ثقافة

“خلوة النقص”..خطة كتابة “اللاموت”

    وتكمن المفارقة في ذلك عبر بديهية الموت والتفاعل إزاءه كما لو كان شأناً عادياً من شؤون الحياة. فمنذ البداية تزيل عالية ممدوح عن القارئ والقارئة الخوف من الموت والمرض والعزلة وحيّز المشفى، ومتابعة إجراءات التجهز لموت مفترض ومرتقب، لتستعيض عن ذلك بطمأنينة الانشغال بتفاصيل حياة كانت غائبة عن الأحياء وتشرع الكاتبة بتأسيس وتحديد نصها ليتراوح ما بين السيرة الذاتية والومضات الشعرية المحملة بأكبر قدر ممكن من التأمل في المرض وتوأمه المتوقع الموت، إذ تعتمد في بنائها السردي على عدة خطوط سردية قد يواجه القارئ/ة صعوبة في البداية في اقتفاء أثر الخط السردي والدرامي الخاص بها، ولكن ما هي إلاّ بضع عتبات حتى يكتشف القارئ/ة أن عالية ممدوح استخدمت عدة تقنيات في شكلها الفني من أهمها الشظايا، التي تجمعها هي وتوثقها بخط سردي وحيد يزداد تعمقاً وتوحداً كلما أمعنت هي بتأمل الموت، لتغلف النص بالنهاية بسيرة مرضها هي وفي سبيل التخفيف من عبء مجريات ومهام المرض السقيم بالتهام عافيتها، تقحم الكاتبة الحب بكافة صوره وتمظهراته داخل النص، ولكنه إقحام متواطئ مع الموت، حيث تغدو ثنائية الحب والموت لازمة النص وضابطة إيقاعه، وتنقلب فكرة الموت حباً في بعض الانعطافات السردية إلى حب الموت كخلاص وانعتاق من المرض ورزاياه وسقمه، كما وتلتحق بهذه الثنائية ثنائيات أخرى متناقضة كسيرة الموت وموت السيرة والعزلة المرضية ومرض العزلة.

ولا يحتفي النص بالموت بقدر احتفائه وانكبابه على أرشفة المرض وآلامه، وتوثيق تلك التأملات التي تطرأ في ذهن عالية ممدوح أثناء مكوثها بالمشفى، وتطويق الأطباء والممرضين لها وملاحقتها بالأدوية التي لن تسعفها بالعافية، بل بتأجيل مؤقت لأجل خطّطت هي له جيداً، بكلماتها وانطباعاتها وذلك التصالح النابع من عزلتها. فلولا العزلة لما استطاعت صاحبة النص مصادقة سعالها ووهن جسدها وأدويتها، واستنطاق نباتاتها وأشيائها المحيطة بها، لتخرج بالنهاية بسيرة تعد بمثابة تسجيل لأنفاس مرهقة، ولكنها ليست أنفاسها هي فحسب إذ هي أنفاس ثلة من الكُتّاب العرب، الذين أذاهم المرض وغابوا بهدوء ووحدة لم يفضّها أحد، ويبدو أن عالية ممدوح قد أخذت على عاتقها في خلوة النقص، أن تنتزع حقوق أصدقائها الراحلين من براثن الموت والغياب، لتلحقهم في سيرتها، التي باتت سيرة جماعية للمرض والوجع والموت، وعلى رأس أولئك يحضر الشاعر الراحل بدر شاكر السياب التي تقتبس منه عالية ممدوح قصائد مرضه وأوجاعه، وذلك حين تردّد ابتهاله « لك الحمد إن الرزايا ندى». وبهذا تنتقل السيرة الشخصية والفردية إلى مستوى التوكيل واتخاذ المنحى الجماعي العام، القائم على مشترك بائس يتمثل بالمرض والوحدة والعزلة ومن ثم الموت. وغالباً ما يكون هذا الموت بالمنفى.

     منفى يستحيل بدوره لدى الكاتبة إلى مجرد قبر كبير لموت مُعد ومخطّط له جيداً. وهو موت نابع من داخل الشخص ذاته وهي بطلة السيرة في هذه الحالة، وليس نابعاً من ظرف خارجي قاهر وقسري، كما في حالة وطن الكاتبة الأم وهو العراق، الذي لطالما كان مثقلاً ومثخناً بالقتل بكل الأشكال التي تكفل تكدس الموت في وجه الحياة.

   وبالتالي يغدو العراق هو الآخر لا يفتأ منعزلاً بويلات مرضه وأنماط موته وازدحامه بأشكال النفي والمنفى والغربة والاغتراب المتعددة لا تبشّر عالية ممدوح في سيرتها ببركات الموت، ورغم تفاعلها الذي أرادته هي بديهياً مع المرض الذي يلوح منه الغياب، إلاّ أنها تبقي على ضرورة التخفيف من حدته بذلك الحب العميق والدافئ للمحبوب الذي يراودها « في الليل لمّا خِلي» وتباريح هذه الأغنية العتيقة للموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب، لتخلخل فصاحة العلة بعامية المعلول، وبتلك العلاقة المستترة بالعزلة ما بينها وبين محبوبها، ليعود الالتباس مرة أخرى بالتجلي، حين يكتشف القارئ/ة لبرهة أن المحبوب ليس سوى الموت تضيف عالية ممدوح بروايتها السيرية، نصاً جديداً ومغايراً لثيمات السرد العربي المنفوي، وتُضفي أيضاً بعداً خاصاً على سردية الكاتب/ة المنفي من وطنه، حين تكتب كرونولوجيا الموت الشخصي المصحوب بزمكان المرض والعزلة، لتغدو باريس بهذا المعنى قبراً كبيراً وليست مجرد منفى، وقد يكون ثمة تأثر لدى الكاتبة بأنماط روائية سردية غربية وثقت وركزت على أفكار المرض والعزلة والموت، إذ لا يحفل الأدب العربي كثيراً بنصوص وأعمال أدبية متعددة المستويات عن ما توخته عالية ممدوح في سيرتها الروائية.

مقالات ذات صلة