أدب

ميثاق العبور وشهادة الخلاص الأخير

    تتنزّل «آخرُ المُنْجِيات» في مدخلها الرّؤيوي لتستوجب فكرة الخلاص في راهنٍ إنسانيٍّ متكسّر، مستعيدة ذاك الشّغف الذي تسكّع في أدبيّات الوجوديّة والرّوحانيّات الإنسانيّة؛ حيث يصبح البحث عن بذرة السّلام ممارسةً أخلاقيةً، وموقفًا جماليًّا يحاكي إشراقة»ألبير كامو« حين جعل من التّضامن الإنسانيّ الملاذ الوحيد للرّوح وسْطَ عبثيّة هذا العالم وهشاشته.

وفوقهذا التّواشج، يقف المتلقّي أمام صرحين يتضافران لتشييد الدّلالة: نصٌّ لغويٌّ يتآزر بصرامة التّركيب وحمولة التّراث، ونصٌّ بصريٌّ يعيد الحفر في طين الأسطورة وذاكرة الأيادي الأولى؛ فتجيء الصورة امتدادًا رؤيويّا لما استقرّ في العنوان، ليغدو مفتاحًا لما تكتنزه لوحة الغلاف من طبقات الذّاكرة والرّمز.

فكيف تغدو “عتبة الكتاب”صرخةً مشفّرة تستشرف الهاوية وتلتمس النّجاة في آن؟ وكيف تتشابك العلامة النّصّية مع الأيقونة التّرابيّة -صورة الغلاف- لتصوغا معًا «البيان الأخير» لهذا العمل الأدبيّ؟

                           تجليّات العتبة

              بين زمنيّة الحسم واتّساع التّطهير

    ينفتح تحليل العتبة على مفهوم ورؤية النّاقد الفرنسي »جيرار جينيت«، في اعتبار العنوان أحد عناصر المحيط النّصيّ الذي يمنح النّص هويّته ويوجّه سنن القراءة ومسالكها. وفي ضوء علم الدّلالة، يتكثّف العنوان «آخر المُنْجِيات» في ثنائيّة لغويّة شديدة الاقتصاد، واسعة الإيحاء؛ تنساب لفظة «آخر»، محمّلة بصرامة الانقطاع والحسم، فتغلق القوس على زمن الخيارات المرجأة، وتعلن هول “اللّحظة الحادّة”، شاحنةً النّص بتوتّرٍ دراميٍّ يوحي بأن الرّوح تقف على حافة التّماس، حيث لا خيار يسبق الانقشاع أو الهلاك.

     وفي الامتداد المعجمي المورفولوجي لـ «المُنْجِيات»،تتدفّق صيغة الجمع المؤنث السّالم، ليرتفع بالدّلالة، ويتعدّى حدود الإنقاذ المادّي المباشر، متجاوزًا إياه إلى أبعادٍ تطهيريّة تتصل بالفضائل الخالدة، ليستردّ جوهر إنسانيّته قبل سدائل السّتار.

   والعابر إلى فضاءٍ روحيٍّ وأخلاقيٍّ تتعدّد فيه وجوه النّجاة ووسائطها، متخطّيًا بها صورتها المادّيّة؛ فصيغة الجمع هنا، تفتح اللّفظة على قيمٍ ومحاولاتٍ استثنائيّة، تتّصل بما يستبقي للإنسان جوهره في لحظة التصدّع. لتتجلّى العبقريّة البنيويّة: «آخر» تضغط الزّمن إلى أقصى درجات الحرج والمصيريّة، بينما «المُنْجِيات» تفضي بالذّات الى رحابة الخلاص، ليصحو القارئ على معادلةٍ تقوم على أنّ النّجاة هي الموقف الأخلاقي الأخير الذي يُنجي القيم من التّبدّد.

                           شعريّة الهندسة الأيقونيّة

                 من ذاكرة القرابين إلى طقس الحساب

     تبدو لوحة الغلاف كأنّها نقش معتّق بالدّفء التّرابيّ يمنح العتبة جسده المرئيّ، في تشابك الخطاب البصريّ مع البنية النّصيّة تشابكًا عضويًّا، لتصبح -اللّوحة- نصًّا موازيًا يفيض بالدّلالة ولا يكتفي بتمثيلها، ليهدي العنوان أبعاده المحسوسة، ويستعيد ذاكرة الحضارات القديمة.

                  رمزية الأيادي والمستودع المرفوع:

                           الوشوم المنقوشة

      على صدر الكتاب؛ حيث تشخص الأيادي الممتدّة عاليّا، وهي في نزوعٍ حادٍّ لرفع وعاء المودة، مستحضرةً في حركتها إنسانيّةً موغلة في القدم. يرتبط هذا الوعاء بفعل العطاء واستسقاء الرّحمة وحفظ ما يُقدَّم، لتتكوّن صياغة بصريّة تدعو الكائن إلى الانفلات من ثقل المادة، وإلى تلمّس الرّحمة الإلهية؛ فيغدو الوعاء المرفوع صومعةً مستورةً، فيما يبقى بين اليد والفضاء مستودعٌ لما يُرجى له البقاء من قيمةٍ تحفظ الفضيلة من الاندثار.

     ميزان الحقّ وسلال الحصاد (سيمياء الغائب الحاضر): السّلال وما تحمله من ثمار الوفرة، والأواني، والعلامات الموزّعة في فضاء هذه الأيقونةلا تقف عند حدود التضرّع الابتهالي، إنّما تتعدّاها إلى هندسةٍ سيميائيّةٍ أكثر تدفّقًا، بحيث ترتسم في خلفيّة النّقش أيقونة”الميزان” الشّاخص بثباتٍ فوق الأوعية والرّؤوس، ليتكامل الميزان مع سلال الثّمار المكتنزة بالعطاء، ومربّعات الإحصاء، والأواني الدّقيقة، فتتقابل في المشهد حركة “التّقديم والقرابين” في مواجهةٍ طقسيّةٍ مع الحساب الأخلاقي والعدالة الرّحيمة،ليتبيّن أنّ النّجاة في عرف الرّوائي هي حصادٌ لما يضعه الإنسان في ميزان الحقّ والقيمة.

    الأركيولوجيا الحضاريّة وأبديّة القانون: نتلمّس في الألوان الخشبيّة والتّرابيّة حياةً تمنح المادة الحجريّة بعدها الأسطوريّ، الذي يعيد وصل الإنسان بطينته الأولى لينبسط المعنى، فيستحضر الحفر ذاكرة العلامات التي خلّدتها الأيدي على جسد المادة. من هنا، يتّسع معنى الخلاص في جسد اللّوحة، ويبدو ليس حلولاً طارئةً أو رتقًا مؤقّتًا، بقدر ما هو قانونٌ إنسانيٌّ أزليٌّ، يمتد بجذوره من خلف البدايات ليصل إلى مشارف واقعنا المعاصر.

                       من الغلاف إلى نبوءة السّرد

                        في سِفر «آخر المُنْجِيات«

    يتآزر المشهد البصريّ مع العتبة اللّغوية في صياغة وعدٍ تأويليّ يسبق قراءة الكتاب؛ إذ تنقل أصالة الأيقونة الغلاف من بؤرة البصر المباشر إلى بصيرة المتلقّي. وإنّ الجمع بين الحسم في «آخر» والاتّساع الرّوحي في «المُنْجِيات» يفتح أفقًا وجوديًّا يشي بقلقٍ إنسانيٍّ إزاء لحظةٍ فارقةٍ،يهدي”المناجاة الأخيرة” وعيًا بما يتهدّد الذّات من تصدّعٍ وانهيار. هكذا، يمكننا قراءة اللّوحة: إيماءة حفرٍ أركيولوجيٍّ في ذاكرة الرّوح، تستعيد دفق البدايات وقيم التّعاضد والتّسامي لتغدو سدًا منيعًا في وجه الجفاف الرّاهن.

     ونعزو ذلك إلى أن د.»محمد إقبال حرب« في مؤلّفه هذا، يعدنا بمحمولٍ فكريٍّ وفلسفيٍّ يلامس الأزمات الإنسانيّة الكبرى؛ إذ نجدالكائن البشريّ يبحث في عزّ تيهه عن تلك “القشّة” الشّفيفة التي تصون إنسانيّته من الاضمحلال. وهو في امتداده السّردي، يقودنا إلى مضارب قصصيّة تخوض فيها الشّخصيّات اختباراتها المصيريّة الحاسمة، لتتلمّس التّطهّر النّفسيّ في اللّحظة التي تسبق الانزلاق الكبير.

     هذا التّوقّع يستمدّ مشروعيّته من اقتران العنوان «آخر المُنْجِيات» باللّوحة التّجريديّة التي تضرب في أعماقها التّضرّع والرّجاء، والإنسان وما يقدّمه في لحظة مصير، والميزان والحساب.

مقالات ذات صلة