تحليل سياسي

الاقتصاد والفساد والحرب: ثلاثية تهدد الهيمنة الجمهورية على الكونغرس

    لقد بنى ترامب جانباً مهماً من خطابه السياسي على وعد باستعادة الازدهار الاقتصادي، وخفض الأسعار، وحماية المصالح الأميركية. غير أن استمرار الضغوط المعيشية، إلى جانب الجدل حول استفادته الشخصية من منصبه، يضع هذا الخطاب أمام اختبار بالغ الحساسية. فالناخب الذي يمنح صوته لمرشح يعده بتحسين حياته لا يكتفي طويلاً بالشعارات، ولا سيما عندما يرى أن مكاسب السلطة تتركز لدى أصحاب الثروات والنفوذ، بينما تظل أعباء المعيشة قائمة.

     اقتصادياً، تتحول الأسعار إلى معيار للحكم على الأداء السياسي. فالتضخم وتكاليف الطاقة والمواد الغذائية ليست قضايا تقنية منفصلة عن السياسة، بل عوامل تمس الأمن الاجتماعي للأسر وتحدد موقفها من الحزب الحاكم. وإذا اقترنت هذه الأعباء بحرب مكلفة واضطراب في الأسواق، فإن الوعود الانتخابية تصبح أكثر صعوبة في الدفاع عنها. ومن هنا تكتسب المفارقة التي يبرزها التقرير أهميتها: يستطيع الرئيس السيطرة على جانب كبير من المشهد الإعلامي، لكنه لا يستطيع بالسهولة نفسها التحكم في التجربة المعيشية للمواطنين.

    أما سياسياً، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه ترامب ليس انتقال بعض الناخبين المستقلين إلى المعسكر الديمقراطي، بل فتور الحماسة داخل قاعدته الانتخابية نفسها. فالقواعد الحزبية لا تتحرك دائماً بفعل الاقتناع بالخصم؛ وقد يكفيها أن تفقد الثقة بقدرة حزبها على تحقيق الوعود. وعندما يشعر الناخب بأن قائده تحول من ممثل لمصالحه إلى سياسي تقليدي تحكمه المصالح الشخصية، تتراجع قوة الشعارات التي كانت تمنحه التفوق.

     ومع ذلك، لا ينبغي التعامل مع هذه المؤشرات باعتبارها دليلاً حاسماً على تحول دائم في المزاج الأميركي. فالديمقراطيون يعانون بدورهم مشكلات تتعلق بالثقة والقيادة والقدرة على تقديم بديل اقتصادي مقنع. وقد يصوت الناخب ضد الحزب الحاكم من دون أن يصبح مؤيداً حقيقياً للحزب المنافس. لذلك فإن أي مكاسب ديمقراطية محتملة قد تعكس عقاباً انتخابياً للجمهوريين بقدر ما تعكس اقتناعاً ببرنامج الديمقراطيين.

     وتبرز هنا أهمية الانتخابات النصفية بوصفها اختباراً لحدود السلطة الرئاسية. فالرئيس الذي يتمتع بأغلبية مريحة في الكونغرس يستطيع تمرير جانب مهم من برنامجه، لكن فقدان السيطرة على أحد المجلسين يفتح الباب أمام تحقيقات رقابية ومواجهات تشريعية وتعطيل بعض المبادرات. ومن ثم، فإن الخسارة الجمهورية المحتملة لن تكون مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل قد تتحول إلى قيد سياسي يحد من قدرة ترامب على إدارة ما تبقى من ولايته.

      وتكتسب الحرب مع إيران، وفق ما يطرحه التقرير، أهمية إضافية لأنها تربط السياسة الخارجية بالمعيشة الداخلية. فالحروب لا تُقاس بنتائجها العسكرية وحدها، وإنما أيضاً بكلفتها الاقتصادية، وانعكاساتها على أسعار الطاقة، ومدى اقتناع المواطنين بضرورتها وجدواها. وكلما غابت النتائج الواضحة وارتفعت التكاليف، ازدادت صعوبة إقناع الناخب بأن التضحية الاقتصادية جزء من استراتيجية وطنية ناجحة.

      ويكشف التقرير عن معضلة تتجاوز شخص ترامب إلى طبيعة الشعبوية السياسية نفسها: تستطيع هذه الشعبوية حشد الجماهير عبر الوعود الوطنية والخصومات الحادة والاستعراض الإعلامي، لكنها تواجه اختباراً مختلفاً عندما تصطدم بتكاليف الحياة اليومية. فالسلطة تستطيع صناعة الخطاب وتوجيه الاهتمام، لكنها لا تستطيع إلغاء أثر الأسعار أو إخفاء التناقض بين الوعود والنتائج إلى ما لا نهاية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق