العالمتحليل سياسي

ترامب وبوتين وأوكرانيا: حين تتحول الدبلوماسية إلى أداة لإعادة “تشكيل” موازين الحرب

“برقية”: تحليل إخباري

يكشف الموقف الذي يتبناه دونالد ترامب من الحرب الأوكرانية عن اختلاف جوهري في فهم الصراع بينه وبين الإدارات الأميركية التي تعاملت معه باعتباره اختبارا لمصداقية الولايات المتحدة والتزاماتها تجاه حلفائها. فترامب ينظر إلى الحرب، في جانب أساسي من مقاربته، باعتبارها صفقة سياسية ينبغي إغلاقها، فيما ينظر فلاديمير بوتين إليها باعتبارها فرصة لإعادة رسم الحدود السياسية والاستراتيجية التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

        هذا الاختلاف يمنح موسكو أفضلية تفاوضية محتملة. فالرئيس الروسي يستطيع الانتظار واستثمار الوقت، بينما يواجه نظيره الأميركي ضغوطا داخلية تتصل بالاقتصاد وأسعار الطاقة والانتخابات، فضلا عن رغبته في إثبات قدرته على الوفاء بوعوده السياسية. وعندما تتحول سرعة الوصول إلى اتفاق إلى معيار لنجاح الدبلوماسية، يصبح الطرف الأكثر استعدادا لتحمل كلفة استمرار الحرب في موقع أفضل لفرض شروطه.

     ومن هنا، لا ينبغي تفسير التقارب المحتمل بين ترامب وبوتين بوصفه دليلا على نشوء تحالف استراتيجي متكامل بينهما؛ فالأرجح أنه يعكس تقاطعا ظرفيا في المصالح والتصورات. يريد ترامب إنهاء الحرب وإظهار تفوقه الشخصي في عقد الصفقات، بينما يسعى بوتين إلى انتزاع مكاسب سياسية وإقليمية لم يتمكن من تحقيقها كاملة بالقوة العسكرية.

     لكن هذا التقاطع يظل قابلا للتغير. فالمصالح الروسية والأميركية ليست متطابقة بالضرورة، وما يبدو اليوم تفاهمًا سياسيا قد يتحول غدا إلى مصدر خلاف إذا اصطدمت الطموحات الروسية بحسابات واشنطن الأوسع.

                        أوكرانيا: من شريك في الدفاع إلى

                     طرف مطلوب منه تقديم التنازلات

     تتمثل إحدى أخطر دلالات الموقف الأميركي، كما يعرضه المقال، في احتمال انتقال الضغط السياسي من الدولة التي شنت الحرب إلى الدولة التي تتعرض للغزو. فعندما يُحمَّل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مسؤولية تعثر التسوية، أو تُطرح مسألة تغيير الحكومة الأوكرانية، تتراجع الحدود الفاصلة بين الوساطة من أجل السلام والتدخل في الخيارات السيادية لدولة تخوض حربا دفاعية.

     ولا يعني ذلك أن القيادة الأوكرانية معفاة من الأخطاء أو أن كييف لا تستطيع تقديم تنازلات تفاوضية؛ فالحروب تنتهي عادة بتسويات تتضمن حسابات مؤلمة لجميع الأطراف. لكن الفارق الأساسي يكمن في طبيعة التسوية: هل تقوم على تفاهم متبادل يضمن أمن أوكرانيا واستقلال قرارها، أم على فرض وقائع ميدانية وسياسية لمصلحة روسيا تحت ضغط تراجع الدعم الغربي؟

         إن أي اتفاق لا يعالج الأسباب الأمنية والسياسية للحرب، ولا يوفر ضمانات عملية تمنع تجددها، قد يؤدي إلى تجميد الصراع بدلا من إنهائه. وفي هذه الحالة، تحصل موسكو على فرصة لإعادة تنظيم قواتها وتعزيز قدراتها، بينما تجد كييف نفسها أمام سلام مؤقت يفتقر إلى عناصر الاستقرار.

         وتزداد خطورة هذا الاحتمال إذا اقترن التفاوض بتقليص الدعم الاستخباراتي والعسكري الأميركي، أو بالضغط على وسائل الاتصال التي تعتمد عليها القوات الأوكرانية. فهذه الأدوات ليست تفاصيل تقنية منفصلة عن السياسة، بل عناصر مؤثرة في ميزان الحرب، ويمكن أن يؤدي تعطيلها إلى تغيير حسابات الأطراف حتى من دون إعلان رسمي عن وقف المساعدات.

                  أوروبا أمام اختبار الاستقلال الاستراتيجي

     يضع هذا التحول الأوروبيين أمام معضلة تتجاوز مساندة أوكرانيا. فقد اعتمد الأمن الأوروبي، طوال عقود، على المظلة العسكرية الأميركية بوصفها الركيزة الأساسية لردع التهديدات الكبرى. غير أن احتمال تغير الأولويات في واشنطن يكشف هشاشة هذا الاعتماد عندما تتعارض المصالح الأوروبية مع الحسابات السياسية للإدارة الأميركية.

     ومن هنا، تصبح زيارة زيلينسكي إلى لندن، ولقاؤه المسؤولين البريطانيين، أكثر من مجرد تحرك دبلوماسي لدعم كييف؛ إنها تعبير عن محاولة أوروبية لمنع انفراد واشنطن وموسكو بتقرير مستقبل الحرب من دون مشاركة فعلية من الدول التي ستتحمل النتائج الأمنية المباشرة لأي تسوية.

     ومع ذلك، فإن المواقف السياسية المؤيدة لأوكرانيا لن تكون كافية إذا لم تتحول إلى قدرة عملية على توفير السلاح والذخائر والتمويل والاستخبارات. فالتضامن الأوروبي يظل محدود التأثير ما لم يستند إلى قاعدة صناعية دفاعية قادرة على الإنتاج المستمر، وإلى تنسيق سياسي يسمح بتوزيع الأعباء بين الدول الأوروبية.

      ولا يعني ذلك أن أوروبا تستطيع الاستغناء عن الولايات المتحدة في المدى القريب، وإنما يعني أن استمرار الاعتماد غير المشروط عليها لم يعد خيارا استراتيجيا آمنا. فبناء قدرة أوروبية مستقلة نسبيا على الدفاع والردع بات ضرورة تفرضها احتمالات تغير السياسة الأميركية، وليس مجرد مشروع طويل الأجل لتعزيز مكانة الاتحاد الأوروبي.

                 الحسابات الداخلية الأميركية وتأثيرها في الحرب

        يبرز المقال كذلك أثر العوامل الداخلية الأميركية في صياغة الموقف من أوكرانيا، ولا سيما أسعار الطاقة والاعتبارات الانتخابية. فحين تصبح تكلفة الوقود وضغوط الناخبين معيارا لتحديد السياسة الخارجية، يمكن أن تتراجع الاعتبارات الاستراتيجية بعيدة المدى أمام متطلبات سياسية عاجلة.

         غير أن تحميل الهجمات الأوكرانية على منشآت النفط الروسية مسؤولية ارتفاع أسعار الطاقة لا يقدم، بمفرده، تفسيرا كافيا لحركة الأسواق. فأسعار النفط والوقود تتأثر بمجموعة من العوامل، تشمل حجم الإمدادات العالمية، والمخاطر الجيوسياسية، والعقوبات، وتوقعات المستثمرين، وأمن طرق النقل.

       ومن ثم، فإن الربط الذي يقيمه المقال بين الحرب الأميركية على إيران وارتفاع أسعار الطاقة، وبين انعكاسات ذلك على موقف ترامب من أوكرانيا، ينبغي التعامل معه باعتباره تفسيرا سياسيا يحتاج إلى التحقق من تفاصيله، لا حقيقة مكتملة بمجرد ورودها في النص.

     لكن الدلالة الأوسع تظل مهمة: عندما تتداخل الأزمات الخارجية مع الحسابات الانتخابية، قد تصبح السياسة الدولية أكثر تقلبا، ويجد الحلفاء أنفسهم مضطرين إلى التعامل مع قرارات لا تنبع بالضرورة من تقدير شامل لمصالحهم المشتركة.

                     سلام يوقف الحرب أم تسوية تعيد إنتاجها؟

    إن جوهر الصراع الدائر لا يقتصر على الأراضي التي تسيطر عليها روسيا أو خطوط المواجهة بين الجيشين، بل يمتد إلى مستقبل السيادة الأوكرانية، وحدود النفوذ الروسي، ومصداقية الالتزامات الغربية تجاه حلفائها.

        وقد يتمكن ترامب من دفع الأطراف نحو مفاوضات جدية، لكن نجاحه لا ينبغي أن يُقاس بمجرد الإعلان عن اتفاق أو وقف مؤقت لإطلاق النار. المعيار الحقيقي هو قدرة التسوية على منع تجدد الحرب، وصيانة استقلال أوكرانيا، وتوفير ضمانات أمنية قابلة للتنفيذ.

       أما بوتين، فقد يحقق مكاسب سياسية إذا استطاع تحويل تراجع الدعم الأميركي إلى تنازلات أوكرانية وأوروبية. غير أن ذلك لن يعني بالضرورة انتصارا استراتيجيا نهائيا؛ إذ إن فرض تسوية تفتقر إلى الشرعية والضمانات قد يحول أوكرانيا إلى بؤرة صراع مفتوح، ويدفع أوروبا إلى تسريع إعادة بناء قدراتها العسكرية، ويعمق انعدام الثقة بين روسيا والغرب.

مقالات ذات صلة