العراقتحقيق

وثيقة من زمن الحصار… حين واجه المهندس العراقي القيود بالإبداع

      كانت الفكرة أكبر من الجسر الذي نراه اليوم. فقد كُلّف الدكتور المهندس محمد طارق الكاتب بإعداد تصاميم المشروع، فوضع تصميماً لجسر من ثلاثة طوابق. وكان الطابق الثالث مخصصًا لمواقف السيارات والكازينوهات. غير أن الموافقات الأمنية لم تصدر للطابق الثالث، فاختُصر المشروع إلى طابقين.

     وهكذا وُلد جسر الطابقين من رحم مشروع كان يريد أن يكون ثلاثة.

                في زمن الحصار

    بدأت الحكاية في 15 آب 1992.

     كان العراق آنذاك يعيش واحدة من أصعب مراحله الاقتصادية والفنية. الحصار جعل كثيرًا من المواد والتقنيات والمعدات صعبة الوصول، وضيّق أبواب الاستعانة بالشركات والخبرات الأجنبية. لكن المشروع لم يتوقف.

     قررت الكوادر العراقية أن تفعل ما تستطيع بما هو متاح. لم يكن التحدي أن يُبنى جسر فحسب، وإنما أن يُبنى جسر كبير بإمكانات عراقية وفي ظروف استثنائية.

     وتؤكد شركة الفاو الهندسية العامة أن المشروع نُفذ بتصميم وإشراف وتنفيذ عراقي، مع استخدام البدائل المحلية والاستثمار الأقصى للموارد البشرية والمادية المتاحة. واستمر العمل بصورة متواصلة، ليلًا ونهارًا، حتى اكتمل المشروع في 1 كانون الأول 1993.

     لم يكن الأمر مشروعًا صغيرًا. كان طول المشروع مع مقترباته يبلغ نحو 5480 مترًا، وبلغ حجم الكونكريت المستخدم نحو 180 ألف متر مكعب، فيما بلغت أعمال الإملائيات 410 آلاف متر مكعب والحفريات 285 ألف متر مكعب. واستخدمت آلاف الركائز الخرسانية، فضلًا عن مئات الروافد مسبقة الصب. أما بدنة الجسر الرئيسية فبلغ طولها 401 متر، وارتفاعها نحو 19 مترًا. هذه الأرقام وحدها تكفي لتقول إننا لا نتحدث عن جسر عادي.

     الرجل الذي رسم الجسر بثلاثة طوابق

   في قلب القصة يقف المهندس الدكتور محمد طارق الكاتب. لم يكن دوره مجرد اسم في قائمة المهندسين. فقد كان المصمم ورئيس فريق التصاميم، وأعد فريق دائرة الطرق والجسور والمطارات التصاميم المعمارية والإنشائية والميكانيكية للمشروع تحت قيادته. كان عليه أن يتعامل مع مشروع معقد، وأن يحول الفكرة إلى حسابات وتصاميم قابلة للتنفيذ.

والأهم أن التصميم الأول كان لثلاثة طوابق. لكن الهندسة، في أحيان كثيرة، لا تعمل وحدها. فهناك السياسة، والأمن، والاقتصاد، والمواد المتاحة، والقرار الإداري. ولذلك اضطر المصمم إلى أن يرى مشروعه يتغير قبل أن يرى الجسر يرتفع. اختفى الطابق الثالث من المخطط. وبقي الطابقان.

     لكن فكرة الطوابق الثلاثة بقيت في ذاكرة الذين صنعوا المشروع.

                            الفاو تدخل إلى المعركة

كانت منشأة الفاو العامة هي الجهة المنفذة للمشروع، وكان المهندس الاستشاري أحمد إسماعيل مجيد مديرًا عامًا لها. وهنا ينبغي التفريق بين الأدوار. أحمد إسماعيل مجيد لم يكن مصمم الجسر؛ وإنما كان على رأس المؤسسة التي تولت تنفيذه، وهو الذي كلف الدكتور طارق الكاتب بإعداد التصاميم.

     أما إدارة المشروع ميدانيًا فقد أُسندت إلى المهندس الراحل عبد الأئمة حسون أحمد الماجد، الذي تصفه شركة الفاو بأنه من الكفاءات الهندسية التي كان لها أثر واضح في إنجاز المشروع. هكذا اكتمل مثلث القيادة: أحمد إسماعيل مجيد — قيادة المؤسسة المنفذة. محمد طارق الكاتب — التصميم ورئاسة فريق التصاميم. عبد الأئمة حسون أحمد الماجد — إدارة المشروع. وخلف هؤلاء كان جيش من المهندسين والفنيين والعمال.

             فريق لم يكن يعمل وحده

    لم يكن الجسر من صنع ثلاثة أسماء فقط. كان وراءه فريق كبير من التخصصات. كان زهير عباس محمود مشرفًا على أعمال الجسر، وكان الدكتور سامي رؤوف الأعرجي مسؤولًا عن مركز السلامة والرقابة النوعية.

     وفي أعمال الطرق والجسور برز المهندس علاء سلمان جمعة مدير دائرة تنفيذ الطرق والجسور والمطارات، ومعه عدد من المهندسين الذين تولوا أعمال التبليط والتنفيذ والقطاعات المختلفة.

    وتورد شركة الفاو أسماء أخرى ضمن الكوادر التنفيذية والتصميمية والاستشارية، من بينها المهندس وضاح عبد العزيز أبو التمن، والمهندس خضر إلياس جبوري، والمهندس محمد ضياء علوش، فضلًا عن فريق التصاميم الذي ضم المهندس الاستشاري أحمد شكري قيصر والدكتور صبيح الصراف والمهندس عبد الكريم محمود والمهندس فارس جاسم والدكتور وسنان عبد الوهاب وغيرهم.

    وهذه نقطة مهمة في قراءة تاريخ المشروع. فالجسر لم يصنعه مهندس واحد، مهما كان دوره كبيرًا. صنعته مدرسة هندسية كاملة.

الحصار لم يمنع فكرة الطوابق الثلاثة

ربما تكمن أهمية الجسر الحقيقية هنا.

    ففي الظروف الطبيعية تستطيع الدولة أن تستورد التكنولوجيا، وتستعين بشركة أجنبية، وتطلب خبراء من الخارج، وتشتري ما ينقصها من الأسواق العالمية. أما في ظروف الحصار، فقد تصبح قطعة غيار مشكلة، ومادة إنشائية تحديًا، ومعدة متخصصة أزمة. ومع ذلك استمر العمل.

     لقد كان المطلوب من المهندس العراقي أن يعوض نقص الإمكانات بزيادة المعرفة، وأن يبحث عن البديل المحلي، وأن يعيد ترتيب الأولويات، وأن يشتغل بما هو متاح. ولهذا وصفت شركة الفاو المشروع بأنه إنجاز تحقق في زمن الحصار وبالإمكانات المحلية المتاحة وبأيدٍ عراقية في التصميم والتنفيذ والإشراف.

     قد يبدو غريبًا أن نتحدث عن طابق ثالث لم يُبنَ. لكن أحيانًا يكون الشيء الذي لم يحدث جزءًا من تاريخ ما حدث. فالجسر الذي نراه اليوم يحمل في داخله مشروعًا آخر لم يرَ النور. كان هناك تصور لثلاثة طوابق. كان هناك طابق ثالث لمواقف السيارات والكازينوهات. ثم جاءت الموافقات الأمنية لتقول: طابقان فقط.

    فأصبح الجسر الذي كان يمكن أن يكون ثلاثة طوابق، واحدًا من أشهر جسور بغداد بطابقين. وبمرور السنوات، لم يعد الناس يتذكرون كثيرًا ما كان يمكن أن يكون عليه المشروع. صاروا يتذكرون ما أصبح عليه.

    ولهذا فإن قيمة هذا المشروع لا تكمن في كونه جسرًا ذا طابقين فحسب، وإنما في أنه وثيقة مادية لمرحلة استطاع فيها المهندس العراقي أن يحول الحصار من قيد إلى اختبار، وأن يحول محدودية الموارد إلى بحث عن البديل، وأن يحول المخطط الهندسي إلى منشأة قائمة في قلب بغداد.

مقالات ذات صلة