ما حصل يوم 31/8/1996 حين استنجد البارزاني ببغداد ضد قوات الطالباني




فبعد انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991 (حرب تحرير الكويت) ، فرض مجلس الأمن الدولي منطقتي حظر جوي شمال وجنوب العراق بدعوى حماية الأكراد والشيعة، ومنعت القوات العراقية من دخولهما، وبذلك نال الأكراد نوعا من الاستقلالية، بما يشبه الدولة داخل الدولة، لكن السلم الأهلي بينهم لم يستمر طويلا.
وكانت الاحزاب الكوردية قد عقدت أول انتخابات برلمانية في مدن الإقليم عام 1992، كما عقدت أولى جلسات البرلمان في مدينة أربيل، حيث تقاسم الحزبان الرئيسيان -الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني- مقاعد البرلمان بالتساوي. ولكن سرعان ما نشب الصراع والخلاف بين القطبين الكرديين بسبب الصراع على تقاسم النفوذ والسيطرة على الموارد، حيث بدأت الحرب الأهلية في كردستان في مايو/أيار 1994، واستمرت حتى سبتمبر/أيلول 1998 حين وقع الحزبان اتفاقية سلام برعاية الولايات المتحدة وبضغط منها.

بلغت ذروة الصراع المسلح بين الطرفين في 31 أغسطس/آب 1996، حين طلب البارزاني من الرئيس صدام حسين دعما عسكريا للتصدي لقوات الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الطالباني، التي سيطرت على محافظة أربيل مركز الإقليم.
وقد استجاب صدام لطلب البارزاني، وكسرت القوات العراقية مناطق الحظر الجوي التي فرضها التحالف الدولي على البلاد شمال وجنوب البلاد بعد حرب الخليج عام 1991، حيث دخل نحو 30 ألف جندي من قوات الحرس الجمهوري المدرعة أربيل بعد 5 سنوات من خروجهم منها، وكانت فرصة لصدام في إعادة السيطرة على مناطق شمال البلاد، ودحر قوات الطالباني.
وبفضل هذا التدخل المفاجئ استطاع البارزاني استعادة السيطرة على مدينة أربيل، ورافق ذلك سقوط ما يقرب من 5 آلاف قتيل وآلاف الجرحى، بعدها اضطرت القوات العراقية للانسحاب تحت وقع العملية العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة، والتي عرفت بـ(ثعلب الصحراء)، ليعود الحزبان إلى مواقعهما الرئيسية؛ فالديمقراطي الكردستاني يتحكم في محافظتي دهوك وأربيل، في حين سيطر الاتحاد الوطني على السليمانية.

ما الذي حصل يوم 31 اب 1996
في ذروة الاقتتال بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني، وجّه بارزاني طلبًا رسميًا إلى صدام حسين يطلب فيه دعمه العسكري لاستعادة أربيل من قوات الاتحاد الوطني. وقد استجاب صدام حسين وأرسل نحو 30ألف جندي من الحرس الجمهوري والقوات المدرعة، فدخلت القوات العراقية أربيل رغم كونها منطقة محمية دوليًا بعد 1991.
النتيجة العسكرية والسياسية
- استعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني السيطرة على أربيل بدعم القوات العراقية.
- تراجع الاتحاد الوطني الكردستاني إلى الحدود العراقية–الإيرانية.
- تدخلت الولايات المتحدة لاحقًا لمنع توسع العمليات، وأجلت أكثر من 6000 مقاتل من قوات الاتحاد الوطني.
ورغم مشاركة الحزبين في قيادة الإقليم منذ عام 1991، فإنهما تصارعا على الفوز بأكبر قدر من النفوذ، ونتيجة لذلك وبسبب عدم إيمان الحزبين الرئيسيين بالديمقراطية وصناديق الاقتراع في وقتها، فضلا عن دعم الجهات الإقليمية مثل إيران للاتحاد الوطني وتركيا للديمقراطي الكردستاني؛ كل هذه العوامل أدت إلى اقتتال كردي داخلي استمر 4 سنوات، وذهب ضحيته آلاف الأبرياء.

يرى محللون أن الخلافات بين الحزبين الرئيسيين قديمة، وتعود إلى فترة الستينيات، خاصة بعد الانشقاق الذي حصل في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردستاني بين عامي 1964 و1966، والذي أدى في حينها إلى الانشقاق الذي وصفه “بالوحيد”، وبالتالي نشأة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعد 4 سنوات على ذلك.
بعد احتلال العراق 2003 ومساهمة الحزبين الكرديين في مؤتمر لندن ومؤتمرات التحضير لغزو العراق بدعم الولايات المتحدة، ظلت الخلافات السياسية بين الحزبين سياسية فقط، وهو خلاف طبيعي في العلاقة بين جميع الأحزاب في العالم، كما يراه بعض المحللين بالقول “بعد عام 2003، أدرك الحزبان أنهما كلما توحدا في موقف مشترك في التعامل مع الحكومة المركزية في بغداد، كان موقف الأكراد أكثر قوة في الحكومة المركزية وفي تعاملات الإقليم دولياً. “.
وينقل عن السيد مسعود البارزاني عن يوم 31 آب 996 قوله إنه عندما توحد الحزبان بجهود أميركية، اعتذرت القيادات الكردية لجميع العائلات المتضررة عما حصل من إراقة دماء في حينها..
الواقع الحالي التحذير من تكرار الماضي:
ولا ينكر أن هناك اليوم محاولات لإعادة وضع الإقليم لما قبل عام 1996، من قبل أطراف لم تستفد من تقارب الحزبين، خاصة من الجهات الحزبية التي انشقت عن الاتحاد الوطني الكردستاني، وشكلت كتلا سياسية جديدة ولكن الواقع يثبت استبعاد تدهور الوضع بين الحزبين خاصة أن الامتيازات السياسية والعمرانية والأمنية التي حققها الإقليم تصب في صالح جميع الأكراد، وبالتالي لا مصلحة للحزبين في العودة إلى الوراء لذلك فأن التاريخ لن يعيد نفسه في الإقليم، وأن ما حدث من اقتتال بين الحزبين قد طويت صفحته وهناك إصرار من الحزبين الرئيسيين على الحفاظ على كردستان كإقليم موحد،

خلافات كبيرة اطهرها الاستفتاء
أظهرت بيانات رسمية أن الاستفتاء الشعبي على استقلال الإقليم الذي جرى عام 2017 أظهر حقيقة الخلاف بين قطبي كردستان؛ ففي الوقت الذي أيد نحو 90% من سكان أربيل ودهوك -معقلي الحزب الديمقراطي الكردستاني- الانفصال عن العراق، أبدى 55% فقط من سكان السليمانية -معقل الاتحاد الوطني الكردستاني- رغبتهم في الانفصال. ويؤكد أن الصراع بين الحزبين لا يزال مستمرا، حيث أن موجة الاستياء الشعبي من الفقر والبطالة وانقطاع الرواتب أدت بالحزبين إلى اتهام بعضهما البعض بالتسبب في الأزمة.
ويبرهن الوضع الحالي على الانقسام الداخلي المستمر بأنه لا يوجد جيش أو جهاز أمني موحد بين أربيل والسليمانية، فضلا عن أنه وفي كثير من الأحيان، فإن القرارات الإدارية التي تصدر من أربيل لا تنفذ في السليمانية والعكس صحيح، بما يعني أن هناك إدارتين منفصلتين. وأن أي خطأ في عدم تقاسم النفوذ يمكن أن يعيد الاقتتال الداخلي، على اعتبار أن كلا الحزبين الرئيسيين -اعتمادا على ما يملكانه داخليا وعلاقاتهما الإقليمية- مستعدان لتحريك الأطراف المتحالفة تجاه الآخر.
ان الخلافات بين الحزبين الكرديين الرئيسين تعود جذورها إلى الستينيات، وتعمّقت بعد الانشقاقات داخل الحزب الديمقراطي. وسط دعم إقليمي متقاطع: حيث إيران دعمت الاتحاد الوطني، وتركيا دعمت الحزب الديمقراطي، وأدّى غياب الإيمان بالديمقراطية في تلك المرحلة إلى تفاقم الصراع المسلح.
ما بعد الحدث

- اتفاقية واشنطن عام 1998 أنهت الحرب الأهلية رسميًا.
- قدّم الحزبان اعتذارًا للعائلات المتضررة من الاقتتال الداخلي.
- بقيت الخلافات سياسية وإدارية، مع استمرار وجود إدارتين فعليًا بين أربيل والسليمانية.
- يشير محللون إلى أن أي خلل في تقاسم النفوذ قد يعيد التوتر، رغم أن الظروف الحالية تختلف جذريًا عن تسعينيات القرن الماضي.
أهمية الحدث في الذاكرة الكردية والعراقية
يمثل يوم 31 آب 1996 نقطة تحوّل في تاريخ الإقليم:
- دخول الجيش العراقي إلى منطقة محمية دوليًا.
- انقلاب ميزان الحرب الأهلية لصالح الحزب الديمقراطي.
- سقوط آلاف الضحايا في واحدة من أعنف مراحل الصراع الكردي–الكردي.
- بداية تدخل دولي مباشر لإعادة ضبط ميزان القوى في شمال العراق.





