مضيق هرمز والحوثيون..هل تستعيد إيران زمام المبادرة؟ أم تعيد توزيع خسائر الحرب؟


قراءة تحليلية -في مقال نشرته صحيفة ذي وول ستريت جورنال، بشأن “معضلة واشنطن في مواجهة طهران”- تتجاوز متابعة الهجمات وأسعار النفط إلى تفكيك الاستراتيجية التي تقف وراءها. فالقضية الأساسية ليست مجرد تصعيد عسكري إيراني أو هجمات حوثية على السعودية، بل هي الصراع على امتلاك القدرة على فرض شروط إنهاء الحرب، وتحديد الطرف الذي يدفع كلفة استمرارها. ويمكن القول إن إيران تحاول استعادة زمام المبادرة عبر توظيف موقعها الجغرافي في مضيق هرمز، بالتزامن مع الهجمات الحوثية على السعودية، لرفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها. لكن هذه الفرضية تستدعي التمييز بين القدرة على إرباك الخصم والقدرة على تحقيق انتصار استراتيجي. فتهديد الملاحة البحرية ورفع أسعار الطاقة قد يضغطان على واشنطن ويدفعانها إلى مراجعة حساباتها، لكنهما لا يعنيان بالضرورة أن طهران استعادت التفوق أو فرضت إرادتها السياسية.

“برقية”: خاص

غير أن هذه الورقة سلاح ذو حدين؛ فاستمرار التهديدات قد يدفع الدول المتضررة إلى تعزيز التعاون العسكري وتأمين الملاحة وتشديد الضغط على طهران. كما أن ارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة استفادة إيران، في ظل العقوبات والقيود على صادراتها. لذلك، فإن قيمة مضيق هرمز لا تكمن في تعطيل الملاحة وحده، بل في قدرة إيران على تحويل التهديد إلى مكاسب سياسية وتفاوضية قابلة للاستمرار.
الحوثيون والسعودية: تداخل المصالح
وتعدد الحسابات
يربط مقال الصحيفة الأميركية بين التحركات الإيرانية والهجمات الحوثية على السعودية، باعتبارها جزءاً من استراتيجية ضغط إقليمية متزامنة. لكن تزامن الهجمات لا يكفي لإثبات أن طهران تدير كل تفاصيلها مباشرة. فالعلاقة بين الطرفين تجمع بين الدعم الإيراني وتلاقي المصالح، وبين حسابات الحوثيين المرتبطة بالصراع اليمني ورغبتهم في تثبيت نفوذهم السياسي والعسكري. ومن ثم، فإن اختزالهم في أداة إيرانية يتجاهل جانباً من استقلال قرارهم، كما أن تجاهل الدعم الإيراني لا يقدم صورة مكتملة للمشهد.
أما السعودية، فتواجه تحدياً يتجاوز اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى حماية الاستقرار الاقتصادي وثقة المستثمرين. لكنها ليست محصورة بين التصعيد العسكري والتراجع؛ إذ تستطيع الجمع بين الدفاعات الجوية والتنسيق الأمني والضغط الدبلوماسي والسعي إلى تسوية تقلل دوافع الهجمات.
الولايات المتحدة
وحدود التفوق العسكري
تكشف المواجهة أن التفوق العسكري لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية. فالولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية متفوقة، لكنها تواجه معضلة تحويل هذه القوة إلى نتيجة مستقرة، من دون التورط في حرب مفتوحة أو تحمل تكاليف اقتصادية وسياسية متزايدة.
وتستطيع إيران استثمار مخاوف واشنطن من ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط الانتخابية، لكن هذه العوامل لا تضمن تغيير السياسة الأمريكية؛ فقد تدفع إلى التفاوض، أو إلى تصعيد عسكري أشد إذا تعرضت المصالح الأمريكية أو حلفاؤها لتهديدات خطيرة. وبذلك، لا يُقاس النجاح الأمريكي بحجم الضربات، بل بقدرته على حماية الملاحة وتقليص التهديدات والوصول إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار.

نظرة نقدية
والسيناريوهات المحتملة
تكمن قوة المقال في ربطه بين أمن الملاحة والطاقة والصراع الإقليمي، لكنه يحتاج إلى أدلة إضافية لإثبات أن الهجمات المتزامنة تمثل استراتيجية إيرانية موحدة وناجحة. فالتزامن لا يثبت وحده وحدة القيادة العملياتية، واستمرار الهجمات لا يعني بالضرورة فشل الردع، مثلما أن ارتفاع أسعار النفط لا يثبت تحقق مكاسب سياسية لطهران.
ثلاثة سيناريوهات رئيسة
–التصعيد المضبوط: استمرار الهجمات والتهديدات المحدودة لزيادة الضغط، مع تجنب الحرب الشاملة، وإن بقي خطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً.
–التسوية السياسية: تدفع التكاليف الاقتصادية والأمنية الأطراف إلى تفاهمات تحمي الملاحة وتحد من التصعيد، من دون أن تعني بالضرورة انتصار طرف وهزيمة آخر.
–اتساع الحرب: يؤدي هجوم كبير أو سقوط ضحايا بأعداد مرتفعة إلى ردود انتقامية متبادلة، فتخرج المواجهة عن حدود الضغط المحسوب.
ويظل السيناريو الثالث الأكثر خطورة، لأن التصعيد قد ينتج من سلسلة قرارات متبادلة، لا من رغبة مسبقة لدى جميع الأطراف في خوض حرب شاملة.
ونخلص إلى القول: لا تثبت التطورات أن إيران استعادت زمام المبادرة بصورة حاسمة، بل تكشف قدرتها على توظيف الجغرافيا والحلفاء لرفع كلفة المواجهة على خصومها. لكن هذه القدرة لا تضمن لها تحقيق أهدافها، كما أن التفوق العسكري الأمريكي لا يضمن وحده إنهاء الصراع بشروط مستقرة.
إننا أمام مواجهة بين أنماط مختلفة من القوة: تفوق عسكري أمريكي، وأوراق ضغط جغرافية واقتصادية إيرانية، وقدرة حوثية على تهديد الأمن الإقليمي، ومخاوف سعودية من انعكاسات التصعيد على الاستقرار. وقد تتحول هذه الأدوات إلى وسائل تفاوض، أو تصبح أسباباً لاستنزاف متبادل لا يحقق لأي طرف انتصاراً حاسماً.





