تحليل استقصائيتحليلات

هل البناء العقيدي ضروريٌّ في هندسة التغيير والإصلاح؟

         ـــــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغا ـــــــ

 سعيُ الإنسان في هذا الكون ثمرةٌ لاعتقاده، فلا يصدر عنه شيءٌ من التصرفات طوعًا إلا وهو مدفوعٌ إليه بجملة ما يستبطنه من اعتقاده في الكون والحياة، سيان كان مصدر اعتقاده إلاهيا سماويا، أو وضعيا أرضيا، قانونا مصطلحا عليه، أو عرفا سائدا، ولا يستطيع الإنسان الانفكاك عن ذلك وإن ادّعاه، لأنه جزء من جِبِلّتِهِ وتكوينه، فمن يتنكر للخالق ولا يؤمن بدين فذلك مؤمنٌ بالإلحاد يدينُ بإنكار الدين، وليس الدين سوى حدودٍ يلتزمها الإنسانُ عقيدة وفكرا وسلوكا، فمن أنكره فقد أنكر الحدود، فتظهر آثار ذلك في عقيدته وفكره وسلوكه، يستوي في ذلك الفرد والمجتمع، إلا أنها في المجتمع تستحيل قانونا يحدد مسيرتَه في حاضره واتجاهَ مستقبله، فيمكِن بذلك استشراف مستقبله، وتوقع الغايةِ التي سينتهي إليها.

زد على هذا أن للعقيدة في الأمة وظيفتَيْن:

–      المحافظةَ على تماسكها وحمايتَها من الانهيار عند التعرض للأزمات

–      وتحديدَ مسارها، وتوجيهَ سلوكها على وَفْقِه

والمقصود هنا أصالة هو ما يعقد الإنسان عليه قلبه جازما به من المبادئ والأفكار حقا كان أم باطلا، فلا بد لكل إنسان ومجتمع من تصور عن الكون والإنسان والحياة،وهذه هي حقيقة الواقع الذي نعيشه في جميع صوره وأشكاله، وعلى رأس ذلك البلاد التي يتصور كثير من الناس أنها قامت على أساس الفصل بين الدين والدولة، ولا يحتاج المرء إلا إلى قراءة متأنية متجردة ليقف على صدق ذلك، ولن يكون خبرُ إشراف الكنيسة على تتويج الملك البريطاني الجديد تشارلز  ملكا للبلاد الشاهدَ الوحيد على ذلك، ولا قسمُه يمين الولاء بأن يكون خادما للدين المسيحي، بل الشواهد من السَعَةِ بحيث يصدق عليها قول المؤرخ الإغريقي بلوكارل: قد وجدتُ في التاريخ مدنا بلا حصون، ومدنا بلا قصور، ومدنا بلا مدارس، ولكن لم توجد أبدا مدنٌ بلا معابد.

ومن الدلائل الواقعية على صحة هذا الاستقراء التاريخي دور الدين في المجتمع الأمريكي”1″ منذ نشأته، ومساهمته في ترسيخ القيم والمعتقدات الدينية المستمَدَّة من المذهب البروتستانتي، وهي قيم متجذرة في الفكر والثقافة الأمريكية ، تجذرها في الثقافة البريطانية التي منحت لقب المدافع عن الدين لملوك بريطانيا منذ عهد الملك هنري الثامن عام 1521.

 التاريخ الأمريكي مثلا -كما في المصدر السابق- لا يمكن فهمه دون فهم طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، حيث أنها أحدُ أهم المؤثرات في التاريخ والثقافة الأمريكية والمحركةُ لهما”2″، والحق أن هذا لا يخص التاريخ الأمريكي وحده، بل هي قاعدة في قراءة تاريخ كل أمة، لأن الدين إن كان جزءا من تكوين الإنسان، فبالضرورة هو جزء من تكوين المجتمع الإنساني، وكما أن الدين محرك للإنسان فهو محرك للمجتمع كذلك.

وإذا كان البناء العقيدي مؤثرا في مسار التغيير بمجموعه، فإن المفردة منه مؤثرة كذلك بحسب موقعها منه، ولذا أظهرت المقارنة بين العقيدة النصرانية التي تؤمن بصكوك الغفران”3″، والإلحاد الذي قارن انتشارُه نشوءَ الثورة الفرنسية أن الأولى كانت أشد تدميرا في المجتمعات المسيحية للأخلاق من الثانية، ذلك أن صكوك الغفران التي تعني الإعفاء الكامل أو الجزئي من الخطيئة ساهمت مساهمة كبيرة في كبت النفس اللوامة التي تحول عادة بين الإنسان وارتكاب الخطيئة، وهوّنت في أعين الناس مقارفَةَ المعاصي والآثام، فغرق الناس في مستنقعها اعتمادا على حصول الغفران بتلك الصكوك، وانْتُهِكت حدودُ الدين والأخلاق باسم الدين، بينما ظل الملاحدة الذين لا يؤمنون بدين أصلا محافظين على حدود من الأخلاق هي من ضرورات التعامل في المجتمع، ولعل هذا يفسر =في أيامنا هذه- تصنيف روسيا بلدًا محافظا اجتماعيا من جهة نظرة المجتمع للمثلية الجنسية، بينما أدانتها المحكمة الأوروبية عام 2010 بتهمة محاربة المثليين.

الجدير بالذكر هنا أن نشأة صكوك الغفران كانت بدافع ديني في الأصل، فإن أول صدورها كان في بدايات القرن الحادي عشر مع الحروب الصليبية، فقد أعلن رجال الدين الكنسي حينها أن المحارِبَ الذي يعترف بخطيئته ويتوب ويشارك في الحرب المقدسة لتحرير أورشليم (القدس)؛ ستمنحه الكنيسة صك غفرانٍ يضمن له الإعفاء من نار المُطَهِّر، وفي عام 1095 للميلاد أعلن البابا أوربانوس الثاني أن كل من شارك في الحرب المقدسة فقد استحق الغفران المطلق من نيران المُطَهِّر، ويذكر حلمي القُمص يعقوب في كتابه: يا إخوتنا الكاثوليك، متى يكون اللقاء؟، أنه بعد انتهاء الحروب الصليبية بسقوط عكا سنة 1291؛ تحولت صكوك الغفران مع الوقت إلى تجارة رابحة، يلجأ إليها الرهبان كلما احتاجوا إلى المال، وقد كانت الصكوك مختلفة القيمة بحسب اختلاف الخطيئة.

ومن أمثلة المفردات العقيدية المؤثرة: الآرِيّةُ،وهي عقيدة أو أيديولوجيا تعتبر العرق الآري متميزا عن بقية البشر، وله الحق في سيادتهم، وقد شاعت في عهد ألمانيا النازية، وروج لها في البدايات منظرون من أمثال هيوستن شامبرلين”4″، وجوزيف آرثر دو جوبينو”5″ ، وكان جوبينو قد اخترع نظرية تنفي المساواة بين الأجناس البشرية باعتبار الأصل، ويعتقد ذلك سببا لتقدم المجتمع أو تخلفه، وأعلن أن الأجناس الثلاثة: الأبيض والأحمر والأسود، لكل منها أصل يختلف عن الآخر، ولكل أصل خصائص نفسية دائمة لا يغيرها إلا اختلاط الأجناس،وقد جادل عن هذه الفلسفات تلميذه عالم الأنثربولوجيا الفرنسي فاشير دي لابوج في كتابه الآرية أواخر القرن التاسع عشر، بل توقع في عام 1900 للميلاد بأنه بعد بضع سنوات سيقتتل الناس فيما بينهم بالملايين من أجل اختلاف مقايس مراتبهم.

ومثل هذه الفلسفات لا تبق حبسية كتب واضعيها من الفلاسفة فحسب، بل تنتقل آثارها الفكرية والعملية إلى السياسة والمجتمع، وتلعب دورا هاما في توجيه سياسات العالم الغربي وعلاقتها بالأمم الأخرى، وهو ما جعل جاستون بوتول يقول في كتابه تاريخ علم الاجتماع: تتعارض نظريات الأجناس مع الإنسانية والمثالية في المجتمع، ومعنى هذا أن هذه النظريات تؤيد قضايا هيرد في خاصية عدم انتقال الأرواح والثقافات الشعبية، وتبعا لوجهات نظر هذه القضايا، فإن الإنسانية ستظل محبوسة في سلسلة من القدريات التي نتج عنها اختيار إجباري، إما استمرار وجود عدم المساواة والفوارق عن طريق الخوف والرعب من اندماج الأجناس بعضها في بعض، وزيادة خطورتها على المجتمع الإنساني، وإما قبول اندماج الأجناس والانغماس في تدهورٍ وانحطاطٍ في المجتمع بشكل لا يمكن علاجه في يوم من الأيام”6″ .

تأثير الكتاب المقدس، خاصة ما يعرف بالعهد القديم على المجتمع الأمريكي مثالٌ آخر لما نحن فيه، وهو الذي يدفع من يؤمن به من زعامات الولايات المتحدةإلى الحديث عن بركات الله للأمة الأمريكية، وأنها إسرائيل الجديدة التي تعمل بميثاق الله، ولذا تظهر آثار هذه العقيدة في خطابات المؤمنين بالكتاب المقدس من الرؤساء، كما في تصريحات بوش أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر إذ قسم العالم إلى محورين: خير وشر، ودول مارقة وأخرى خَيّرَةٌ، وصنف الناس صنفين: إما معه أو ضده، فضلا عن إعلانه الحرب الصليبية في دعواه الحرب على ما يسمونه (الإرهاب).

العالم الإسلامي لم يخل في تاريخه من تَسَرُّبِ بعض مفردات العقائد من الأمم الأخرى إليه، لأسباب مختلفة يطول شرحها، وهي مفردات كان لها آثارها على مساره في الإصلاح والتغيير أيضا.

هذه أمثلة من رأس القلم لأثر العقيدة ومفرداتها على خطط التغيير والإصلاح، لا تتسع هذه المقالات للبسط فيها، لكنها أمثلةٌ تستدعي مثيلاتٍ لها، وتسترعي انتباهَ النُظار لتتبعها ودراسة آثارها على خطط الإصلاح، كما تمحو عن المتأمّلِ الغفلةَ عن الفوارق بين مشاريع التغيير والإصلاح التي تنبني على قواعد ضعيفة منحرفة في أصلها، وتلك التي بُنِيَتْ على أساس صحيح ثابت محكم، وإذا جاز أن تغيب بعضُ هذه الفوارق عن بعض النظارِ في زحمة الانشغال بمشروعات التغيير، فلا يجوز أن تغيب عنهم في نتائجها وآثارها بحال من الأحوال.

ومن البدهي أن يوصلنا ما سبق إلى القول بأن أصول البناء العقيدي كلما كانت أكثر إحكاما كانت المشاريع الإصلاحية أقرب إلى سلامة النتائج وصلاحية الثمرة، وإنما تكون أصول البناء العقيدي محكمة إذا توفرت فيها جملة من الشروط:

–      أن تكون من عالم محيط بأسرار النفس البشرية وخباياها

–      أن تكون من خبير بأحوال المجتمعات الإنسانية منذ نشأتها، خبير بأطوارها وتقلباتها واتجاهات مستقبلها

–      أن يكون واضعها سليما من تهمة التحيز

–      أن يكون عالما بالسنن الكونية والاجتماعية التي تسير على وفقها حياة الأمم، لا يغيب عنه شيء منها.

–      أن يكون قادرا على كشف مستقبل الحياة الإنسانية في حالي التزامها بالسنن أو خروجها عنها

–      أن يستوي علمه بأحوال الأمم، سابقها وحاضرها ولا حقها دون أن يعتري علمه نقص في شيء منها.

–      أن يجمع بين الحكمة والرحمة فيما يضعه من الأصول وما ينبني عليها.

ومن شاء الوقوف على حقيقة المصدر الجامع لهذه الشروط، وما يكتنف ذلك من نُكاتٍ وأسرار، فليتابع المقالَةَ القادمةَ بإذن الله تعالى.                21 سبتمبر، 2022

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- الحملة الصليبية على العالم الإسلام. يوسف العاصي إبراهيم الطويل، صوت القلم العربي، ط 2، مصر،2010.

 2- الدلائل على هذا كثيرة، منها كثرة استشهاد الساسة الأمريكيين من زعماء وغيرهم بالنصوص الدينية الإنجيلية والتوراتية.

3- في اللاتينية: Indulgentia وتعني في العقيدة الكاثوليكية: الإعفاء عن الذنوب أو بعضها بعد أن يعترف مرتكبها بخطاياه ويتوب عنها، وفي اعتقادهم أن هذا جاء من تضحية المسيح بنفسه ليتحمل خطايا أتباعه، ولشفاعة القديسين دور في قبول ذلك.

4-9سبتمبر 1855-9 يناير 1927، وأشهر كتبه كتاب أسس القرن التاسع عشر، وقد كان للكتاب أثر كبير على رابطة الشعوب الألمانية. وهو ألماني بريطاني المولد.

5- 14 يونيو 1816-13 أكتوبر 1882، وكان قد كتب أعقاب ثورات عام 1848 مقالا بعنوان: مقال حول عدم المساواة بين الأجناس البشرية، وقد أشاد بكتاباته حينها جماعة من الأمريكيين المتعصبين من أمثال جوشيا سي نوت، وهنري هوتزي.

6- تاريخ علم الاجتماع، جاستون بوتول، ص:111

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى