عشية “قيامة 2005” ..رسالة “أمل وأمان” في الجمعة العظيمة..



وقع الأمرُ مثل شريط سينمائي مرعب، أو كابوس أفقتُ منه مذعوراً.. تنتابني رعشة غريبة كلما تذكرتُ ما حصل، رغم مرور عشرين عاماً على حادث لم أتناوله كتابةً، لسببٍ أجهل تفسيراً له حتى اللحظة. أو لعله الخوف القديم، ما زال يسكن أعماقي، أعماقنا جميعاً، ضمن خوف أعمّ يقلق حياة سكان (دار السلام) التي لم يهدأ لها بال منذ (التحرير) الاحتلال!
تمرُّ الأيام والشهور والأعوام، وفي كل مرة، أرسم مداخِلَ للموضوع، وأسترجع التفاصيل الدقيقة لحظة بلحظة. وما إنْ أهم بالبوح، حتى أعدل عن التنفيذ متسائلاً: سأكتب. ثم ماذا؟ ولئن كتبتُ، ماذا يتوجب عليَّ قوله؟ ما الذي سأجنيه؟
عندها، أُغمض عيني وابتسم، تعبيراً عن الشعور بالرضا. ثم أشكر العناية الإلهية التي أنقذت (نصري) من مصير مجهول النهاية، بل رهيب وخطير، لو أن الامور أخذت منحىً آخر، شَرَعَ به الأشرار لكنهم لم ينجزوا الاّ نصفه!

نحن في مساء الجمعة العظيمة ربيع 2005، والساعة قد تجاوزت السابعة بقليل، عندما انهيتُ عملي في جريدة (الصباح الجديد) بالوزيرية. وأثناء مرور باصنا الصغير المخصص لخط (الدورة) في شارع حي (آسيا) حيث اقيم، شاهدتُ كنيسة (مار يعقوب أسقف نصيبين) مضاءة، مفتوحة الأبواب، والزوار يدخلونها لأداء (رتبة جنّاز ودفن السيد المسيح)، ما شجعني على دعوة اسرتي للذهاب والمشاركة في طقوس اعتدنا عليها كل عام في جمعة الآلام هذه.

أقلَّنا (نصري) أمه وأنا الى الكنيسة التي لا تبعد عن بيتنا أكثر من خمس دقائق، بسيارته الحديثة التي كان فرحاً بها، واقتناها منذ أسابيع بما يزيد عن الستة آلاف دولار. ثم قفل راجعاً الى المنزل ليجلب أخته التي لم ترافقنا في البداية لانشغالها بانجاز بعض الواجب الدراسي. لكن انتظارها طال وهي لمّا تزل تترقب وصوله من دون أن يظهر. كذلك شعرنا نحن ببعض القلق لأنه تأخر علينا، كما أنه لا يرد على هاتفه الجوال أيضا.

وما هي الا دقائق حتى دخل نصري فناء الكنيسة بصحبة اثنين أو ثلاثة من شباب الجيران، وقد بدت على وجهه المصفر والمنكمش علامات حزن ممزوج بالخوف والاضطراب، قبل أن يبادرنا بالقول: (لا يظل بالكم، بس سلّبولي السيارة!!).
أُصِبنا بالذهول في اللحظات الأولى، لكنّني سرعان ما تداركت الموقف محاولاً السيطرة على رباطة جأشي قائلاً: (المهم أنت؟ خو ما بيك شي؟) أجاب: لا. قلت: الحمد لله..

سيارتان وستة ملثمين برشاشات
يروي لنا نصري (الحكاية) ويعيدها في مركز الشرطة، بينما قلبي يتمزّق على حالته، وما يعتمل في داخله من أحاسيس في تلك الساعات الأليمة التي جعلتني أكره كل شيء من حولي، مزيج من الخوف والقلق والغثيان والصدمة. أمه وأخته تبكيان من شدة الهلع، لكننا جميعا نُخفّف عنه: (المهم سلامتك يا ابني) (ماذا كنا سنفعل لو أنهم خطفوك)؟ (ماذا لو ان الجريمة وقعت وأختك معك؟.) عندها يلتقط أنفاسه بعض الشيء، ثم يعيد الرواية من جديد:

سيارتان حاصرتاني من الجهة الأمامية فجأة قبل أن أستدير بسيارتي وأدلفُ الى زقاقنا، إحداهما سدت الطريق عرضاً والثانية في مواجهتي تماماً، ترجّل منهما ستة ملثمين برشاشات. ورغم أنني أدركتُ ماذا سيحصل، قرّرت ألّا أستسلم لهم، فضغطتُ على دواسة البنزين كي أخترقهم من خلال قيادة السيارة الى أمام بقوة، فصدمت إحداهما، لكنني لم أفلح في المرور مع تعالي صرخاتهم وتهديدهم مُصوِّبين رشاشة باتجاه رجلي مباشرة. عندها ترجلت من السيارة ومحرّكها مستمر بالدوران، قائلاً: (أخذوها السيارة.. ما أريدها)، وحاولت أنْ أهرول بالاتجاه المعاكس حيث أسواق (ابو رائد) التي يتجمع بعض الشباب بالقرب منها مساء، لكنّ أحدهم كرر الصراخ: (تعال، ارجع، ليش دعمتلنا سيارتنا؟ طَلِّعْ كل شي الّلي بجيبك).
أعطيتهم مدخول أسبوع كامل من مبيعات محلنا الرياضي في سوق الآثوريين والذي كنت قد حولته الى دولارات بعد (التعزيلة) أي قبل ساعة، وبضعة الاف من الدنانير وهويّاتي الشخصية وأوراق السيارة التي كانت في داخلها، وهاتفي الجوال مع مروحة عمودية جديدة، وكيلوغرامين من الخيار التازة، استكمالاً لمستلزمات ليلة العيد السبت على الأحد؟!

ولم نُقِمْ عندنا أية سهرة في ليلة العيد طبعاً. وأصلاً المزاج عكر بسبب الأوضاع الشاذّة التي نمر بها والبلاد برمتها. .وعندما نهضتُ من السرير في صباح اليوم التالي بعد نوم قصير، وجدت (نصري) واقفاً عند النافذة الكبيرة لغرفة الضيوف، وهي واحدة من النوافذ التي ملأناها بخطوط الشرائط اللاصقة منذ أنْ بدأنا نتهيأ لـ(أم المعارك) في 2003 وقبلها، والتي تهشم زجاجها في يوم الهجوم الشهير على كنائس بغداد والموصل أواخر العام 2004، حيث اهتزت المنطقة جراء تفجير السيارات المركونة في الدير الكهنوتي القريب منا بحي الميكانيك الذي نبلغه بدقائق معدودة سيراً على الأقدام.
كان نصري ينظر بأسىً واضح وإحساس بالهزيمة الى المكان الذي اعتاد أنْ يركن فيه سيارته التي لم نهنأ بها الا لبضعة شهور، اذ تجاوزنا على الحديقة ببضعة أقدام مربعة، كي يستوعب المرآب سيارتي البرازيلية أيضاً والتي ستبقى تحت تصرفه من الآن فصاعداً، لأنني لا أحتاجها مع وجود وسيلة النقل الخاصة بالجريدة.

ولأنني لن أتمكن من مساعدته في اقتناء سيارة أخرى على المدى القريب، فقد تنادى أشقائي المقيمين في كندا; عصام ورعد ورواء لتدبير مبلغ معقول، مع بعض النقود التي قرر جدُّه الراحل منحه إياها لتحقيق هدف أجمعنا أنا وأسرتي الاّ نسعى اليه، والاّ سيارة بعد الآن، بل إعلان (النفير العام) والتهيؤ للسفر، خصوصاً وأنهم في قلق متزايد على أوضاعنا، وباتوا يلحون علينا بالخروج إزاء هذا الوضع الخطير الذي بدا يشهد عنفاً غير مسبوق وتدهوراً كبيرا في الوضع الأمني، بحيث لا يعرف الكثيرون إذا ما كانوا سيعودون سالمين الى بيوتهم التي يغادرونها صباحا.

(خَلّي ببطنك بطيخة صيفي)، يقول لي ذلك أحدُ معارفي وهو (يؤكد) أنَّ الدولة ستعوض كل من مرَّ بالتجربة التي مرَّ بها نصري. فأضحك أنا وأقول: هذه البطيخة غير موجودة أصلاً. كما أنّ الموضوع لا يتعلق بالفلوس أبداً، ماذا كنت سأفعل لو أنهم خطفوه أو غيّبوه بطريقة أو بأخرى؟. وقبل أيام فقط أعادوا يافعا من معارفنا بعد أنْ نكَّلوا به واقتلعوا أظافره وكادوا ان يكسروا عموده الفقري رغم حصولهم على فدية كبيرة وتنازلات.!! والحالات المماثلة كثيرة. كما اننا بتنا نسمع بأخبار الموت قريبة جداً منا، على مبعدة بضع عشرات من الامتار فقط. والشيء ذاته في أحياء ومحافظات أخرى، ولم تكن حادثة نصري الاّ رسالة تحذير وناقوس خطر جعلنا نشدُّ الرحال مغادرين مثل الطيور المهاجرة بعد عام واحد فقط من ليلة الجمعة العظيمة تلك!.





