Uncategorized

أيقونة معالم شارع الرشيد..عمارة عبود

نعود للبدايات أنا أخص في مقالي، عمارة عبود البيضاء المدورة ..مالكها عبود لطيف طبارة صاحب معمل سكاير غازي ذي العلبة المربعة المتساوية الأضلاع بيضاء اللون. تعاقد عبود مع كل من المهندسين عبد الله إحسان و رفعت الجادرجي..اللامعين في فترتهم بعشقهم للحداثة والتطوير في تصاميمهم الإبداعية الهندسية.

أبدع المهندس عبدالله إحسان في تصميم العمارة ونجح هو والمهندس رفعت الجادرجي في تنفيذ العمارة بابهى صورها واكملوها عام 1959 و تم افتتاحها رسميا عام 1959. صُممت البناية بنصفين الأسفل مربع متساوي الأضلاع والاعلى دائري..قام ببنائها اسطوات بغداد من مناطق بغداد وخاصة أسطوات منطقة الفضل.كان الاسطوات وهم يصعدون من طابق لآخر عندما ارتفع بناء الطوابق العليا يبدون للمارة في شارع الرشيد بمنطقة الشورجة كأنهم يمسكون سقف السماء … أو أنهم يحلقون في أجوائها العليا كالطيور!! …

    ومن ساهم بإشاعة أهمية العمارة كتصميم هندسي ..هو المصور الفوتوغرافي الرائد الراحل لطيف العاني الذي قام بتصويرها عام 1959…بعد إنجازها وافتتاحها رسميا ، فقام بتصويرها بنفس يعكس ما ذهب اليه المهندسان من فكر تصميمي.. وحظيت صورته بتقدير ايجابي من الفنانين والمصورين الفوتوغرافيين والمثقفين والصحفيين العراقيين ، وكذلك حظيت العمارة بتصميمها الفذ باهتمام المهندسين والمعماريين العراقيين والعرب والاجانب، وخاصة الخبراء الهندسيين الاجانب ، كما سنعرض ذلك لاحقا.

     و مما يذكر ان المصور الفوتوغرافي البارع هيثم فتح الله عزيزة صاحب مطبعة الاديب البغدادية،  والذي طبع كتابي رحلة في ذاكرة شارع الرشيد الطبعة الأولى عام 2019، عن مشاهداتي عن معالم شارع الرشيد في الخمسينات وكذلك طبع كتابي نفسه بالطبعة الثانية المنقحة والمزيدة عام 2025، هو من اقترح استخدام صورة الرائد الراحل لطيف العاني كغلاف لكتابي، لأني كنت أبحث عن صورة بغدادية فنية غير مسبوق استخدامها في اي كتاب لتكون غلافا لكتابي ، و اتصل اخي هيثم بصديقنا المشترك لطيف العاني ، وطلب منه الاذن والموافقة على استخدام صورة عمارة عبود ، فوافق لطيف بلا تردد .

    وهنا نصل الى رمزية تصميم العمارة ،

   انقل ما علمته من اخي لطيف العاني رحمه الله ، انه سمع من المصمم المهندس عبد الله احسان ان الجزء العلوي المدور يرمز الى تصميم مدينة بغداد المدورة . وهو رأي قرأته عما كتب عنها من قبل مهندسين ومقاولين معمارين داخل العراق وخارجه. واضاف اخي لطيف رحمه الله ، ولو أن المصمم المهندس الراحل عبد الله احسان صمم الجزء العلوي مدورا ، حتى يتناغم مع منارة جامع مرجان القريب جدا على العمارة ، ولكي يتناغم ايضا  مع تصميم مصرف الرافدين المدور المقابل للجامع والعمارة . فلذلك هندسيا تم تحقيق التناغم للناظرين عند الانجاز بحرفية عالية .

     وقد نجح الراحل ا لطيف العاني في تجسيد كل هذه الافكار بصورة رائعة …جسد فيها عمارة مصرف الرافدين الجزء السفلي المدور و منارة جامع مرجان وقبابه المدورة مع عمارة عبود المدورة لتتحقق التكاملية في الصورة التي اصبحت غلافا لكتابي رحلة في ذاكرة شارع الرشيد ، الطبعة الأولى لعام 2019. والمفرح انني تابعت كل الفيديوهات التلفزيونية عن شارع الرشيد ، ولاحظت ان مصوري التلفزيون العراقي والعربي والعالمي ، عند تصوير عمارة عبود، يستخدمون نفس الزاوية لإظهارابداع المصمم العراقي.

     وحتى خبراء الهندسة في المتحف البريطاني اختاروا لقطة الراحل لطيف العاني كبوستر لندوتهم الهامة عن استخدامات الاشكال الهندسية في التصاميم الإبداعية العمرانية.

    عمارة مسها الجن فعدد اسماءها….

والاغرب أن هذة العمارة اسماها البغادّة  بعدة اسماء لا بل أن البعض تناقش معي عند نشر كتابي حول اسمها الحقيقي الذي كتبته ، وحاججوني ان اسمها ليس عمارة عبود. أقول للجميع أن الأصل هو أن الارض والعمارة مالكها عبود طبارة صاحب معمل سكاير غازي ذي العلبة المربعة ومقر المعمل في منطقة العبخانة: اي أن اسمها :عمارة عبود.

    بعد وفاة عبود ورثتها ابنته أدفيش عبود ، ولأنها كانت تروم الهجرة إلى المملكة المتحدة،  باعتها الى هاشم البهبهاني .. لذلك سماها بعض البغادة: عمارة البهبهاني.. وتناسوا اسم عمارة عبود.

وبعد فترة عزم البهبهاني امره ليشتري عمارة العطور المجاورة لعمارة عبود لكونها عمارة مستقيمة البناء ، فباعها الى الحاج ابراهيم سعد وأولاده ، فبدأنا نرى البعض يطلق عليها عمارة سعد واولاده … وتناسوا اسم عمارة عبود.

    وبعد ذلك قام الحاج سعد ببيع العمارة الى عبد العزيز الذكير المالك الاخير والحالي وهو من تجار البصرة ، فأخذ البعض تداولها على أن اسم العمارة  : عمارة الذكير. والأصل ان اسم العمارة بذاكرة البغادة ووثائق امانة العاصمة او امانة بغداد ووزارة البلديات وما ذكرته بكتابي هو عمارة عبود …..،وستبقى للأبد عمارة عبود.

     اخيرا ،  يذكر أن اسم العمارة عمارة الدامرجي…واقول لهم هذا كلام خطأ، لا بل ان احد اولاد الدامرجي كنت انا وهو مدعوين في دعوة عشاء أقامتها السفارة العراقية في العاصمة واشنطن قبل عام ، وكتابي كان في المراحل الاخيرة ليصبح جاهزا للطبعة الثانية المنقحة والمزيدة . و كان معنا السيد القنصل العراقي الدبلوماسي الصديق علي الجاف ، ذكر أن كتاب سعدون الجنابي سيصدر بالطبعة الثانية ، فأراد ابن الدامرجي اختباري فسألني عن اسم العمارة نفسها مدار حديثنا فقلت له عمارة عبود،  فقال لي مازحا يعني مو عمارة الدامرجي ..فأجبته نحن البغادة نقول  …قابل بيتكم عمارة الدامرجي .،،جوابي لك كلا .. لان عمارة الدامرجي موجودة في نهاية يسار شارع السموأل المقابل لجامع مرجان قبل شارع النهر..فضحك وقال للحضور..يابه تره اخ سعدون طلع فعلا بغدادي اصلي. وانا وثقت ذلك في كتابي رحلة في ذاكرة شارع الرشيد الطبعة الثانية المنقحة والمزيدة .

     اما كيف فسر اصحاب الاختصاص من المهندسين والمعماريين الاجانب والخبراء الهندسيين الاجانب تصميم عمارة عبود المربعة والمدورة ، اعيد ما ذكره لي الراحل الكبير استاذ لطيف العاني… قال لي :

في شهر مارس 2021 أصبحت الصورة التي التقطتها عام 1959 لعمارة عبود مادة للبحث الأكاديمي خاصة فيما يخص التصميم الهندسي و هندسة العمارة وتأثير كل ذلك على التطور الحضاري لذلك البلد.. واختاروا تلكم اللقطة وعملوها البوستر الرسمي لندوة تدرس التصاميم العمرانية في منطقة الشرق الاوسط والعالم مستندين الى حقيقة ان ذلك التأثير سيتضاعف إذا كان لذلك البلد حضور معماري هائل ، و صاحب بصمة في الإرث الحضاري الآثاري المعماري . ودرسوا هندسة  تصاميم عماراتها الحديثة المشيدة في عواصم عدد من الدول بالمنطقة  في مرحلتين : تحت السيطرة الاستعمارية ومرحلة الاستقلال. واختاروا لدراستهم دولا مثل : مصر و ايران وامريكا والعراق و دول اسيوية وافريقية أخرى كالهند او غانا . وتركز البحث على دولتين ايران والعراق .

      وللخزين التراثي الهائل للعراق قبل وبعد الانتهاء من مرحلة الاستعمار البريطاني وحصوله على الاستقلال، ودراستهم لعشرات المعالم في وسط بغداد وشارع الرشيد من عمارات متعددة، لم يتردد منظمو ندوة  عقدت في اهم متحف في لندن العاصمة البريطانية (متحف التيت غاليري) ، من اختيار عمارة عبود في شارع الرشيد منطقة الشورجة وسط بغداد، باعتبار تصميم العمارة : علامة بارزة على علو كعب المهندس العراقي في تصميم العمارة، وعلى انها انعكاس للتطور الحضاري والتقدم العلمي في حداثة هندسة العمارة في العراق.

مقالات ذات صلة