تحقيق

“الطلاق” في دنيا العرب..حين “تتآمر” الحياة الحديثة على “مؤسَّسة الزواج”..

     لم يكن الطلاق يوماً ظاهرة تُثير القلق كما هو اليوم. في العالم العربي، بات الانفصال بين الزوجين أمراً مألوفاً في المجتمعات، لا يستوقف كثيرين كما كان من قبل، ولا يحاط بالدهشة والأسى، بل أصبح يُناقش بأريحية في مجالس النساء والرجال على السواء. فما الذي تغيّر؟ وكيف تحوّلت الروابط المقدسة إلى علاقات هشة سهلة الانكسار؟

            الإعلام… حين يشكّل الوعي بطريقة خاطئة

    في زمن القنوات الفضائية، أصبحت الشاشة تُعلّم وتُربّي بقدر ما تُلهي وتُثير. تُصوَّر العلاقات الزوجية في كثير من المسلسلات والأفلام وكأنها حلبة صراع لا تنتهي، تُضخّم الخلافات البسيطة، وتُغذّي فكرة أن المرأة لا بد أن تتمرّد، والرجل لا بد أن يُدان. فتنتقل هذه التصوّرات إلى الواقع، ويبدأ الشك يحلّ محل الثقة، والعناد محل الحوار، والأنانية محل التنازل.

           الإنترنت… السكين ذو الحدّين

    حين دخل الإنترنت كل بيت، لم يدخل وحده، بل جرّ معه عالَماً واسعاً من المنتديات وصفحات النقاش وبرامج التواصل. لم تعد المرأة وحيدة في بيتها، ولا الرجل مشغولاً بعمله فقط، بل أصبح كل طرف يعيش حياة ثانية افتراضية، في غرف مغلقة لا يعلم عنها الطرف الآخر شيئاً.

    الهواتف الذكية ذوات الكاميرات زادت الطين بلّة. فالخصوصية باتت معدومة، والاختلاط المريب أصبح متاحاً بضغطة زر، بل وبصوت وصورة. وعوضاً عن أن تُستخدم هذه التقنيات في التقارب الأسري والتواصل العائلي، صارت تُستخدم أحيانًا وسيلة للهروب، وللبحث عن علاقات أخرى.

      برامج التواصل… علاقة بلا جدران

    الواتساب، والسناب شات، والتيك توك، وغيرها من التطبيقات، تحوّلت من أدوات للتواصل إلى أدوات للهدم أحيانًا. بعض الرسائل التي تبدأ بمجاملة بسيطة، تنتهي بخيانة. وبعض الصور التي تُنشر بدافع التسلية، تُثير غيرة أو شكاً لا يُطفأ.

      هذه البرامج فتحت باباً واسعاً أمام المقارنات، فصار البعض يسأل نفسه: “لماذا لا أعيش مثل غيري؟ لماذا أتحمل وأنا أرى الآخرين في سعادة؟”. وهذه العقلية، “إشمعنى أنا؟”، هي أحد أبرز أسباب انهيار البيوت.

      الأهل… غائبون أم مغيَّبون؟

     في الماضي، كان للأهل دور رقابي وتوجيهي، يتدخلون عند الحاجة، ويضبطون السلوك، ويزرعون القيم. اليوم، انشغل الأب بلقمة العيش، والأم بالمسلسلات ومواقع التواصل، فتركوا أبناءهم لأجهزةٍ تُربّيهم، وأصدقاء يُشكّلون وعيهم، وإعلام يملأ عقولهم.

       بل إن بعض الأهالي أعطوا أبناءهم الحرية المطلقة، ظنًا منهم أن الثقة وحدها تكفي. لكن حين تُعطى الحرية دون توجيه، تتحوّل إلى فوضى، وتضيع المسؤولية بين أطرافٍ لا تُدرك حجم ما تملك.

        الترف… نقمة حين يُنسينا المعنى

     ليس الفقر وحده من يهدم البيوت، بل حتى الترف قد يهدمها. حين تكون كل الرغبات مُلباة، وكل الأشياء متاحة، يصبح كل شيء قابلاً للاستبدال، حتى الأزواج! يغيب الصبر، ويُنتزع الرضا، ويصبح الانفصال أسهل من إصلاح العلاقة. الزواج لا يُبنى على المادة، بل على القناعة والرحمة والتضحية، وهذه قيم قد تذبل في بيئة لا تعرف معنى النقص أو الصبر.

      حين يُنسى الدين… تتيه القلوب

     أخطر ما أصاب الحياة الزوجية في عالمنا العربي هو الابتعاد عن الدين، عن تعاليمه التي تأمر بالمودة والرحمة، وتنهي عن الظلم والتقصير والخيانة. حين يتغيّب الضمير، وتنعدم الرقابة الذاتية، يسهل الكذب والخيانة والخذلان.

كما ضاعت أيضًا الأعراف والتقاليد الجميلة، تلك التي كانت تحفظ المرأة وتُكرم الرجل، وتُعلي من قيمة العائلة. صرنا نستهين بكل ما هو أصيل، ونلهث وراء كل ما هو دخيل.

      آخر الكلام:

     الطلاق ليس قراراً سهلاً، لكنه لم يعد صعباً كما كان. لأننا سمحنا لكل شيء أن يدخل بيوتنا: الإعلام، التقنية، الانشغال، الغفلة، الغرور… ولم نحصّن علاقتنا بما يكفي من قيم وإيمان وصبر. إننا لا نحتاج إلى المزيد من القوانين لحماية الزواج، بل إلى عودة إلى الجذور: إلى الدين، إلى العائلة، إلى الاحترام، والمودّة، وإلى أن نُدرك أن الزواج ليس عقدًا يُفسخ، بل عهدًا يُصان.

مقالات ذات صلة