تحقيق

  (صورة أخرى).. قبل أنْ يهرب البحر يا يوسف!!

    الإبحار الأول، من الفاو أو من البصرة التي كانت (ثغر العراق الباسم)، تلك الوصفة السحرية التي بدأتُ افتقدها شيئاً فشيئاً بسبب عوامل من التآكل راحت تنخر جسم البلاد ببطءٍ ازدادت وتيرتُه ليصبح سريعاً اكثر مما ينبغي.

    وجهتنا، مكان في أعماق قريبة من الخليج العربي، شيءٌ بطعم الزهو، لا أدري، اذا ما كُنّا نحن الذين نَنْشَدُّ اليه، أم أنه هو المنجذب إلينا، خلال تلك الساعات؟ لا فرق.. ما دمنا قلوباً تخفق عشقاً لوطن يمنحنا كل هذه السعادة، ونبقى أوفياء له ما حيينا.

    أسمع أحدهم يقول إنّنا في (مياهنا الإقليمية)، للمصطلح وقع خاص على الروح، وكأننا نسمع (طوراً لحنياً) من الجنوب أو أغنية شمالية. أسمع الكلمتين في الراديو وأقرأهما في الصحف كل يوم، لكن الإحساس بهما وأنت تغوص في أعماق المعنى، يمنحك خيلاء تلك الشمس الساطعة بالكبرياء، تعانق أشعتُها أسراباً من نوارس جذلى، ترفرف باجنحتها فوق زرقةٍ هي أجمل ما رأيت على الإطلاق، او هكذا احببتها أنْ تكون.

      تنتابني رعشة خفيفة بفعل الريح العالية كلما صفح وجهي شيءٌ من رذاذٍ منفلتٍ، تصنعه التواءاتُ يَختٍ بسيط يَمخُر عُبابَ أمواج مسكونةٍ بالحب والدهشة.. وأسئلة كثيرة، تُذَكِّرُني بقشعريرة البرد التي تسللت الى مفاصلي فجأة، عندما صارت طائرتي فوق المتوسط في أول زيارة لي الى أوروبا.

    لم يكن اليختُ فارهاً بالمَرَّةِ، لكن شعوراً بالرفاهية يتملكني، وانا انظر الى (مملكةٍ) تحتضنُ كل هذه الأشياء الساحرة من حولي. المياه والفضاء والضياء وأعمدة قاسية تنفث ألسنة لهب تتبعثر في الأجواء هباءً نتيجة احتراق الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط.

     (مشاعل) رأيناها في أكثر من مكان، تركناها خلفنا دلالة على ثروة كبيرة من (الذهب الأسود) تكمن في بواطن أرضنا الطيبة. وبالأمس فقط شهدنا جهداً في الأهوار تقوم به إحدى فرقنا الزلزالية، أصاب دوي انفجاره كل الأحياء من أسماكٍ وطيور وجواميس بذعر مؤقت. ولكن، لا بأس، مادام كل هذا سيقود الى مستشفيات ومدارس وطرق وجسور وحقول كثيرة ستجعل من شعار (الزراعة نفط دائم).. شعاراً يَدَعُنا لا نعتمد على النفط وحده خيراً مستداماً لخدمة الأجيال ورقيها.

    من بعيد، وما إنْ نلمح (عِمارةً) فولاذية مغروسة في وسط البحر.. حتى نترك أماكننا لنتكدَّس في مقدمة اليخت، كي نشاهد عن كثب (ميناء البكر العميق) في (خور العميَّة). يستبق مرافقنا الإعلامي من (نفط الجنوب) وصولنا الهدف، بنبذةٍ عن مكان ترسو فيه ناقلات النفط العملاقة التي تعجز الموانئ القائمة على اليابسة عن استقبالها. وفي (جعبة) العراق المزيد، مما يؤمن تسريع نقل ثرواتنا الى موانئ المعمورة في كل مكان، منطلقة من خورٍ آخر قد يكون خور الزبير أو خور عبدالله، او خور الخفجة او (الخفقة). من يدري؟

      نتجول في أقسام الميناء، نطرح الأسئلة، نلتقط الصور لرجال لوحت الشمس اللاهبة وجوههم فزادتها سمرة عراقية محببة، قبل أنْ نتناول غداءنا على طاولات العمال والفنيين في المطعم الحديدي الصلب، على وقع اهتزازات مستمرة، يَلْزَمُكَ بعض الوقت كي تعتاد عليها مثلما يفعل العاملون في تلك الورشة النابتة في المياه. مازلت أتذكّر طعم وجبة الرز والفاصوليا البيضاء (يابسة وتمن) التي قدمت لنا ساخنة لذيذة، على أمل أنْ تكون وجبتنا التالية سمكاً بحرياً طازجاً في زيارة أخرى.. لا نعرف موعدها بالتأكيد.

    وفي طريق العودة، تتصاعد الرغبة في الاحتفال، بعد ان تتحول الكاميرات بأنواعها الى توثيق لقطات من المرح والابتهاج بمراحل رحلةٍ عدَدْناها (مِنَ العُمر). هكذا رآها جميعُ الزملاء المشتغلين في الإعلام المحلي أو الأجنبي الذين استمتعوا بساعات وأيام لن تنسى، ولم تخلُ أيضاً من مواقف مضحكة نبقى نتندر بها كلما التقينا في وزارة ما أو مؤتمر صحفي او نادٍ، او ناصية طريق!!

     وما فتئ زميلنا الصيني الظريف، وقد نسيت اسمه الآن للأسف، وأكاد أجزم انه من وكالة (شينخوا) يتحدث بعربية فصحى تجعل فهم الأمور أسهل بالتأكيد. يَتوسط مجلسنا، (الدكتور) مظفر مندوب وأنا، مسترجعاً (مقلب) الليلة الفائتة أثناء تناول العشاء في فندق (شط العرب) بالبصرة.

    كان الخيار الموسمي الذي قٌدِّمَ لنا ضمن (التشكيلة) من النوع الخشن، وتم تقطيعه على شكل دوائر، وكيف أنه (الزميل الصيني) كان يفضل تقطيعه بشكل (طولي) يجعل تخليصه من الحبوب الكبيرة أمراً يسيراً باستخدام الشوكة والسكين: (بهذه الطريقة.. ها.. انظروا..) وهنا ينبري له زيد الفلاحي المعروف بقفشاته وحبه للنكتة قائلاً: ( د أكَرطها للخيارة يا أخي وخلّصنا.. حتى طعمها يصير اطيب!).

    يضحك (أبو أيمن) ملء شدقيه، ونحن نستمع الى نصيحة زميلنا بتناول (هامض هلواية) اثناء التدخين، فطعم السيجارة يصير (اتيب) هي الأخرى. نتقاسم جميعا (صخباً) يصنعه زيد الفلاحي الذي افتقدناه في وقت حزين، بعد رحيله المبكر وزميلنا الجميل مظفر!!. فقد كنا، (أبو أيمن) وانا نلتقي في معظم المساءات بعد انتهاء العمل في مجلة (الإذاعة والتلفزيون) التي جمعتنا في سنوات التأسيس وما بعدها.

    ألتفتُ أنا الى المصور الرائع (يوسف حسين الشمري)، طيَّبَ الله ذكراه، أنْ يتفضل علينا بلقطة ثانية وثالثة: (صورة أخرى يا يوسف الله يخليك، من يعرف ما إذا كنا سنأتي لزيارة البحر من جديد، أو إذا ما كنا سنرى هذا الخور أو غيره؟ ومتى سيكون ذلك؟ وكيف؟).

    وهكذا، مرت الأيام الجميلة مسرعة، وكُتِبَ لي أنْ أرى بحرنا وموانئنا مراراً بصحبة عشرات الزميلات والزملاء. وخلال عقد السبعينات ذاك، تعرَّفتُ على قباطنة سفن تجوب محيطات العالم، واستمعت الى حكايا بحارة وخبراء عن أساطيل صيد الأسماك ونقل المعادن والتمور والبضائع، وغيرها مخصصة للأبحاث بالتعاون والتنسيق مع جامعة البصرة ومؤسسات علمية ذات صلة.

     حصل ذلك عبر سنوات، كانت بغداد خلالها تستعيد مكانة تليق بدار السلام.. أم الدنيا، حتى أن جاء يومٌ شهدتُ فيه زيارة أخيرة للبحر، ولكن في أجواء خلعت عنها رداء السلام، عندما ارتدى العراق كله (الخاكي)، فلم تعد تسمع الا زئير المدافع والصواريخ وكوارث الحرب وويلاتها وبيانات تتلو أنباء المعارك في كل الجبهات.

     في عام ما من الثمانينات، ذهبتُ بصحبة المصور القدير الراحل فريد شمعون الى (القاطع الجنوبي)، وكانت إحدى فقرات البرنامج مكرَّسةً للقوة البحرية. داهمنا الليل في قاعدة (أم قصر)، فاقترح (الجماعة) اصطحابنا الى مكان قريب في عرض الخليج نتابع منه تنفيذ عمليةٍ يُذاع بعدها بيان: دَمَّرنا هدفاً بحرياً معادياً أو أغرقنا اثنين. ثم تأكيد من (لويدز) شركة أو هيئة تأمين أو ما شابه يؤيد وقوع الحدث بالفعل.. ثم أغنية (عندك بحرية..)!! التي لا علاقة لفكرتها بالخراب والتدمير بتاتاً!!

      مع خيوط الفجر الأولى، انحشرنا تحت (كابينة) أو (قمرة) زورق بخاري عسكري صغير في طريق عودتنا الى (أم قصر). حامت طائرة هليكوبتر فوق المكان. تملكني فضول مسموحٌ به كي أسال عن طبيعة ما يجري، وكان الرد: (مروحية ايرانية)! توقفتُ عن طرح أية أسئلة أخرى، الا سؤال ظل يتردّد في داخلي سراً: لماذا لم يهاجمونا؟ كيف تركونا، ألَمْ يفكروا في أسرنا مثلاً؟

     قد تكون الحادثة واحدة من بين عشرات كُتِبَتْ لنا (لي) فيها النجاة خلال سنوات الحرب الثماني، ربما كي نتمكن يوما من رؤية ما (جنيناه) من نتائج حروب وسياسات أترك للتاريخ وصفها، ونتأمل مَنْ فقدناهم من بشرٍ وهم الأغلى، ومن أرضٍ تُقْضَمُ ومياهٍ عزيزةٍ (تُسرَقُ) من كل الجهات، ومن وطن (أخفقَ) في الحفاظ على جماله عبر عقود عجاف!!

و.. صورة أخرى.. قبل أن ينتهي البحر يا يوسف!!

مقالات ذات صلة