تحليل سياسي

ورقة إيران الأخيرة في مواجهة التفوق الأميركي..

“برقية”: تحليل إخباري -مترجم

كانت واشنطن قد قدمت ضربة لارك بوصفها عملية «محدودة ودقيقة» هدفها منع الحرس الثوري الإيراني من زرع ألغام بحرية تهدد الملاحة الدولية في مضيق هرمز. لكن الرد الإيراني، ثم جولات القصف اللاحقة، أظهرت أن المسألة تجاوزت بكثير مجرد إزالة تهديد بحري آني. فقد أصبحت المعركة تدور حول من يملك القدرة على فرض كلفة الحرب، ومن يستطيع التحكم في إيقاعها ومداها وممراتها الاستراتيجية.

    وهنا تبرز المفارقة الأساسية في الحرب الحالية: الولايات المتحدة تملك تفوقاً عسكرياً هائلاً يسمح لها بضرب العمق الإيراني وتدمير منصات الصواريخ والبنية العسكرية، لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها إجبار إيران على التخلي عن أدواتها غير المتكافئة، وفي مقدمتها القدرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز.

   بل إن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هرمز لم يعد مجرد جبهة من جبهات الحرب، وإنما أصبح مركز الثقل الاستراتيجي للصراع كله. فحركة السفن عبر المضيق تراجعت إلى مستويات شديدة الانخفاض. وتشير أحدث بيانات الملاحة التي أوردتها رويترز إلى عبور أربع سفن تجارية للسلع فقط خلال يوم الخميس، مقابل متوسط يبلغ 15 سفينة في الأيام العشرة السابقة، بينما كانت حركة المرور قبل الحرب تقترب من 125 سفينة تجارية يومياً، طبعاً لمعلومات نشرتها رويترز.

  وهذه الأرقام أكثر أهمية من عدد الصواريخ التي أطلقتها إيران أو الولايات المتحدة، لأنها تكشف نجاح إيران في تحقيق نوع مختلف من التأثير: ليس إغلاق المضيق رسمياً، وإنما جعل المرور فيه محفوفاً بالمخاطر إلى درجة تدفع شركات الشحن والتأمين إلى تقليص نشاطها. وهنا تكمن قوة الورقة الإيرانية.

      إيران لا تحتاج إلى هزيمة البحرية الأميركية، ولا إلى إغلاق هرمز بصورة كاملة، لكي تحقق مكسباً استراتيجياً. يكفيها أن تجعل الملاحة أكثر خطورة وكلفة، وأن ترفع علاوة المخاطر وأسعار الطاقة، وأن تدفع شركات النقل إلى الانتظار أو تغيير مساراتها، وأن تجعل الولايات المتحدة مضطرة إلى تخصيص قوات وموارد متزايدة لحماية واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. وفي المقابل، تستطيع واشنطن تدمير منصات الإطلاق الإيرانية وضرب مواقع الحرس الثوري والبنية العسكرية الإيرانية، لكنها تواجه السؤال الأصعب: كيف تحافظ على حرية الملاحة من دون أن تتحول عملية حمايتها إلى حرب استنزاف طويلة؟

   وهذه المعضلة أصبحت أكثر وضوحاً بعد أن تجاوز التصعيد حدود هرمز. فقد ردت إيران على الضربات الأميركية بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع تستضيف قوات أميركية في الأردن والبحرين والكويت والعراق، في حين واصلت الولايات المتحدة ضرب أهداف في جنوب إيران، بحسب تحليل مراقبي قناة الجزيرة. 

   وهكذا بدأت الحرب تتحول من معادلة «ضربة مقابل ضربة» إلى شبكة من الجبهات المتداخلة، وهو تطور أخطر بكثير؛ لأن اتساع الجغرافيا يزيد احتمالات الخطأ وسوء التقدير، ويجعل السيطرة على مسار التصعيد أكثر صعوبة بالنسبة إلى الطرفين. أما العامل الذي بدأ يفرض نفسه بقوة على الحسابات السياسية فهو النفط، فأسعار النفط ارتفعت بصورة حادة مع تجدد القتال، وبلغ خام برنت نحو 96 دولاراً للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس نحو 91 دولاراً، وسط مخاوف متزايدة بشأن إمدادات الطاقة العالمية.. ذكرت ذلك صحيفة ذي وول ستريت جورنال.

      وهذا يعني أن هرمز لم يعد قضية عسكرية أميركية ـ إيرانية فحسب. لقد أصبح قضية اقتصادية عالمية. فكل ناقلة تتردد في عبور المضيق، وكل شركة تأمين ترفع علاوة المخاطر، وكل شحنة نفط تتأخر، تضيف طبقة جديدة من الضغط على الاقتصاد العالمي.  ومن هنا يمكن فهم الاستراتيجية الإيرانية على نحو مختلف: طهران لا تسعى بالضرورة إلى تحقيق نصر عسكري على الولايات المتحدة؛ وهي تدرك أن ميزان القوة التقليدي ليس في مصلحتها. لكنها تحاول تحويل التفوق الأميركي العسكري إلى معركة أكثر تكلفة وأقل قابلية للحسم.

    بمعنى آخر، تريد إيران أن تقول لواشنطن: يمكنكم ضرب مواقعنا، لكنكم لن تستطيعوا تحويل هذا التفوق العسكري إلى انتصار سياسي من دون دفع ثمن اقتصادي واستراتيجي متزايد. وهذا  هو جوهر معادلة الاستنزاف. في المقابل، فإن الولايات المتحدة أمام معضلة لا تقل خطورة: إذا تركت إيران قادرة على تهديد الملاحة، فإن الردع الأميركي يتعرض للاهتزاز؛ وإذا واصلت ضربها في كل مرة تهدد فيها الملاحة، فإنها قد تجد نفسها تنزلق تدريجياً من حرب محدودة إلى حرب مفتوحة متعددة الجبهات.

    والأخطر أن سقف التصعيد نفسه بدأ يرتفع. وحسب رويترز فإعلان الرئيس دونالد ترامب في الرابع من أيلول أن الولايات المتحدة قد تستهدف قريباً موقع المنشأة النووية الإيرانية في نطنز يفتح احتمال انتقال المواجهة إلى مستوى جديد، بحيث لا يعود الصراع محصوراً في حماية الملاحة أو استهداف منصات الصواريخ، بل يمتد مرة أخرى إلى المنشآت النووية الإيرانية.

    وهنا تتغير طبيعة السؤال. لم يعد السؤال فقط: هل تستطيع إيران تعطيل هرمز؟. بل أصبح: هل تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أهدافها العسكرية والسياسية من دون أن تدفع الحرب إلى نقطة يصبح فيها هرمز والبرنامج النووي الإيراني والجبهات الإقليمية أجزاء من معركة واحدة.

مقالات ذات صلة