فرنسا “أنموذج أوروبي” لبلد منقسم يقف عند منعطف سياسي خطير




انهيار الثقة قبل انهيار النظام
تكشف الاحتجاجات عن اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ولا سيما بين الأجيال الشابة التي تشعر بأن منظومة التعليم وفرص العمل والحماية الاجتماعية لم تعد توفر لها ضمانات الاستقرار والارتقاء. ويزيد من حدة هذا الشعور ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، وتراجع الخدمات العامة، واتساع الإحساس بعدم العدالة في توزيع الثروة والأعباء.
وهنا تتجلى المفارقة الفرنسية: دولة غنية نسبيا، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تحويل ثروتها إلى شعور عام بالأمان والإنصاف. فالأزمة ليست ندرة الموارد وحدها، وإنما تتصل أيضا بأولويات توزيعها، وبمدى اقتناع المواطنين بأن التضحيات المطلوبة منهم موزعة بصورة عادلة. وعندما تتراكم هذه التناقضات، تتحول المطالب المعيشية إلى أزمة ثقة سياسية، ويصبح الشارع بديلا عن المؤسسات التي يفترض أن تستوعب الاحتجاج وتعالج أسبابه.

تضع التطورات الرئيس إيمانويل ماكرون أمام حصيلة سياسية شديدة القسوة. فقد وصل إلى السلطة بوعد تجاوز الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، وتحديث الاقتصاد الفرنسي، وإعادة الحيوية إلى الدولة. لكنه يقترب من نهاية ولايته الثانية وسط انقسام سياسي وشعبي، وحكومة محدودة القدرة على المناورة، وضغوط مالية تقلص خياراتها.
ولم يكن قرار الدعوة إلى انتخابات مبكرة عام 2024، وما أعقبه من فقدان الأغلبية البرلمانية، مجرد خطأ تكتيكي؛ بل أسهم في إضعاف قدرة الرئاسة على فرض تسويات سياسية مستقرة.
أما الإصرار على التقشف في ظل تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف الحياة، فقد عمق الانطباع بأن السلطة تطالب المجتمع بتحمل كلفة الأزمة من دون تقديم أفق مقنع للخروج منها. ومع ذلك، لا يمكن تفسير الاضطرابات كلها بإخفاق ماكرون وحده؛ فهي تعكس اختلالات أعمق تراكمت عبر سنوات، ولا يمكن لأي تغيير حكومي محدود أن يعالجها ما لم تتغير السياسات التي أنتجتها.

تتمثل المفارقة الأخطر في أن الاحتجاجات التي انطلقت من مظالم اجتماعية مشروعة قد تفضي إلى نتائج سياسية تناقض أهداف قطاعات واسعة من المشاركين فيها. فأعمال النهب والتخريب والاعتداء على المؤسسات تمنح اليمين المتطرف فرصة لتغيير موضوع النقاش: من تدهور التعليم وارتفاع الأسعار واتساع التفاوت الاجتماعي إلى الأمن والهجرة وفرض النظام.
وتستثمر مارين لوبان هذا التحول لتقديم نفسها بوصفها بديلا قادرا على استعادة سلطة الدولة. وبذلك تستطيع تحويل الخوف من الفوضى إلى رأسمال انتخابي، حتى بين ناخبين لا يتبنون بالضرورة جميع مواقفها السياسية. لكن الاستفادة من الأزمة لا تعني أن وصول اليمين المتطرف إلى السلطة أصبح حتميا؛ فذلك يتوقف على تماسك خصومه، ومواقف الناخبين، وقدرته على تقديم برنامج اقتصادي واجتماعي قابل للتطبيق.

لا يمكن فصل الأزمة الفرنسية عن المناخ الأوروبي الأوسع، حيث تتصاعد المخاوف من تكاليف الطاقة والمعيشة، وتتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية، وتستثمر القوى الشعبوية الشعور بالتهميش وفقدان السيطرة. وإذا انتقلت العدوى السياسية إلى دول أوروبية أخرى، فإن الخطر لن يقتصر على اضطرابات اجتماعية متفرقة، بل قد يمتد إلى تزايد النزعات القومية، وتراجع التوافق بشأن الهجرة والسياسة المالية، وازدياد الخلافات حول مستقبل الاتحاد الأوروبي وعلاقاته الدولية.
وتكتسب فرنسا أهمية استثنائية في هذا السياق؛ فهي إحدى الركائز الأساسية للمشروع الأوروبي، وأي تحول سياسي حاد فيها يمكن أن يعيد تشكيل موازين القوى داخل الاتحاد، ويضعف قدرته على اتخاذ قرارات مشتركة في الأمن والطاقة والدفاع.
إلى أين تتجه الأزمة؟
يتوقف المسار المقبل على قدرة الدولة الفرنسية على الجمع بين استعادة الأمن ومعالجة الأسباب الاجتماعية للاحتجاج. فالمقاربة الأمنية وحدها قد توقف بعض مظاهر العنف مؤقتا، لكنها لا تعيد بناء الثقة، كما أن تجاهل الاعتداءات والتخريب يقوض شرعية المؤسسات ويهدد حقوق المواطنين. المطلوب هو إصلاح ملموس للخدمات العامة، وسياسات أكثر إنصافا في توزيع الأعباء، وحوار سياسي يعيد الاعتبار للمؤسسات الديمقراطية، إلى جانب مساءلة واضحة عن الإخفاقات الأمنية.





