“النصر المؤجل”..حدود القوة الأمريكية واختبار الاستراتيجية الإيرانية



ومع ذلك، يعتقد المسؤولون الأمريكيون، رغم سبعة أشهر من “الانتكاسات”، أنهم تجاوزوا تلك المرحلة وبدأوا صفحة جديدة. فقد فرضوا عقوبات إضافية، مع الإبقاء على الحصار البحري الأمريكي المفروض على الساحل الجنوبي لإيران، الأمر الذي يحد من قدرتها على الوصول إلى الأسواق والتجارة الخارجية.
وبناء على ذلك، خلص المسؤولون الأمريكيون إلى أن الجمهورية الإسلامية ستضطر قريبا إما إلى تقديم التنازلات أو إلى السقوط. وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في الأول من سبتمبر/أيلول: «سنخنق هذا النظام اقتصاديا».
التقرير كتبه باحثان متخصصان في الشؤون الإيرانية والشرق أوسطية: نرجس باجغلي، أستاذة مشاركة في جامعة جونز هوبكنز.وولي نصر، أستاذ متخصص في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط في الجامعة نفسها، ومؤلف كتاب عن الاستراتيجية الكبرى لإيران.
والفكرة الأساسية التي يناقشها المقال تتمحور حول سؤال استراتيجي مهم: هل تستطيع إيران عدَّ نفسها منتصرة في مواجهة الولايات المتحدة، حتى إذا تكبدت خسائر عسكرية واقتصادية كبيرة؟
يرى الكاتبان أن الإجابة الإيرانية عن هذا السؤال تقوم على مفهوم مختلف للنصر؛ فطهران لا تشترط هزيمة الجيش الأمريكي في مواجهة عسكرية تقليدية، بل تسعى إلى جعل استمرار المواجهة مكلفا إلى درجة تدفع واشنطن إلى تغيير سياستها.
ويحدد المقال ثلاثة أهداف رئيسة لهذه الاستراتيجية:
–إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الخليج: من خلال استمرار استهداف القواعد الأمريكية، ودفع الدول العربية إلى المطالبة برحيل القوات الأمريكية.

–إجبار واشنطن على رفع العقوبات: عبر إحداث اضطرابات في أسواق الطاقة ورفع الكلفة الاقتصادية والسياسية للمواجهة.
–انتزاع الاعتراف بإيران قوة إقليمية كبرى: بحيث تضطر الولايات المتحدة إلى التعامل معها باعتبارها طرفا لا يمكن تجاهله في رسم مستقبل الشرق الأوسط.
ويشير المقال كذلك إلى أن الأضرار التي لحقت بإيران لا تعني بالضرورة أن نظامها يعتقد أنه خسر استراتيجيا؛ إذ يرى الكاتبان أن الضغوط الخارجية قد تدفع قطاعات من المجتمع إلى الالتفاف حول الدولة بدافع الشعور الوطني، حتى مع استمرار استياء قطاعات أخرى من سياسات النظام.
ونرى أن أهمية هذا المقال تتجاوز الحديث عن نتائج المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران؛ فهو يطرح إشكالية أعمق تتعلق بالفارق بين النصر العسكري والنصر الاستراتيجي، فالدولة قد تخسر منشآت عسكرية واقتصادية، وتتعرض بنيتها التحتية لأضرار جسيمة، لكنها تستطيع الاحتفاظ بقدرتها على تعطيل مصالح خصمها وإطالة أمد الصراع.
وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال مقتصرا على الطرف الذي ألحق بالآخر خسائر أكبر، بل يصبح: من يستطيع تحمّل كلفة المواجهة مدة أطول، ومن يستطيع تحويل ما يحققه ميدانيا إلى مكاسب سياسية مستدامة؟
لكن ثمة نقطة ينبغي عدم إغفالها: القدرة على إلحاق الأضرار بالخصم لا تعني بالضرورة القدرة على تحقيق الأهداف السياسية المعلنة، فإيران قد تنجح في رفع كلفة الوجود الأمريكي في الخليج، لكنها قد تتعرض في المقابل لاستنزاف اقتصادي واجتماعي طويل الأمد. كما أن اضطراب أسواق الطاقة قد يضغط على الولايات المتحدة، لكنه قد يضر بإيران والدول العربية والاقتصاد العالمي أيضا.





