ثقافة

“ماوية”… ملكة عربية جعلت من السلام “قضية إيمان”

   ماوية والتنوخيون

   لا تقدم لنا المصادر القديمة سيرة كاملة للملكة ماوية، ولذلك فإن كثيراً من تفاصيل حياتها الشخصية ما زالت مجهولة. ويبدو أنها وصلت إلى الحكم بعد وفاة زوجها الملك معاوية الحواري الجذامي التنوخي ، الذي كان حاكماً و زعيماً قبلياً للتنوخيين.

       التنوخيون هم اتحاد لقبائل عربية استقرت وتحركت في مناطق من بلاد الشام، وجاءت أصلاً من الجزيرة العربية، وكانت لها علاقات مع  الدولة الرومانية ، ولا سيما على حدودها الشرقية. وكان التنوخيون المجموعة العربية الابرز في هذا النظام خلال القرن الرابع، فيما كان عدد مهم منهم من المسيحيين.

     امرأة تقود حربًا ضد الرومان

في حدود سنة 378م، اندلعت ثورة التنوخيين ضد الإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور فالنس . قادَت ماوية قوات قومها، واستطاعت أن تحقق نجاحاً عسكرياً كبيراً، وانتصارات متتالية على جيش الرومان، حتى اضطرت السلطات الرومانية إلى التفاوض معها. وتروي المصادر الكنسية القديمة أن قواتها التي كانت تقودها ماوية، هاجمت مناطق واسعة في بلاد الشام، ووصلت عملياتها العسكرية إلى مناطق فلسطين، وفنيقيا والى قرب حدود مصر.

      واللافت أن المؤرخين المسيحيين الذين نقلوا أخبارها لم يتعاملوا معها بوصفها مجرد شخصية هامشية؛ بل حفظوا لنا صورة امرأة ذات شخصية قوية استطاعت أن تقود قومها وتفرض شروطها على الدولة الرومانية. وقد وصفها المؤرخ الكنسي (ثيودوريت) بأنها امرأة لم تقبل أن يكون جنسها عائقاً أمام الشجاعة والقيادة، في تعبير يكشف بوضوح مدى استثنائية حضورها في نظر مؤرخي ذلك العصر .

  لماذا ثارت ماوية؟

   المصادر القديمة لا تعطينا تفسيراً واحداً واضحاً لأسباب الثورة، ولذلك لا يصح أن نقول بصورة قاطعة إن ماوية بدأت الحرب (من أجل المسيحية) فالأرجح أن هناك أسباباً سياسية وعسكرية وقبلية مرتبطة بعلاقة التنوخيين بالإمبراطورية الرومانية، ولا سيما بعد وفاة زوجها.

    الراهب موسى… شرط السلام

    كان بين العرب في تلك المنطقة رجل ناسك اسمه موسى، تصفه المصادر بأنه عربي عاش حياة النسك في الصحراء، واشتهر بالتقوى والقداسة. وقد طلبت ماوية أن يُعيَّن هذا الرجل أسقفاً على قومها بعد أن التقت به في الصحراء أثناء قيادتها لجيشها.       

     وتذكر رواية سقراط المؤرخ الكنسي أن ماوية اشترطت أن يصبح موسى أسقفاً لشعبها، مقابل إنهاء الحرب. وقبل القادة الرومان هذا الشرط باعتبار أن السلام مع التنوخيين كان مصلحة مهمة للإمبراطورية. أما المؤرخ (ثيودوريت) فيقدم رواية أكثر تفصيلًا، فيذكر أن ماوية طلبت أن يتولى موسى القيادة الدينية لشعبها، وأن الإمبراطور فالنس وافق على ذلك ، وهكذا تحولت شخصية موسى من راهب يعيش في الصحراء إلى شخصية كنسية ذات دور في تاريخ العرب المسيحيين.

     موقف موسى من الأسقف لوقيوس

     وهنا تظهر مسألة دينية مهمة جداً، كان لوقيوس أسقف الإسكندرية في ذلك الوقت، مرتبطاً بالاتجاه الآريوسي الذي كان يحظى بدعم الإمبراطور فالنس وعندما أُحضر موسى إلى الإسكندرية لكي تتم رسامته أسقفاً، رفض أن تتم رسامته على يد لوقيوس وتروي المصادر أن موسى اعترض على ذلك بسبب موقف لوقيوس من المسيحيين النيقاويين، وأنه طلب أن تتم رسامته على يد أساقفة من الاتجاه النيقاوي وهذه التفصيلة تجعل قصة ماوية أكثر أهمية من مجرد قصة ثورة عربية ضد روما ، فالقضية كانت مرتبطة أيضاً بالصراع اللاهوتي الكبير الذي كان يمزق الكنيسة في القرن الرابع بين الاتجاه الآريوسي والاتجاه النيقاوي .

   ماوية والمسيحية العربية

    من المهم هنا أن ننتبه إلى نقطة تاريخية شديدة الدلالة، إن قصة ماوية وموسى تشير إلى وجود جماعات عربية مسيحية في القرن الرابع الميلادي، أي قبل ظهور الإسلام بقرون ولا تعني الرواية بالضرورة أن جميع أفراد قبيلة ماوية كانوا مسيحيين، فالمصادر نفسها لا تعطينا صورة متجانسة عن معتقدات جميع أفراد الجماعة، لكنها تؤكد أن المسيحية كانت حاضرة بين العرب في بلاد الشام، وأنها لم تكن مجرد ظاهرة حضرية رومانية أو يونانية والأكثر إثارة أن أحد أبرز رجال الدين المرتبطين بهذه الجماعة كان عربياً ناسكاً أصبح أسقفاً على قومه وهذا يفتح نافذة مهمة على تاريخ المسيحية العربية في مرحلة مبكرة جداً.

    من الحرب إلى التحالف

    لم تنته علاقة ماوية والرومان بمجرد عقد سلام، ولكن تذكر المصادر أن العرب الذين ارتبطوا بماوية شاركوا لاحقاً إلى جانب الرومان في مواجهة القوط، (قبائل جرمانية قدموا من إسكندنافيا الى وسط وجنوب شرق القارة الأوروبية) ولاسيما في أعقاب معركة أدرنه سنة 378م، التي قتل فيها الإمبراطور فالنس. وهكذا يكشف التاريخ طبيعة العلاقة المعقدة بين القبائل العربية والإمبراطورية الرومانية حيث لم تكن علاقة حرب دائمة ولا خضوعاً دائماً، وإنما تحالفات، وتمردات، ومفاوضات، ومصالح متبادلة.

     هل كانت ماوية مسيحية؟

    المصادر المسيحية القديمة تربط ماوية مباشرة بقصة موسى الأسقف وبالمسيحية، وبعض الدراسات الحديثة تصفها بأنها ملكة عربية مسيحية. لكن الأدق أكاديمياً أن نقول إن ماوية كانت مرتبطة بجماعة عربية دخلت في العقيدة المسيحية، وإنها جعلت تعيين موسى أسقفاً لشعبها شرطًا للسلام مع البيزنطنيين. أما الجزم بتفاصيل إيمانها الشخصي وعقيدتها اللاهوتية فلا تتيح لنا المصادر المتوفرة أن نثبتها بصورة قاطعة. غير أن بعض المؤرخين مثل المؤرخ (سوزومين) يذكر أن الملكة ماوية كانت وثنية ولكن أعجبت بما رواه الراهب موسى عن المسيحية  فاعتنقدت هذه الديانة.

    ماذا بقي من ماوية؟

    لا نعرف على وجه اليقين كيف انتهت حياة الملكة ماوية، ولكن توجد آراء تاريخية مختلفة حول مدة حكمها ونهاية حياتها، فبعض الدراسات تقترح استمرار نفوذها إلى أوائل القرن الخامس، بينما تربط روايات أخرى أفول نفوذها في ثورة التنوخيين اللاحقة في القرن الرابع. ولذلك لا ينبغي تقديم تاريخ وفاتها على أنه حقيقة ثابتة. لكن ما لا يختلف عليه المؤرخون هو أن ماوية تركت أثراً استثنائياً في تاريخ العرب في أواخر العهد الروماني.كانت امرأة عربية قادت قومها في مواجهة رومان، وحققت انتصارات عسكرية، ثم دخلت في مفاوضات السلام، وجعلت من تعيين رجل دين عربي شرطاً أساسياً لإنهاء الحرب.

     لماذا تستحق ماوية أن نتذكرها؟

    ربما تكمن أهمية ماوية اليوم في أنها تكسر عدداً من الصور النمطية عن تاريخ المنطقة، فهي تذكرنا بأن العرب في القرون السابقة للإسلام لم يكونوا كتلة دينية أو سياسية واحدة، وأن بينهم جماعات مسيحية، وأن العلاقات بين العرب والإمبراطوريات المجاورة كانت أكثر تعقيداً مما توحي به الروايات المختصرة.كما أن قصتها تقدم نموذجًا نادراً لامرأة عربية مارست السلطة السياسية والعسكرية في القرن الرابع الميلادي، في وقت كانت فيه المجتمعات القديمة لا تمنح النساء عادة مثل هذا الدور، والأهم أنها تجعلنا نتوقف أمام حقيقة تاريخية جديرة بالتأمل كانت هناك ملكة عربية قبل الإسلام بقرون تدخل في صراع مع الإمبراطورية الرومانية، ثم تجعل من اختيار أسقف اباً روحياً لشعبها أحد شروط السلام. ولهذا فإن قصة ماوية ليست مجرد قصة ملكة محاربة، إنها صفحة من صفحات التاريخ العربي المسيحي في المشرق، وتستحق أن تستعاد من غياب المصادر القديمة إلى الذاكرة الثقافية العربية المعاصرة.

مقالات ذات صلة