباره ضمانة مطلقة لأمن السعودية، بل بوصفه جزءاً من حسابات أوسع تتداخل فيها حماية المصالح الاستراتيجية، واحتواء النفوذ الإيراني، وتجنب الانجرار إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. وقد توفر واشنطن دعماً دفاعياً واستخبارياً وسياسياً للرياض، لكن ذلك لا يعني أنها تستطيع إنهاء التهديد الحوثي من دون كلفة، أو أنها ستتبنى بالضرورة كل الخيارات العسكرية السعودية.

وتكتسب المخاطر بعداً إضافياً عندما تتقاطع التهديدات الأمنية مع الطموحات الاقتصادية السعودية. فالمشاريع الاستثمارية الكبرى، ومساعي تنويع الاقتصاد، والسعي إلى ترسيخ صورة المملكة مركزاً آمناً للأعمال والسياحة، كلها تتطلب بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ. ومن هنا، فإن استمرار الهجمات لا يقتصر أثره على المنشآت المستهدفة، بل قد يمتد إلى حسابات المستثمرين، وتقديرات المخاطر، وثقة الأسواق بقدرة المملكة على حماية تحولها الاقتصادي.

وعلى هذا الأساس، تواجه الرياض معادلة صعبة: استمرار الحرب يستنزف الموارد ويُبقي المنشآت الحيوية تحت التهديد، بينما قد تفرض التسوية تنازلات سياسية وأمنية لا ترغب المملكة في تقديمها. غير أن الخروج من هذه المعادلة لا يتحقق بالتصعيد وحده، ولا باتفاق هش يوقف الهجمات مؤقتاً من دون معالجة أسباب النزاع. المطلوب تسوية قابلة للاستمرار، تضمن أمن الحدود والمنشآت، وتحد من قدرة الأطراف على استخدام الأراضي اليمنية منصةً لتهديد دول الجوار.

في المحصلة، لا تعني الهجمات الحوثية أن ميزان القوة انقلب لمصلحة الحوثيين، لكنها تكشف أن التفوق العسكري السعودي لم يتحول إلى حسم سياسي. وهذه هي النقطة الجوهرية في قراءة المشهد: قد ينجح الطرف الأضعف في فرض كلفة مرتفعة على الطرف الأقوى، من دون أن يكون قادراً على هزيمته، وقد يجد الطرف الأقوى نفسه مضطراً إلى التفاوض لا نتيجة انهيار قوته، بل نتيجة محدودية قدرتها على إنتاج النتيجة السياسية المطلوبة.

مقالات ذات صلة