رأي

سهيل سامي نادر مثابة للثقافة والإبداع

بقلم: كامل الشرقي

       وُلد سهيل سامي نادر في البصرة عام 1943، ودرس علم الاجتماع في جامعة بغداد، وحصل على البكالوريوس عام 1969. غير أن علاقته بالصحافة بدأت قبل ذلك بسنوات، حين عمل محرراً في مجلتي «مجلتي» و«المزمار» في ستينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى الصحافة الثقافية محرراً في جريدة «الجمهورية» بين عامي 1972 و1979. ومنذ تلك البدايات أخذ يتنقل بين حقول الصحافة والتحرير والنقد والفنون، حتى أصبح واحداً من الصحفيين الذين يعرفون المهنة من داخلها، لا من مقاعد المتفرجين و قد كان لي شرف العمل برفقة هذا الكاتب الكبير والمثقف اللامع سنوات كثيرة في عمله في مجلة الاذاعة والتلفزيون وفنون وآخرها مجلة الف باء التي كنت رئيساً لتحريرها لعشر سنوات كان فيها الاستاذ نادر الداينمو الذي يتولى حركة تطويرها ويمنحها زخم الحياة والتنوع وكان مثابة مضيئة لرعاية المواهب والكفاءات الشابة من خلال صقلها وتدريبها وتطورها وكنت كثيرا ما اركن الى رجاحة فكره و عمق معرفته ناهيك عن دماثة خلقه وتواضعه ولطفه.  

ولعل ما يميز تجربة نادر أن الصحافة عنده لم تكن مجرد صناعة خبر أو ترتيب كلمات، بل كانت معرفة بالإنسان والمجتمع والزمن. فقد عمل في مراحل متعددة من مراحل صناعة الصحيفة، من صف الحروف ومتابعة المطبعة والتصميم إلى صياغة الأخبار والقصص الصحفية، ثم انفتح على النقد الفني والتشكيلي والمعماري والموسيقي والمسرحي. هذه الخبرة المتعددة جعلت منه صحفياً يعرف أن النص الجيد لا يولد من اللغة وحدها، وإنما من عين ترى، وعقل يحلل، وحساسية ثقافية تلتقط ما وراء الظاهر.

    لكن سيرة سهيل سامي نادر لا يمكن فصلها عن سيرة العراق نفسه. فمن عاش تلك العقود الطويلة في العراق لا يستطيع أن يكون صحفياً محايداً بالمعنى البارد للكلمة؛ فالتاريخ كان يدخل إلى غرفة التحرير، والانقلابات كانت تفرض ظلالها على الصحيفة، والسياسة كانت تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. ولهذا جاءت سيرته المهنية «سوء حظ: ذكريات صحفي في زمن الانقلابات» بوصفها أكثر من مذكرات شخصية؛ إنها شهادة على زمن كانت فيه مهنة الصحافة محفوفة بالمخاطر والتقلبات.

واللافت في عنوان «سوء حظ» أن نادر لا يختار لغة البطولة ولا يقدم نفسه باعتباره ضحية مثالية. إنما يستعمل العبارة بمرارتها وسخريتها، وكأنه يحاول أن يواجه قسوة الماضي بابتسامة مرة. وقد رأى نقاد وقراء في الكتاب أرشيفاً حياً لعقود ة، لم يكن سهيل سامي نادر مجرد صحفي يكتب عن الفن، بل كان من الذين حاولوا أن يجعلوا النقد الفني جزءاً من الحياة الثقافية العامة وله في ذلك. الكثير من  المقالات والدراسات التي  تناولت أسماء وتجارب فنية عراقية وعربية. وتكشف أرشيفات الصحافة الثقافية عن حضور مبكر ومستمر له في الكتابة عن الفن التشكيلي والفنانين من الصحافة العراقية، لأن تجربة الكاتب الشخصية تداخلت مع التحولات السياسية والاجتماعية التي عاشها العراق.

لقد تعرض نادر، حسب علمي، للقمع والاضطهاد في سنوات كثيرة، واضطر في مراحل من حياته إلى مغادرة العراق. وهنا تتحول عبارة «سوء الحظ» من عنوان ساخر إلى استعارة لحياة المثقف العراقي الذي يجد نفسه، مرة بعد أخرى، في مواجهة أنظمة وظروف لا تمنح الثقافة والحرية مساحة كافية للتنفس. ومع ذلك، لم تتحول تجربته إلى مرثية شخصية؛ بل ظلت الكتابة عنده وسيلة لفهم ما حدث، ومحاولة لإنقاذ التفاصيل من الموت والنسيان.

. وكأن سهيل  يقول إن المدن لا تختفي حين تهدم أبنيتها فقط، وإنما تختفي حين يفقد أهلها القدرة على تذكر ما عاشوه فيها. وقد قرأت دراسات ومراجعات الكتاب بوصفه عملاً يستعيد جزءاً من الذاكرة الشخصية والاجتماعية للعراق.

وهذه القدرة على تحويل التجربة الصحفية إلى أدب هي إحدى أبرز خصائص مشروع سهيل سامي نادر. فهو لا يكتب التاريخ من برج المؤرخ، ولا السيرة من مرآة الذات وحدها، وإنما يقف في المنطقة الواقعة بين الصحافة والأدب والفن. هناك، تصبح الواقعة حكاية، والشخصية علامة، والمدينة ذاكرة، والمهنة شاهداً على عصر كامل.

ومن هنا يمكن فهم مكانته بوصفه معلماً لأجيال من الصحفيين. فقد أشارت شهادات منشورة إلى أن صحفيين عراقيين كثيرين تتلمذوا على يديه أو تأثروا بخبرته التحريرية. وقد شهدت ذلك عن قرب وهذه ربما واحدة من أهم إنجازاته التي لا تظهر دائماً في قائمة الكتب: أن الكاتب الكبير لا يُقاس فقط بما يتركه على الورق، وإنما بما يتركه في الذين تعلموا منه كيف يكتبون ويرون ويفكرون.

وفي عام 2024 حصل سهيل سامي نادر على جائزة تميز التقديرية الخاصة تقديراً لإسهامه الثقافي، بعد عقود من العمل الصحفي والأدبي والنقدي. وهي جائزة تبدو، في جانب منها، اعترافاً متأخراً بتجربة ظلت طويلاً تعمل بعيداً عن الأضواء الصاخبة.

إن سهيل سامي نادر ليس مجرد اسم في سجل الصحافة العراقية؛ إنه شاهد على زمن كامل، وكاتب حاول أن يحفظ من ذلك الزمن ما يمكن إنقاذه من الضياع. وفي كتاباته نلمس شيئاً من بغداد القديمة، شيئاً من الصحافة حين كانت الحروف تُصف بالرصاص، وشيئاً من المثقف الذي كان يرى في الفن ملاذاً وفي الكتابة نوعاً من النجاة.

ربما كان «سوء الحظ» هو الاسم الذي اختاره نادر لسيرته، لكن المفارقة أن هذا «السوء» أنجب حظاً ثقافياً نادراً: أن تتحول حياة صحفي عراقي إلى وثيقة، وأن تصبح ذاكرته جزءاً من ذاكرة وطن، وأن يبقى قلمه، بعد كل ما مر به العراق، قادراً على أن يقول لنا إن الصحافة ليست خبراً عابراً، وإن الكتابة ليست ترفاً، وإن الإنسان يستطيع أحياناً أن يهزم قسوة التاريخ بمجرد أن يروي حكايته بصدق.

مقالات ذات صلة