صوتٌ من زمنٍ يسكننا..حسين نعمة…حين يتعب الجسد وتغنّي الذاكرة




هكذا أكتب اليوم عن الفنان العراقي الكبير حسين نعمة، الذي عرفته منذ سبعينيات القرن الماضي، يوم كانت الأغنية العراقية تحمل رائحة الأرض وحنين المدن ووجع الإنسان، وتدخل البيوت من دون استئذان، لتجلس مع العائلة، وترافق المسافرين، وتؤنس العامل في تعبه، وتمنح العاشق كلمات يعجز قلبه عن قولها.
كتبت عن حسين نعمة أكثر من مقالة في مجلة «فنون» في السبعينات، المجلة التي احتفت بالمبدعين العراقيين، وكانت نافذة على تجاربهم وأحلامهم. وأتذكر أن يتصدّر صورته غلاف المجلة، فأستعيد اليوم تلك السنوات التي كانت فيها الصحافة الثقافية تؤمن بأن الفنان ليس خبرًا عابرًا، بل جزء من ذاكرة المجتمع وتاريخه الوجداني. لم تكن تلك الكتابات مجرد متابعة لتجربة غنائية ناجحة، وإنما شهادة على زمن كان الفن فيه قادرًا على جمع الناس حول إحساس مشترك، مهما اختلفت ظروفهم وتباعدت طرقهم.
واليوم، بعد مرور كل هذه السنوات، أجدني أعود إلى حسين نعمة لا لأستعيد مسيرته الفنية فحسب، بل لأستعيد شيئًا من نفسي ومن ذلك الزمن الذي مضى، ولم يغادرنا تمامًا.

صوت من أرض تعرف تزرع الغناء
في صوت حسين نعمة شيء من الجنوب العراقي؛ من الأرض التي تشرب من الفرات، ومن الناصرية التي تعرف شمس الصيف الطويلة، ومن النخيل الذي يقف في وجه الريح، ومن الإنسان الذي يتعلم كيف يخفي وجعه كي لا يثقل على الآخرين.
كان صوته قريبًا من الروح، كأنه يعرف ما يختبئ في أعماقنا من حنين وخيبات وأمنيات مؤجلة. لم يكن يغني عن الحب والفراق وحدهما، بل عن الإنسان في ضعفه وقوته، وعن ذلك القلب الذي يمضي في الحياة مثقلًا بما لا يستطيع البوح به، لكنه يجد في الأغنية مساحة يترك فيها دموعه من دون خجل.
لهذا بقيت أغنياته رفيقة أجيال، لا تحدّها سنوات إنتاجها ولا تتوقف عند حدود زمنها. يكفي أن تنبعث نغمة قديمة حتى تعود الوجوه التي غابت، وتنهض شوارع تغيّرت، ونرى أنفسنا كما كنا، بقلوب أقل تعبًا وأحلام أكبر من إمكاناتنا.
فالفن الصادق لا يعيد الزمن، لكنه يعيد إلينا إحساسنا به؛ لا يردّ الراحلين، لكنه يمنحنا لحظة نجلس فيها معهم على مقعد الذاكرة، ولا يمحو الغربة، لكنه يترك لنا خيطًا يصلنا بما أحببناه وابتعد عنا.

الصوت الجميل ووجع الجسد
إن سماع خبر مرض حسين نعمة، ومعاناته مع السرطان، يضعنا أمام حقيقة إنسانية لا نستطيع تجاهلها: فالفنان الذي اعتدنا أن نراه في صورة الصوت القوي والحضور الجميل، له جسد يتعب، وقلب يقلق، وأيام يحتاج فيها إلى من يخفف عنه وطأة الطريق.
المرض لا يغيّر تاريخ الإنسان، لكنه يذكّرنا بضعفه، وبأن وراء كل اسم لامع حياة خاصة لا نعرف تفاصيلها كلها. وحين يمرض الفنان، لا ينبغي أن نراه من خلال محنته وحدها، بل من خلال عمره الذي منحه للفن، وما تركه في الناس من مشاعر وذكريات.
لا أريد أن أكتب عنه بلغة الوداع، ولا أن أجعل من مرضه خاتمة لحكاية ما زالت فصولها مفتوحة. أريد أن أكتب له بوصفه إنسانًا عزيزًا نرجو له الشفاء، وفنانًا يستحق أن يشعر بمحبة جمهوره وهو بيننا، لا أن ننتظر الغياب كي نكتشف قيمة ما تركه لنا.
فكم من فنان أمضى سنوات يواسي الناس بأغنياته، ثم جاء يوم احتاج فيه إلى مواساتهم! وكم من صوت منح الآخرين القدرة على التعبير عن أحزانهم، فصار اليوم بحاجة إلى كلمات صادقة تقول له: لست وحدك، فما زرعته في قلوب الناس لم يذهب سدى.

“يا نجمة”… ضوء نرجوه أن يبقى
حين نستعيد أغنية «يا نجمة»، نشعر كأننا نرفع أعيننا إلى سماء بعيدة، نبحث فيها عن ضوء يرشدنا وسط العتمة. فالنجمة في وجدان الإنسان وعد صغير بأن الليل ليس نهاية الحكاية، وأن وراء الظلام أفقًا يستحق الانتظار.
يا حسين، نريد لنجمتك أن تبقى مضيئة، وأن تحمل إليك بشارة العافية، وأن تترك في قلبك فسحة من الطمأنينة. لا نطلب من الأغنية أن تفعل ما يفعله العلاج، ولا من الكلمات أن تمنحنا يقينًا بما تخبئه الأيام؛ لكننا نؤمن بأن المحبة تمنح الإنسان سندًا، وأن الأمل يساعده على عبور اللحظات الصعبة.
وفي «غريب الروح» تتجلى وحشة الإنسان حين تضيق به الحياة، ويصبح ما يحمله في صدره أثقل من الكلام. والمرض قد يجعل الطريق غريبًا، حتى لمن تحيط به وجوه الأحبة؛ لذلك لا نريد لحسين أن يشعر بالغربة في محنته، بل نتمنى أن يجد حوله من يطمئنه، وأن تصله محبة الذين رافقتهم أغنياته طوال السنين.
أما «ردّيت»، فتبدو اليوم كأنها نداء من قلوب محبيه: عُد إلينا معافى يا حسين، فقد بقي لصوتك مكان في ذاكرتنا، ولأغنياتك دفء في بيوتنا، ولحضورك قيمة لا تختصرها سنوات العمر ولا تمحوها قسوة المرض.

“نخلة السماوة”… جذور لا تقتلعها الريح
النخلة في الوجدان العراقي ليست شجرة فحسب؛ إنها صورة للصبر، وذاكرة لأرض تعلّمت أن تمنح ثمرها رغم قسوة المناخ. تضرب جذورها عميقًا، وترفع سعفها نحو السماء، وتبقى واقفة حين تعصف الريح.
وفي «نخلة السماوة» نستعيد صورة الأرض التي ينتمي إليها حسين نعمة، ونرى في النخلة رمزًا للروح العراقية التي تواجه المحن من دون أن تفقد صلتها بالحياة. لكننا لا نطالبه بأن يكون أسطورة لا تتعب؛ فمن حق الإنسان أن يضعف، وأن يخاف، وأن يحتاج إلى من يسانده. القوة ليست في إخفاء الألم، بل في أن يجد المرء حوله من يمنحه أسباب الاستمرار.
وتأتي «يا حريمة» محمّلة بشيء من الأسى الذي يعرفه العراقيون جيدًا؛ ذلك الحزن الذي لا يحتاج إلى خطبة طويلة، لأن كلمة واحدة قد تفتح في القلب أبوابًا من الذكريات. كم من صباح مرّ علينا ولم ندرك قيمة العافية فيه، وكم من لقاء حسبناه عاديًا، ثم تمنّينا لو امتدّ قليلًا، وكم من صوت سمعناه مرارًا قبل أن نفهم أنه صار جزءًا من عمرنا!
أما «ما بيّه أعوفن هلي»، فتحملنا إلى معنى الأهل بوصفهم وطنًا صغيرًا، وإلى ذلك الحبل الذي يربط الإنسان ببيته الأول، وبالوجوه التي نادته باسمه قبل أن يعرفه الآخرون. وحين تشتد المحن، تصبح هذه الروابط أكثر من ذكريات؛ إنها مصدر للسكينة، وملاذ يمنح الأيام الصعبة شيئًا من الدفء.
هكذا تتقاطع أغنيات حسين نعمة في وجداننا: نجمة نهتدي بها، وروح تبحث عن الطمأنينة، ونداء للعودة، ونخلة تضرب جذورها في الأرض، وحنين إلى الأهل لا يستطيع الزمن اقتلاعه. إنها ليست مجرد عناوين لأغانٍ قديمة، بل مفاتيح لمشاعر إنسانية تتجدد كلما احتجنا إلى أن نفهم أنفسنا.

ذاكرة لا تنطفئ
حين كتبت عن حسين نعمة في سبعينيات القرن الماضي، كنت في بداية الطريق الصحفي، وكانت الكتابة عن الفنانين جزءًا من مشروع ثقافي يسعى إلى توثيق الإبداع العراقي والاحتفاء به. واليوم، وأنا أستعيد تلك المقالات، أشعر بأن قيمتها لا تكمن في أنها تناولت فنانًا معروفًا فحسب، بل في أنها حفظت جانبًا من زمن ثقافي يستحق أن يبقى حاضرًا في ذاكرة الأجيال.
فالكتابة عن الفنان ليست تسجيلًا لاسمه وصورته وأغنياته، بل توثيق لعلاقته بالناس، وللأثر الذي يتركه في المجتمع. ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف أن الأغنية العراقية لم تكن يومًا مجرد ألحان تتنافس على الانتشار، بل تجربة إنسانية وثقافية شارك في صنعها مبدعون منحوا أصواتهم أعمارهم، ومنحوا الناس في المقابل ذكريات لا تُشترى.
والوفاء للفنان لا يكون بالتصفيق له في أيام تألقه وحدها، بل بالاعتراف بقيمته، وحفظ أثره، والوقوف إلى جانبه في أوقات التعب. فالفنان الذي نراه على المسرح إنسان أيضًا؛ له أهله وأصدقاؤه ومخاوفه وأمنياته، ويستحق أن يجد في محبيه ما يخفف عنه شعور الوحدة حين تضيق به الحياة.

حين يصبح الدعاء أغنية أخرى
يا حسين نعمة، يا صاحب الصوت الذي عرفته منذ سبعينيات القرن الماضي،أكتب إليك اليوم بذاكرة الصحفي الذي رافق تجربتك، وبمشاعر الإنسان الذي أدرك أن بعض الأصوات تصبح جزءًا من حياته، حتى لو فرّقت بين أصحابها وبين مستمعيها المسافات والسنوات.
لقد منحت العراقيين أغنيات رافقت أفراحهم وأحزانهم، وحفظت شيئًا من حكاياتهم، وعبّرت عن مشاعر عجزوا أحيانًا عن صياغتها بالكلمات. واليوم، ونحن نسمع عن محنتك، لا نملك سوى أن نردّ إليك بعض ما منحتنا: محبة صادقة، ووفاء لا ينسى، ودعاء بأن تمرّ هذه الأيام بسلام.
لا تستطيع الكلمات أن تحلّ محل العلاج، ولا أن تعد بما لا نعرفه، لكنها تستطيع أن تقول للإنسان إنه ليس وحده، وإن ما زرعه في قلوب الآخرين ما زال حيًّا.
وأتمنى لك أن تجد في قرب أهلك ومحبيك ما يمنحك الطمأنينة، وأن تحمل الأيام المقبلة أخبارًا طيبة، وأن تبقى في قلبك مساحة للرجاء.
يا حسين، لقد غنّيت للنجمة والغربة والعودة والنخلة والأهل، فصارت أغنياتك جزءًا من ذاكرة العراقيين. واليوم نريد لهذه المعاني أن تلتقي عند باب الحياة: أن يبقى الضوء، وأن يجد القلب الطمأنينة، وأن تحمل العودة بشارة العافية، وأن تظل جذور الأمل عميقة مهما اشتدت الريح.
سلامًا لقلبك الذي غنّى للعراقيين، وسلامًا لصوتك الذي رافق أعمارهم، وسلامًا لتلك السنوات التي جمعتني بك وبأغنياتك وبصفحات مجلة «فنون». ما زلنا نسمعك، وما زلنا نتذكر، وما زلنا نرجو لك الشفاء.





