إبداعثقافة وفنون

دائماً..سيبقى “أهل الحياء” محرومينَ، خسرانين..ولسواهم “الثمرة”!*

ـــــــــــــــــــــــ بقلم: صباح اللامي

              (1)

    إلى صديقي المندائي الشيوعي العزيز أبي رام

  نتجادَلُ، نتعاتبُ، نتجاذب أطراف خصومة الرأي، وربّما نختصم، لكنّنا –إصغاءً لكلّ ما في الكنزا ربّا، والتوراة، والإنجيل، والقرآن- لا “نفجُر”. ولأنّك بأخلاق شيوعيتك العراقية النزيهة، المضحيّة، المكتنزة بعشق الكادحين، كُنتَ “حمامة سلام” و”بيرق مودّة”، وتلك لعمري مَحْمَدة، تُذكرُ لك مندائياً وشيوعياً في زمن قلّت فيه المحامِد!.

     إنّ أرقى ما في الاختلاف، والتباين، وحتى في التجادلِ المتحضّر، والتخاصم الشفيف، أنها أدواتُ تقدّمٍ لا تراجُع، وهي –برغم فشل غورباتشوف في مهمة استخدامها- جزءٌ من البيريسترويكا في إعادة هيكلة العلاقات وبُنى الأفكار، بضمان أداة الغلاسنوست، أي الشفافية التي تفتح نوافذ الاتجاهات الأربعة لرياح التغيير، والتعديل، والتطوير، والتجديد.

    إنّني إذ أحيّي سماحَة خلُقِك، ونجابَة محتدِك، ورقة طباعِك، أحيّي أيضاً قدراتك الكتابية في السعي الحثيث لإصدار كتبك الأربعة في السياسة والذكريات والرحلات والمندائيات، التي ستتحوّل كما أرى إلى مادة تاريخية  مهمة، يراجعها كل باحث في الشأن “المندائي” على نحو الخصوص، وفي شؤون الحياة السياسية العراقية وتاريخها الحديث بنحو العموم.

   وبعدُ: طبْ نفسْاً، أنّ لك سابقة مطاردة فرائس المحبّة، وأولوية الدقّ على الحديد وهو بارد، وما فُضلى القِيم، إلا لمن هو أفضل في المنهج والسلوك!.     

              (2)           

        إلى أخي الحبيب أبي يوسف في بلجيكا

    لم تعُدْ تعرفُ أحداً..غربتك أوسعُ من جغرافية رتابتهم!..خذ أقصرَ السُبُل، وانتحِ بنفسك جانباً.. عذاباتُ جهلك بالآخر، تكادُ تُحرق روحَك. لن ترى وجهك مجدداً في مراياهم. جادل الجميع بالتي هي أسوأ، لكي تتخلّص من عبودية الانتماء، وذلّ السؤال عمّا كان وافتراقه عمّا هو كائن. انفُذ إلى ما تريد برمية سهم، وعدْ إلى أيّ مكان إلا الذي أمضيت فيه زمن احتراقاتك.  

    هناك في مقصورة آخر الدنيا، ثمّة متّسع للنجاة بجلدك، للنجاة بآخر ما تحب!. كل شيء ينتظر الآن النهاية فلا تترقب غيرها.                           

            (3)

 إلى أخي الغالي أبي لبيد في مرابعه الجديدة…     

 احملْ صليبَ ألمِكَ على كتفيك..إنسَ وجعَكْ، وآنسْ غربة الفراق، وامشِ بدائِك ما مشى بك، كما يُقال. تخفّفْ من ثقل أوهام الصداقات النافدة، والمعونات المؤجّلة، والعُروض الخجلى، والوعود المجمّلة، لا تنتظر العونَ إلا من ربّك، فهو حسبُك، ويكفيك رفيقا.  

   لن تبقى طويلاً في مُدلَهمّ همومك، فبعدَ كلِّ ليلةٍ ليلاء، فجرٌ نقيّ السرائر يأتيك برغدِ سعادة قلبكْ..تجشّم عناء المضيّ في مسالك أعبائك..لا تصغي لأنين جُرحك، ولا لخشخشةِ عظامك. إمشِ بعصا شيخوخة قلبك، أو بعكازتي نزيف كبدِك ..ستُرهقُكَ المسافات، لكنّها ستسَعدُ بك، وبتحدّيكْ!.

                (4)

 إلى أخي الجميل أبي ضي في “دورة” مسرّاته..  

  أنا الآن في (چايخانەی قەرداران) بأربيل (هەولير) عاصمة إقليم كردستان، احتسي استكان شاي فيه طعم بغداد وسكّرها، وأيضاً اسوداد أيامها، كسوادِ هذا الشاي الذي أرتشفه حلواً بشكره، لاستعيد طعماً فارقته من عقودٍ في مقاهي بغداد التي غاب عنها جمال صباحاتها، ونهاراتها، وأماسيها!. ومع أنك لست من جُلّاس المقاهي، فأنا مازلتُ مستغرباً سرّ إشراقة وجهك في شاشة ذاكرتي وأنا أجلس في هذا المقهى، صافناً على الدنيا من حولي. 

   وفي هذه المدينة الكوردية التي يسمّي أهلوها باقي المحافظات العربية (العراق) يشير كلُّ شيء إلى وجود دولة كردية” بجميع مؤسساتها، وبُناها التحتية، ومؤشراتها السيادية، سوى أنها مازالت تدور في فلك (عراقيتها) التي لا يؤكدها إلا عربٌ يعيشون فيها على هامش تسامحها القومي والاجتماعي المؤطر بإجراءات أمنية تكاد تضبط أسماء الطيور المهاجرة وعدد أصابع أقدامها، وأطوال مناقيرها، وأبجدية زقزقتها!.

    الناس “تموجُ” في المكان، إنهم يتبضّعون من دكاكين وأكشاك وبسطيات أسواق منطقة (قلعة أربيل) القديمة..كل شيء مختلط بكل شيء، العربات، السيارات، الباعة، المتسوّقون..الدنيا هنا “خبصة” لا نظير لها إلا في أسواق تركيا. وأنت في الشارع تتناهى إليك الكلمات الكوردية (کاتژمێر ، پرتەقاڵێک، مریشک، بۆ ڕازاندنەوەی)..ومن كثرة الأصوات يضيع الخيط والعصفور، فأي ذكْرٍ يبقى لكلمة تُقال في سوق الصفافير مثلاً!.

     أبا ضيّ، إنّي لأحارُ في أبيك..وكيف كان، إذ يصعبُ عليّ تخيّل حِنكته العظيمة في تربية ابنٍ رائعٍ مثلِك. له الرحمات وعليه البركات على ما ربّى فأحسن وأبدعَ وأجاد!.       

               (5)

    إلى أخي الغالي كسير القلب أبي بلال…

          تكفي منك كلمة طيّبة، فكيف وأنت (مُستنفَرٌ) أبداً لأعزّ أصدقائك. أعرفُ أنّ جراح قلبك أكبر من أنْ تداويها الأيام، لكنّ إيمانك أقوى، ولعل اعترافنا –أيها الأخ الحبيب- بالمكتوب أجدى لك ولنا في الرضا، والصبر، والخلود الى (دَعةِ) الباقي من شريط وقائع الزمن.

    كانَ بودّي أنْ أناديك (نبيل أبو شوارب) مثلما نسمّي (حسين أبو شوارب) و(أكثم أبو شوارب) كما اعتدنا ذلك خلال العقود الفائتة، لكنّ عينيّ اغرورقتا بدموع اسم “بلال الحبيب” متّعه الله بجنات الفردوس، لا أدري لماذا؟..ولا أعرف لذلك سبباً، غير إحساسي أنّ وجعه لا يُبارح جمال وجهك النبيل، فاخترتُ أنْ أعزّيك ولو بعد فوات الأوان!. كل نفس ذائقة الموت.        

             (6)

     إلى أخي الحبيب أبي نور في ثلجيّة منفاه…

    أفكّرُ بصوتٍ عالٍ، ليسمعني أولئك المكتوبُ عليهم أنْ يظل “حياؤهم” صليب حياتهم، يحملونه على أكتفاهم، فيما يتفرّج عليهم من يأنسون بثمار جُهدهم!. لقد قيل قديماً (قـُرن الحياء بالحرمان)!..فمن يستحيي، يُستلب، ويُضام، ويضيعُ جهدُهُ هباءً، بل يبقى مهمِلاً نفسه، وأهله، ومصالحه، ملتفتاً فقط إلى تخفيف هموم من رتّلوا له “آيات التبجيل!!”، متوهّماً أنهم سيكونون له عوناً في شيء..

   لكنّ القدامى قالوا لكل “ذي حياء”: إنّك لن تجنيَ من الشوك العنب!.

   ليس مطلوباً منّا أنْ نسمّي أو نلقّب، أو نكنّي، فما هي إلا كلمات نسجّلها بحق من كَتبوا على أنفسِهم الحياء، فكُتب عليهم الحرمان!.

           (7)     

  إلى أخي الغالي أبي النعمان في  سجونه الثلاثة..  

    نحن في زمن ينتصر فيه الكذب على الصدق، والمكرُ على الفكر، والدناءة على الكبرياء، والبخل على الجود، والخداع على المروءة.

   نحن في زمن يسودُ فيه الجاهل، والخبيث، والناقم، والحقود، والحسود، واللص، والمتحايل، والكذوب، والمنافق، والسرسري، والشرّير، والجبان أيضاً.

   على قدر إحساسك، يكون حجمُ الفجيعة، وعلى قدر فداحات ساعاتِ يومك، تحسّسْ أخاديد أنشوطة عذابك فوق أديم رقبتك!. كنْ أنتَ، وقفْ مع قيامتِك وجهاً لوجه، فليس لكَ إلا الله، وقلبُك المضمّخ بحنّاء (آلام آل جعفر)!.    

        (8)

   إلى أخي الراحل المقيم في قلوبنا أبي صبا

   قلّما تجود الدنيا بقلب نقيّ كقلبك.. أدّبت نفوسنا بطيبتك، وعلّمتنا كيف يكون اليُسرُ، والتواضعُ، والعطاءُ، والرفعةُ عن كل سوءٍ، وغشٍ، وتدليس، ومخادعةٍ، وشنآن!.

   كيف يتسنّى لمحبيك نسيانُك؟..كيف نطردُ من أخيلتنا المضرّجة بفجيعتك، أحزانَ خسارتنا بفقدك؟!..كيف وأنت مقيمٌ في قلوبنا، وتحت جلودنا، وفي مدى أخيلة الباقي من أعمارنا؟.. آهٍ من دنيا لا نبضَ فيها لصدق، أو خير، أو عطاء!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مقال وجداني نشرته صحيفة الزمان البغدادية الدولية في عددها الصادر السبت، السابع عشر من كانون الأول الجاري.  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى