أدب

جمال التحوّل..قراءة في قصيدة «وأفرشُ بالورد دربك» لمازن شديد

     ومن هنا يبدو عنوان القصيدة مفتاحًا أوليًا لقراءتها: “وأفرشُ بالورد دربك”.  فالفعل “أفرش” يتجاوز التزيين إلى التهيئة والعطاء؛ والشاعر لا ينتظر محبوبته في نهاية الطريق، وإنما يريد أن يجعل الطريق نفسه جديرًا بها. إنه حبٌّ يمارس فعله قبل الوصول، ويجعل من العطاء طريقًا إلى الآخر.

*

يفتتح الشاعر قصيدته بقوله:

“أمدُّ يدي للنّدى..

أُبلّلُ في الصبح عينيكْ..”

لا تمتد اليد إلى المحبوبة مباشرة، بل إلى “الندى”، وكأن الشاعر يريد أن ينتقي من العالم أكثر عناصره رقةً ونقاءً، ثم يقدمه إليها. والندى هنا ليس مجرد ماء الصباح، وإنما رمز لما هو هشّ وشفيف وطاهر. أما العينان فهما موضع الرؤية، ولذلك يمكن أن يكون “تبليلهما” رغبةً في أن يمنح الشاعر محبوبته قدرةً جديدة على رؤية العالم؛ رؤيةً تغسلها العاطفة من تعب الأيام.

ثم يقول:

“وأفردُ شعري للبرقِ

أسدِلهُ لحقول يديكْ..”

فتتداخل عناصر السماء والأرض: الشعر يصبح برقًا، واليدان تصبحان “حقولًا”. وهذه من الصور اللافتة في النص؛ فاليد رمز الفعل واللمس والعطاء، والحقل رمز الخصوبة والإنبات. وحين تتحول يدا المحبوبة إلى حقول، يصبح الحب فعل زرع، ويصبح ما يمنحه الشاعر شيئًا يمكن أن ينبت في الآخر.

ثم تتسع صورة المحبوبة:

“أُموّجُهُ لسناكَ البهيّ،

وطلعتكَ السّاطعة..

ووديانكَ الشاسعة..

وأُطلقُ كلّ طيوري،

لهيئتكَ السّاحلية..”

وهنا تتحول المحبوبة من شخص إلى فضاء: سَنا، وطلعة، ووديان، وساحل. وهذا الاتساع ليس مبالغةً عاطفية فحسب، بل يكشف عن طبيعة الحب حين يعجز عن احتواء الآخر في وصف واحد؛ فيستعير له الشاعر الجغرافيا كلها.

إن المحبوبة هنا ليست جسدًا يراه، بل مكانًا يمكن للروح أن تسكنه.

وحين يقول:

“حين أراك تهلُّ عليّ،

كمطلعِ شمسْ..

كساحل وردٍ وعُرسْ“

يتحول حضورها إلى حدث. إنها لا تأتي فقط، بل “تهلّ”، كما تهلّ الشمس أو البشرى. وتشبيهها بمطلع الشمس يضعها في مواجهة العتمة، فيما يجمع “ساحل ورد وعُرس” بين المكان والاحتفال، وبين الوصول والفرح. وكأن اللقاء ليس لحظة عاطفية عابرة، وإنما عبور من حال إلى حال.

وفي المقطع الثاني تتكرر حركة اليد:

“أمدُّ يدي للنجوم..

أُبلّل وجهكُ بالضوءِ،

أغسله بمياه الفرحْ..”

لكن اليد التي امتدت إلى الندى ترتفع الآن إلى النجوم. وكأن الشاعر، بعدما أخذ من الأرض ما هو نقي، يصعد إلى السماء ليأخذ منها الضوء. ثم تأتي الصورة الأكثر تركيبًا: “أبلّل وجهك بالضوء، أغسله بمياه الفرح“.

فالضوء يتحول إلى ماء، والفرح يتحول إلى مادة للغسل. وهنا تتجلى إحدى الخصائص الأساسية للقصيدة: الحب يعيد ترتيب قوانين الأشياء. فلا تعود العناصر محتفظة بحدودها؛ الماء ضوء، والضوء ماء، والشعر برق، واليد حقل، والمحبوبة ساحل.

وهذه ليست لعبة لغوية؛ إنها تعبير عن رؤية الشاعر إلى الحب باعتباره قوةً قادرة على إعادة تركيب العالم.

ثم يأتي الليل:

“وأفرش في الليل حدّي عليكْ..

وأُشعل في الليل زندي إليك..”

والليل هنا لا يتحول إلى رمز تقليدي للغياب والحزن، وإنما إلى فضاء لإنتاج النور. فالشاعر لا ينتظر أن تنتهي العتمة، بل يشعل فيها “زنده” إليها. وكأن الحب، في هذا المستوى، لا يلغي العتمة، وإنما يمنح الإنسان قدرةً على مواجهتها.

ومن هذا الليل تخرج صورة شديدة الدلالة:

“وأجمع أصدافَ،

كلّ شواطئ عمري لكْ“

فالأصداف هي ما يبقى من البحر بعد الرحلة، والشواطئ هي حدود العمر ومراحله. وحين يقول الشاعر إن كل شواطئ عمره لها، فإنه لا يقدم لها الحاضر وحده، بل يقدم حصيلة الرحلة كلها؛ ما عاشه، وما بقي منه، وما جمعه من آثار الطريق.

وهنا يصبح الحب إعادة قراءة للماضي بقدر ما هو وعد بالمستقبل.

ثم يحدث التحول الإيقاعي والصوري:

“أيها الغجريُّ البهيّْ…

تعال إليّ..

تعال صهيلاً ورعداً ووعداً..

كفارس نورٍ ونارْ..”

بعد رهافة الندى والنجوم والأصداف، يدخل الصهيل والرعد والنار. وكأن الشاعر يكشف عن الوجه الآخر للحب: ليس رقةً فقط، وإنما قوة ومغامرة واقتحام.

وصورة “الغجري” توحي بالحرية والانفلات من الثبات والطرق المألوفة، بينما “صهيلًا ورعدًا ووعدًا” تجمع الحركة والقوة والمستقبل. أما “فارس نور ونار”، فتجمع بين النقيضين: النور الذي يكشف الطريق، والنار التي تحرق وتختبر.

إن الحب هنا ليس راحةً خالصة؛ إنه تجربة يمكن أن تهدي الإنسان وتقلقه في الوقت نفسه، وتمنحه الضوء فيما تضعه أمام نار ذاته.

ويبلغ النص منطقة أكثر إنسانية حين يقول:

“ودُعْ حزن وجهكَ يخرج منكَ،

وخذني رهينة جرحكَ..”

واللافت أن الشاعر لا يطلب أن يكون قريبًا من جمال محبوبته فقط، بل يعرض نفسه “رهينة جرحها”.  وهذه العبارة أعمق من إعلان الحب التقليدي؛ لأن الوقوف إلى جانب جمال الآخر سهل، أما الدخول إلى ألمه فهو اختبار لمعنى الحب نفسه.

إن الشاعر يقول، بصورة ضمنية، إنه لا يريد الجزء المضيء من محبوبته فقط، بل يريد أن يحتمل معها الجزء الذي يؤلمها. وهنا يتحول الحب من رغبة في الامتلاك إلى مشاركة في هشاشة الآخر.

ثم تصل القصيدة إلى ذروتها الفكرية:

“فإني لأجلكَ،

سوف أُغيّر كل اللغاتْ..

وإني لأجلكَ،

سوف أُلوّنُ كلّ الجهات..”

فاللغة هي الوسيلة التي يسمي بها الإنسان العالم، والجهات هي الوسيلة التي يحدد بها موقعه فيه. ولذلك فإن تغيير اللغات وتلوين الجهات يتجاوزان الوعد العاطفي إلى معنى وجودي: الحب يغير طريقة الإنسان في تسمية العالم ورؤيته.

ما كان عاديًا قبل الحب قد يصبح استثنائيًا، وما كان مظلمًا يمكن أن يستعيد قابليته للضوء. فالمحبوبة لا تدخل عالم الشاعر لتكون جزءًا منه فحسب، وإنما تعيد ترتيب هذا العالم من داخله.

ولهذا تعود القصيدة إلى عنوانها:

“وأفرشُ دربكَ بالوردِ..

والزّردِ والشّهدْ..”

فالورد هو الجمال، والزرد هو القوة والحماية، والشهد هو الحلاوة. وكأن الشاعر يريد لطريق محبوبته أن يجمع ما يحتاجه الحب لكي يكتمل: الجمال، والأمان، والفرح.

ثم يقول:

“أزرعه برفوف النخيلْ..”

وهنا تتطور الصورة من “فرش” الطريق إلى “زرعه”. فالفرش فعل تزيين، أما الزرع فهو فعل تأسيس للمستقبل. وكأن الشاعر لا يريد أن يمنح محبوبته لحظةً جميلة فحسب، بل يريد أن يجعل الجمال قابلًا للاستمرار.

وتبلغ الرحلة نهايتها:

“وأعلن عند حدودكَ،

أيها الغجريُّ البهيّ

لون النهار الجميلْ“

وهذه خاتمة تحمل مفتاح القصيدة كله. فالشاعر لا يقول “النهار الجميل”، بل يقول “لون النهار الجميل”.  والفرق جوهري؛ فالنهار موجود، لكن اللون الذي نراه به هو الذي يتغير.

وهنا تستعيد القصيدة فكرتها المركزية: الحب لا يغير العالم بالضرورة، لكنه يغير العين التي تنظر إليه.

*

تترك قصيدة “وأفرشُ بالورد دربك” وراءها أكثر من صورة جميلة أو اعتراف عاطفي؛ إنها تترك سؤالًا مفتوحًا حول الصوت الذي يتكلم من داخلها، وهو سؤال قد يكون من أجمل مفاتيح قراءتها.

في القراءة الأولى، يمكن أن نأخذ الشاعر بوصفه المتكلم، رجلًا يخاطب محبوبته، ويرى فيها حضورًا يتجاوز صورتها الأنثوية المباشرة إلى صورة رمزية أكثر اتساعًا؛ ولذلك يخاطبها بصفات المذكر: “أيها الغجري البهي”، “كفارس نور ونار”.  وعلى هذا المستوى يصبح التذكير جزءًا من عملية شعرية تعيد تشكيل المحبوبة في مخيلة عاشق يراها قوةً وحريةً وفروسيةً، لا مجرد صورة أنثوية تقليدية.

لكن ثمة قراءة أخرى لا تقل مشروعية، وربما تزيد النص إثارة: ماذا لو كان الشاعر قد تنحّى عن صوته، وترك للمحبوبة أن تتكلم؟ عندها يصبح النص صوت امرأة تخاطب رجلًا، ويغدو التذكير الذي يرافق القصيدة متسقًا مع هوية المخاطَب؛ “الغجري البهي”، و”فارس نور ونار”، والرجل الذي تقول له: “خذني رهينة جرحك“.

وهنا تتسع القصيدة بدل أن تضيق؛ إذ لا يعود علينا أن نختار بالضرورة بين شاعر يتحدث إلى امرأة، وامرأة تتحدث إلى رجل، وإنما يمكن أن نرى الشاعر وهو يخلق ذاتًا شعرية مستقلة عن ذاته الواقعية، ويمنحها حرية أن تحب وتتحدث وتمنح، سواء كانت هذه الذات صوته هو أو صوت محبوبته.

ولعل جمال الالتباس هنا أنه لا يفسد القصيدة، بل يفتحها على احتمالاتها. فالشاعر قد يكون قد تعمّد أن يخاطب محبوبته بصفات المذكر ليمنحها قوةً تتجاوز التصنيف، وقد يكون قد كتب القصيدة أصلًا من داخل وجدان امرأة، تاركًا لصوتها أن يخاطب رجلًا دون أن يعلن ذلك صراحة.

وبين الاحتمالين يبقى النص قادرًا على الاحتفاظ بغموضه الجميل، وكأن الشاعر يقول لنا: ليس المهم من الذي يتكلم، بقدر ما يهم أن الحب وجد اللغة التي يستطيع بها أن يقول نفسه.

وعند هذه النقطة تعود النهاية:

“وأعلن عند حدودكَ،

أيها الغجريُّ البهيّ

لون النهار الجميلْ“

لتكتسب معناها الأوسع؛ فالنهار هنا ليس نهاية القصيدة فحسب، وإنما نتيجة التحول الذي صنعه الحب في داخلها. لقد بدأ النص بالندى وانتهى بالنهار، وبينهما عبر من الماء إلى الضوء، ومن الليل إلى النار، ومن جرح الذات إلى إعادة تلوين العالم.

أمدُّ يدي للنّدى..

أُبلّلُ في الصبح عينيكْ..

وأفردُ شعري للبرقِ

أسدِلهُ لحقول يديكْ..

أُموّجُهُ لسناكَ البهيّ،

وطلعتكَ السّاطعة..

ووديانكَ الشاسعة..

وأُطلقُ كلّ طيوري،

لهيئتكَ السّاحلية..

حين أراك تهلُّ عليّ،

كمطلعِ شمسْ..

كساحل وردٍ وعُرسْ…..

*

أمدُّ يدي للنجوم..

أُبلّل وجهكُ بالضوءِ،

أغسله بمياه الفرحْ..

وأفرش في الليل حدّي عليكْ..

وأُشعل في الليل زندي إليك..

وأجمع أصدافَ ،

كلّ شواطئ عمري لكْ…..

*

أيها الغجريُّ البهيّْ…

تعال إليّ..

تعال صهيلاً ورعداً ووعداً..

كفارس نورٍ ونارْ..

ودُعْ حزن وجهكَ يخرج منكَ ،

وخذني رهينة جرحكَ..

أومطرا فوق جمركَ ،

أو شارة للنهارْ…

فاني لأجلكَ،

سوف أُغيّر كل اللغاتْ..

وإني لأجلكَ،

سوف أُلوّنُ كلّ الجهات..

وأفرشُ دربكَ بالوردِ..

والزّردِ والشّهدْ..

أزرعه برفوف النخيلْ..

وأعلن عند حدودكَ،

أيها الغجريُّ البهيّ

لون النهار الجميلْ……!!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق