Uncategorized

 فرنسا الفوضى و”اختبار الشرعية”: حين تختلط المطالب الاجتماعية بالعنف السياسي

“برقية”: تحليل إخباري

      تكشف الوقائع الواردة في التقرير عن ظاهرتين متداخلتين، لكنهما ليستا متطابقتين. الأولى تتمثل في احتجاجات سلمية شارك فيها طلاب ومعلمون وعمال وأولياء أمور، مطالبين بتحسين التعليم وزيادة الإنفاق على الخدمات العامة ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة.  والثانية تتمثل في أعمال عنف ونهب نفذتها مجموعات استغلت الاضطراب العام لمهاجمة الممتلكات العامة والخاصة. والفصل بين الظاهرتين ضرورة سياسية وأخلاقية، لأن وضع المحتجين السلميين واللصوص ومثيري الشغب في سلة واحدة يسيء إلى فهم الأزمة، فيما يؤدي تجاهل العنف إلى تقويض حق الاحتجاج نفسه.

     في هذا السياق، تواجه حكومة إيمانويل ماكرون معضلة تتجاوز استعادة النظام في الشوارع. فالدولة مطالبة بحماية المواطنين وممتلكاتهم، لكنها مطالبة أيضاً بفهم المطالب التي تدفع قطاعات اجتماعية إلى الاحتجاج المتكرر.  ولا يمكن للقبضة الأمنية، مهما بلغت قوتها، أن تكون بديلاً دائماً عن المعالجة السياسية. فالأمن يستطيع تفريق الحشود واعتقال المتورطين، لكنه لا يستطيع وحده إصلاح المدارس المتهالكة، أو خفض أعباء المعيشة، أو استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم.

ويطرح ما حدث في مدن مثل ليموج ومرسيليا وليون سؤالاً إضافياً يتعلق بقدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة للأزمات. فحين يتحدث مسؤولون محليون عن عجز الشرطة عن مواجهة أعمال العنف، ويصف أحد رؤساء البلديات ما جرى بأنه «فشل ذريع للدولة»، فإن المسألة لا تعود محصورة في سلوك المشاغبين، بل تمتد إلى كفاءة التخطيط الأمني والاستعداد المسبق والتنسيق بين المؤسسات. ومع ذلك، فإن هذه التصريحات، على أهميتها، لا تكفي وحدها لإثبات وجود انهيار شامل في الدولة الفرنسية؛ بل تستدعي تحقيقاً يحدد أوجه القصور والمسؤوليات الفعلية.

      أما اتهام اليسار المتطرف بالوقوف وراء العنف، فيحمل أبعاداً سياسية واضحة. فقد تكون هناك مجموعات متطرفة استغلت الاحتجاجات أو شاركت في أعمال التخريب، لكن تعميم المسؤولية على تيار سياسي بأكمله من دون أدلة محددة قد يحول الأزمة الأمنية إلى أداة للصراع السياسي. وفي المقابل، لا يجوز للمعارضة أن تجعل إخفاق الحكومة تفسيراً كافياً لتبرير العنف أو التقليل من خطورته.

   هنا تكمن المعضلة الأساسية: كيف تحافظ الدولة على النظام من دون أن تخنق الاحتجاج؟ وكيف تستجيب للمطالب الاجتماعية من دون أن تمنح العنف قدرة على فرض شروطه؟ إن الخلط بين الاحتجاج والتخريب يضر بالديمقراطية، مثلما يضر بها التساهل مع الاعتداء على المؤسسات والمواطنين.

مقالات ذات صلة