العالم

من غلاء المعيشة إلى غضب الشارع..فرنسا أمام اختبار العدالة الاجتماعية

  ماذا يحدث في باريس؟

    شهدت باريس ومدن فرنسية أخرى تظاهرات واسعة شارك فيها طلاب ونقابيون ومواطنون ساخطون على ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة. وأفادت تقارير إخبارية بوقوع مواجهات بين الشرطة ومجموعات من المتظاهرين، واستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، إلى جانب إحراق سيارات وحاويات نفايات وتخريب بعض الممتلكات.

      وبحلول منتصف نهار أمس السبت، أعلنت السلطات توقيف 272 شخصا في مختلف أنحاء فرنسا، وسط انتشار أمني كثيف في باريس ومدن أخرى. ومن المهم التمييز بين التظاهرات السلمية وأعمال العنف التي وقعت على هامشها. لكن لفهم ما يجري، ينبغي الانتقال من وصف الأحداث إلى تحليل جذورها السياسية والاجتماعية.

     ما الأسباب الحقيقية وراء الاحتجاجات؟

     -ثمة أزمة المعيشة وتآكل القدرة الشرائية، إذ يشكل ارتفاع تكاليف المعيشة، بما فيها أسعار الوقود، أحد المحركات الأساسية للاحتجاجات. فالمشكلة لا تتعلق بارتفاع الأسعار وحده، بل بشعور قطاعات من المجتمع بأن دخولها لم تعد تكفي لتلبية احتياجاتها، وأن الأعباء الاقتصادية تتوزع بصورة غير عادلة.

    وهنا تبرز المفارقة: فرنسا دولة متقدمة ذات اقتصاد كبير ونظام اجتماعي واسع، لكن ذلك لا يمنع شرائح من مواطنيها من الشعور بالتهميش وانعدام الأمان الاقتصادي.

    ثم أنّ هناك أزمة التعليم بوصفها شرارة للاحتجاج. وقد بدأت موجة الاحتجاجات الأخيرة في أوساط طلاب المدارس الثانوية، احتجاجا على نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وتردي بعض المنشآت التعليمية. ثم اتسعت المطالب لتشمل قضايا الإنفاق العام والعدالة الاجتماعية ومستوى الخدمات الحكومية. وهذا التحول مهم؛ لأن الاحتجاج الذي يبدأ بمطلب قطاعي يمكن أن يتحول إلى حركة اجتماعية أوسع عندما يجد أن قطاعات أخرى تعاني مشكلات مشابهة.

  عودة روح السترات الصفراء

   تذكّرنا مشاركة محتجين ارتدوا السترات الصفراء بحركة الاحتجاج التي اجتاحت فرنسا عام 2018، وبدأت اعتراضا على الضرائب المفروضة على الوقود، قبل أن تتوسع إلى رفض التفاوت الاجتماعي والسياسات الاقتصادية للرئيس إيمانويل ماكرون. والتشابه لا يعني أن الحركتين متطابقتان، لكنه يشير إلى استمرار بعض الأسباب التي غذّت الاحتجاجات السابقة. والسؤال الآن: هل نحن أمام موجة احتجاجية عابرة، أم بداية عودة حركة اجتماعية قادرة على فرض تنازلات جديدة على السلطة؟

      فما الذي يجعل الأزمة سياسية؟

     تأتي الاحتجاجات في مرحلة حساسة من رئاسة إيمانويل ماكرون، وسط انقسامات سياسية وضغوط اقتصادية وصعوبات تتعلق بالمالية العامة. وقد تحولت مطالب المتظاهرين من قضايا التعليم والمعيشة إلى تساؤلات أوسع عن أولويات الدولة: هل ينبغي التشدد في ضبط الإنفاق العام، أم زيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية حتى لو تطلب ذلك مراجعة السياسات المالية؟

     هذه ليست مسألة اقتصادية تقنية فحسب؛ إنها معركة سياسية حول توزيع الأعباء والموارد. وتواجه الحكومة معضلة واضحة: إذا شددت إجراءات ضبط الإنفاق، فقد تزيد السخط الشعبي؛ وإذا قدمت تنازلات مالية واسعة، فقد تواجه صعوبات إضافية في إدارة الدين العام وإقناع الأسواق بقدرتها على ضبط المالية العامة. وقد أشارت تقارير صحفية اأمس إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي إلى مستويات لم تشهدها فرنسا منذ أكثر من عقدين يزيد من تعقيد هذه المعضلة.

     لكنْ هل تتحول الاحتجاجات إلى أزمة حكم؟

     نرى أن الخطر الأساسي لا يكمن في المواجهات التي شهدتها شوارع باريس وحدها، بل في احتمال اتساع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات السياسية. هناك ثلاثة عوامل ينبغي مراقبتها:

    اتساع قاعدة الاحتجاج: أي انضمام الطلاب والنقابات وفئات اجتماعية أخرى يمنح الحركة قدرة أكبر على الاستمرار. ثم طبيعة رد الحكومة، فالإفراط في استخدام القوة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الغضب، بينما قد تساعد الاستجابة السياسية للمطالب المشروعة على احتواء الأزمة. وإلى ذلك فإنّ استمرار الضغوط الاقتصادية، إذا بقيت أسباب الاحتجاج من دون معالجة، فقد تتجدد التظاهرات حتى بعد تراجع المواجهات الحالية.

     وقد أثارت إصابات خطيرة وقعت خلال احتجاجات الطلاب السابقة انتقادات لأساليب الشرطة، فيما أعلنت السلطات فتح تحقيقات في ادعاءات تتعلق باستخدام القوة. وهذا يضيف بعدا حقوقيا إلى الأزمة، إلى جانب أبعادها الاقتصادية والسياسية.

    ومع ذلك، لا تكفي الأحداث الحالية وحدها للقول إن الحكومة الفرنسية أصبحت على وشك السقوط، أو إن البلاد تتجه حتما إلى اضطرابات مستدامة. ذلك يتوقف على تطور الاحتجاجات، وموقف النقابات، وقدرة الحكومة على تقديم حلول مقنعة.

  إنّ القراءة الأعمق لما يجري في باريس هي أن الأزمة تتعلق بأكثر من ارتفاع الأسعار أو سوء الخدمات التعليمية؛ إنها تعبير عن أزمة ثقة في قدرة النظام السياسي على تحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية. فالدولة التي تطالب مواطنيها بتحمل أعباء اقتصادية إضافية تحتاج إلى إقناعهم بأن هذه الأعباء موزعة بعدالة، وأن الخدمات العامة التي يحصلون عليها تستحق ما يدفعونه من ضرائب وتكاليف.

    وإذا عجزت السلطة عن تقديم هذا الإقناع، فإن الاحتجاجات قد تتحول إلى أزمة سياسية أوسع، خصوصا عندما تلتقي مطالب الشباب مع غضب الفئات المتضررة من ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات. ولا مراقبون استراتيجيون أن إسقاط الحكومة هو النتيجة الحتمية لهذه الأحداث. الاحتمال الأكثر ارتباطا بالمعطيات الحالية هو استمرار الضغط الشعبي على السلطة، مع إمكان تصاعد المواجهات أو تراجعها بحسب استجابة الحكومة.

مقالات ذات صلة