إبداعثقافة وفنون

تربية السلطان محمد الفاتح..(1) دروس وعبر

تربية السلطان محمد الفاتح

  1. دروس وعبر

بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغا

هذه المقالة في جزئين استراحةُ مسافر- من عناء السياسة وخشونة مباحثها، على أنها لما كانت في التربية وصناعة القائد كان لها تعلق بالسياسة بالمعنى الأعم، قد طالعت رسالة الفكر التربوي عند آق شمس الدين ودوره في تكوين شخصية السلطان محمد الفاتح، وهي رسالة ماجستير من وضع عامر محمد خطاب، وهذه جمل من فوائدها مع بعض التعليقات عليها:

  • مولده في دمشق وسمي آق شمس الدين لأجل لباسه البياض بعد هجرته إلى تركيا، وكان عارفا بالطب وله فيه كتابان: مادة الحياة، وكتاب الطب.
  • وكان من أتباع حاجي بيرم باشا وعنه أخذ الطريقة، مع أنه حين قدم عليه لخدمته أول مرة لم يرتض طريقته في الطواف في الأسواق وسؤال الناس لما في ذلك من كسر النفس، فتركه وذهب إلى حلب لخدمة زين الدين الخافي، لكنه رأى في المنام سلسلة في عنقه وطرفها في يد الحاج بيرم باشا، فعاد إلى أنقرة لخدمته. وقصة الطواف وسؤال الناس يزعم معها بعض أصحاب الطريقة أنها ترويض للنفس على التواضع وتخليص لها من آفة الكِبر، لكن هذا خارج عن الهدي التربوي النبوي الذي يُقرر كرامة الإنسان ويدعوه إلى السعي لعمارة الأرض وطلب الرزق الحلال.
  • وقد ولى السلطان مرادُ الثاني الشيخ تربية ولده محمد الفاتح بعد أن لقيه أول مرة حين كان شمس الدين يعالج الأمير أحمد بن سليمان باشا.
  • واسم الشيخ: محمد بن حمزة، ويشتبه بمعاصر له هو القاضي حمزة بن محمد الفناري، وهذا الثاني هو صاحب كتاب: فصول البدائع في أصول الشرائع، الذي جمع فيه بين المنار والبزدوي ومختصر ابن الحاجب وأقام في تصنيفه ثلاثين سنة، وللفناري القاضي قصة مشهورة حكاها الشوكاني في ترجمته وفيها أنه رد شهادة السلطان بايزيد لتركه صلاة الجماعة، فبنى السلطان مسجدا، وعين فيه إماما، وكان لا يترك الجماعة بعد، أما محمد بن حمزة آق شمس الدين فلم يعمل في القضاء ولا في الوظائف العامة، وإنما كان عالما طبيبا مربيا فحسب، وأيضا فإن الفناري توفي عام 833 للهجرة قبل فتح القسطنطينية،  بينا توفي آق شمس الدين بعد فتحها سنة 863،  وكان فتح القسطنطينية عام 857، وقد اختلط أمرهما على بعض الأساتذة من المعاصرين.
  • للشيخ آق شمس الدين جملة من المؤلفات، وما ذكره الباحث في الرسالة من مؤلفاته يدور غالبها حول التصوف، والرد على ما وُجه إليهم من المطاعن في ذلك، وبيان صفات أتباع منهج التصوف فيما يراه طريقا صحيحا، وقد ذكر له سبعة من الكتب بالعربية غالبها في هذه المسائل.
  • كما ذكر عنه الحذق في الطب، ومن الفوائد التي نقلها عنه تعريفه للميكروب الذي ينقل المرض وذلك في القرن الثامن الهجري، وهذا قبل ظهور الميكرسكوب، فإنه قال: من الخطأ تصور أن الأمراض تظهر على الأشخاص تلقائيا، فالأمراض تنتقل من شخص إلى آخر بطريق العدوى، هذه العدوى صغيرة ودقيقة إلى درجة عدم القدرة على رؤيتها بالعين المجردة، لكن هذا يحدث بواسطة بذور حية. وبذلك يكون الشيخ قد سبق الفرنسي الباحث في علمي الكيمياء والبيولوجيا (باستر ليقوم) في اكتشاف الميكروب بأربعة قرون.
  • مما لاحظه الباحث أن مسلك شمس الدين في دفاعه عن التصوف كان يميزه كثرة سرد الأدلة من القرآن أو السنة وقواعد الأصول وأقوال العلماء، وذلك لما غلب على واقع التصوف في ذلك الحين من اختلاط الموروثات الشعبية بالعقائد الإسلامية، إضافة إلى عادات وأفكار وثنية جاءت مع المغول والتتار وانتشرت بين الناس من طريقها، وكان شمس الدين يرى أن تزكية النفوس وصلاحها أصل النهضة وأساس البناء.
  • في القرنين السابع والثامن لم يشهد العالم الإسلامي استقرارا سياسيا وعسكريا لتحوله إلى إمارات متفرقة، إضافة إلى الحروب الصليبية ناحية الغرب، والمغول في الشرق،  ومع بداية القرن الثامن انحسرت الحروب الصليبية، واتحدت مصر والشام في مملكة واحدة، لكن بقي خطر المغول، إلا أن الله تعالى قيض دولة المماليك لتحرير العالم الإسلامي منهم، وقد راجت في المجتمع الإسلامي في هذين القرنين كثير من البدع والأفكار الدخيلة لأسباب منها تأثير أهل الكتاب من اليهود وقبط النصارى ومخالطة المسلمين لهم، ومنها: المسلمون الجدد من التتار وما بقي فيهم من الرواسب التي كانت قبل إسلامهم، وكذلك الفرق الباطنية كالفاطمية في مصر. ومنها: التعصب المذهبي إلى حد عزم فيه الملك الأفضل بن صلاح الدين على إخراج الحنابلة من بلدة ومن بقية البلاد، ومنها: انتشار التصوف وما ترتب عنه من انتشار الأضرحة والمشاهد، وقد كان الاشتراك بين الفاطميين والتصوف الغالي اشتراكا في إحداث بدع المشاهد والغلو والإفراط في الأولياء والصالحين.
  • تناول البحث الحديث عن الأوضاع العلمية فإن ما أتلفه المغول من الكتب، كان دافعا لإقبال العلماء على التصنيف في العلوم، فازدهرت الحركة العلمية في عهد المماليك ومركزها مصر، ومع أن بعض الباحثين انتقد ما فشا في ذلك العصر من المختصرات والشروح بعيدا عن الإبداع الفكري؛ إلا أن ظهور جماعة من مجتهدي العلماء في هذا العصر قد خفف من حدة هذه الدعوى، من أمثال العز بن عبد السلام وابن تمية وابن القيم والذهبي وابن حجر والقرطبي وأبي حيان الأندلسي وابن دقيق العيد والزركشي والقرافي والسيوطي وغيرهم من العلماء ممن لهم عناية بفنون العلم المختلفة في ميادين شتى.
  • تناول الباحث كذلك الحديث عن وظيفة التعليم التي كانت من أشرف الأعمال في العصر المملوكي، وما وضع من الشروط الواجب توفرها في المعلم، وآداب التعليم وسياسته، وخططه ومراحله، ونظام المدارس وما أُلحق بها من خزائن الكتب، وما أُعد لها من الأراضي المحبوسة والأوقاف لخدمة المساجد والمدارس والزوايا.
  • أوضاع الأناضول في القرن الثامن الهجري الذي عاش فيه آق شمس الدين قاعدة مهمة للبحث، فلم تشهد استقرارا في القرنين الثامن والتاسع لكثرة الحروب التي خاضها السلاطين في فتح البلاد، مع انشغالهم بصد الحملات الصليبية القادمة من الغرب، وقد عاصر الشيخ آق شمس الدين ثلاثة من سلاطين الدولة العثمانية، وقد كانت الأناضول من بدايات الدولة العثمانية يغلب عليها التصوف، وفي عهد بايزيد الصاعقة اتجهت الدولة إلى تفعيل دور العلماء أكثر لاتساع رقعة الدولة وتحولها إلى إمبراطورية، ومن القرن السادس الهجري إلى التاسع لم للتشيع وجود في الأناضول، ووجدت طوائف من النصارى واليهود لكن كانوا تحت رقابة الدولة وسمح لهم بالإقامة فيها بشرط عدم الإخلال بالنظام العام.
  • في القرن الثامن الهجري كانت السلطنة العثمانية في طور التكوين، وكانت المؤسسة العلمية في مصر والشام وإيران أكثر تقدما، فهي مقصد لطلاب العلم، ولذا رحل آق شمس الدين إلى حلب وإيران في طلب العلم، وكان للعلماء القادمين من تلك البلاد دور في النشاط العلمي في الأناضول، وأصبحت المدارس في السلطنة جزءا من الحياة العامة التي أثرت في العقل والفكر، وارتبط تقدمها وتأخرها بقوة الدولة واستقرار المجتمع.
  • أما آق شمس الدين فميزه استقلاله المهني عن الحاكم والمناصب، مما ضمن له قوةَ الكلمة وقيامَه مقام المرشد للمجتمع والسلطان، وقد سَلِمَ من التوظيف، وبذلك أوصى أولاده من بعده، وهو بذلك قد اكتسب النزاهة وحرية الكلمة، وكان الشيخ كلما نزل موضعا ليستقر فيه صنع طاحونا للكسب وطلب الرزق. وفي هذا المعنى يقول سفيان الثوري: إذا لم يكن للعالم حرفة ولا عقار كان شرطيا لهؤلاء الظلمة. وقد كتب الجاحظ رسالة مدح فيها التجارة وذم عمل السلطان. والمقصود في هذا الموضع إيضاح المبدأ الذي التزمه الشيخ شمس الدين، وليس التأصيل لترك الوظائف العامة، فإن الواجب على الثقات من أهل القدر والديانة تولي هذه المناصب للمساهمة في إصلاح الدولة وإعانة الحاكم المسلم عليها، مع استحضار الأمانة والمسؤولية فيما تحملوه.
  • والاستقلال عن السلطان في الأعمال والكسب فتح للشيخ بابا من الإصلاح والنصح للسلطان والأمة، وقد وقعت حوادث عدة كان للشيخ فيها يد سبق في الإنكار على السلطان، منها حادثة السفن النصرانية الأربعة التي تمكنت من اختراق الحصار عبر البحر والوصول إلى القسطنطينية أثناء حصارها، فكتب رسالة إلى السلطان محمد الفاتح حمله مسؤولية ذلك واتهمه بالعجز عن القيام بواجبه والتراخي والتقصير، دون تبرير أو تأييد وأو حشو من كلام لا حاجة له.
  • أما الجهاد في سبيل الله فكان للشيخ دور كبير فيه، دعوة وتحريضا وحشدا ورصا للصفوف ومباشرة للقتال، وقد شارك في فتح القسطنطينية، فدعا وبشر بالفتح قبل وقوعه، وكان ما بشر به، وكان له دور في تربية الجند وتعبئتهم ورفع الروح المعنوية في الجيش، وفي هذا إشارة إلى أهمية التربية التي تنطلق من إصلاح مناهج التربية والتعليم وتفعيل دور المسجد، والتعريف بتاريخ الأمة وقضاياها وطبيعة المعركة بينها وبين خصومها.
  • كان منهج الشيخ يقوم على الإصلاح في المجالات الاجتماعية، فإذا استقام الناس استقامت حياة المجتمع، فوجه عنايته إلى الأسرة؛ وبرز ذلك في عنايته بأسرته وولده ذكورا وإناثا أولا.
  • ومن منهجه الانفتاح على الثقافات الأخرى من طرق العلوم وتعلم اللغات، فجمع بين الثقافة التركية والعربية والفارسية، كما اهتم بمعرفة الواقع واتساع ثقافة المعلم والمربي، ومن تتبع ترجمته تظهر أهمية تجنب التعصب المذهبي، والاطلاع على اختلاف المذاهب والثقافات، ومثل هذا ينبغي أن يكون من أهداف مناهج التعليم في المراحل المتقدمة لِتُجَنّبَ الطالب ضيق التفكير ولتخرجه من قطرية الجغرافيا والفكر والثقافة والانتماء إلى تنوع الشعوب الإسلامية واختلاف ثقافاتهم وعوائدهم.
  • للفكر التربوي عند آق شمس الدين قواعد تحررت من جملة كتاباته، منها سمات المرشد والمربي وما ينبغي أن يتصف به من الصدق والإخلاص، ووضوح الهدف، والعلم والخبرة، ووضوح المنهج العلمي، وسعة الاطلاع، إضافة إلى ما عليه أن يتحلى به من تهذيب النفس، والصبر وسعة الصدر، والاتزان الانفعالي، والتواضع والرحمة، مع المرح وبشاشة الوجه، والقدرة على التواصل مع الناس، مع العناية بالمظهر، والحرص على النصيحة وبث العلم، والقرب من التلامذة والأتباع، والتحلي بالعدل في معاملتهم، وبناء الثقة فيهم، والتكيف مع التقاليد الاجتماعية خاصة مع الرحلة والتنقل للدعوة، واحترام الوقت وإحسان الاستفادة منه، والقدرة على تجاوز الأزمات وإدارة الحَرِجِ من المواقف، ومن وراء ذلك كله ملكة ومهارة في القيادة وتوجيه الآخرين.
  • آق شمس الدين ابن بيئته، قد نشأ في بيئة متصوفة فتأثر بها، وهو حفيد المتصوف الكبير شهاب الدين السهروردي، لكن تدل كتاباته على أنه كان يميل إلى التصوف السني الذي لا يخالف الدليل، وخالف المتصوفة في الأعمال التي لا مستند لها من الشرع فيما أداه إليه اجتهاده، وقد زعم أبو حامد الغزالي في الإحياء أن من طرق رياضة النفس للمريد إن رأى شيخه فيه رعونة وكبرا وعزة نفس أن يأمره بالخروج إلى الأسواق للكد والسؤال، لأنه لا شيء أعظم لكسر عزة والنفس والرياسة من ذلك. وهذا مما كان ينكره الشيخ على القوم.
  • سمي شمس الدين بطبيب الأرواح لما كان يعتني به من الإرشاد النفسي والتوجيه التربوي، وكانت العزلة أو الخلوة واحدة من أساليب العلاج عنده، لكنه رفض استجابة طلب السلطان محمد الفاتح لما سأله الخلوة في صحبته أياما خشية انشغاله بها عن خدمة الدولة وشؤون الرعية
  • لم يخض الشيخ آق شمس الدين كغيره في دقائق الفلسفة والتصوف، بل دل منهجه في البحث والعناية بالعلم على سعيه إلى منهج متكامل بين العلوم لبناء المجتمع بتنميته ماديا وروحيا على حد سواء، ولذا جمع إلى علوم الشرع علم الطب والنبات والفلك والرياضيات والعلوم الطبيعية والأدبية.
  • ولهذا المقال الشائق بقية تأتي إن شاء الله تعالى……
  • –       23/10/2022

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى