تحليل استقصائيتحليلات

حتى لا تضيع الجهود سدى..هندسة التغيير والإصلاح

حتى لا تضيع الجهود سدى..هندسة التغيير والإصلاح

         ـــــــ بقلم: الدكتور خالد فتحي خالد الأغا ـــــــ

أردت أن أكتب في هذه المقالة عن التحيز المعرفي في كتابات مفكري الغرب عما يسمونه (الإرهاب)، بعد أن اطلعت قبل مدة على كتاب (توماس هيغهامر): القافلة، عبد الله عزام، وصعود الجهاد العالمي، ثم اطلعت بعد ذلك على ما كتبه (كريج نويز) تحت عنوان: داعش مليءٌ بالأيديولوجيات البراغماتية، إلا أنني حين كنت أقلب النظر في هذه الموضوعات وأستحضر وجوه تناوُلِها، وقفت أثناء ذلك على موضوعين لم أجد بدا من تناوُلِهما، الأول: يتحدث عن جملة من الظواهر الاجتماعية التي أوجب التقارب الزماني والمكاني والانفتاح المعرفي انتشارها على هذه الشاكلة لأول مرة، والثاني: حديث جرى بيني وبين ابنتي هند التي تدرس العلومَ السياسية في أحد تخصُّصّيها، والبرمجةَ اللغويةَ العصبيةَ في تخصصها الآخر، مع ما لها من اهتمام بالعلوم الإسلامية على الجملة، ذلك أنها أطلعتْني على مجموعة من المؤلفات لأحد رجال الإصلاح الاجتماعي الأسري، لم يَأْلُ المؤَلّفُ جهدا- بحسب ما رأيت من عناوينها- في معالجة كثير من الإشكالات التي تعيشُها الأسرة في محيط مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

لقد ذكرتني هذه العناوين بِخُطط كثيرين من رجال الإصلاح ودعاة التغيير”1″ هكذا افتتحت حديثي معقبا- يبذلون عرق القِرْبَةِ كما يقال في المثل العربي، إلا أن ثمار الجهد لا تأتي على وَفقِ ما قُدّرَ له يومَ حصاده، فيتأخر الإصلاح من حيثُ أرادوا تقَدُّمَه، وتتسع مظاهر الفساد وقد أرادوا وأْدَها في مهدها، وهذا ظاهرة تستوجب الوقوف عندها طويلا، والتفكيرَ في أسبابِها، فطالما تكرر ذلك، ولا تزال تقع له نماذجُ في كل مجالٍ يتناوله التغيير والإصلاح.

ولست في شك من أهمية الكتابة في الموضوعات التي صدرت بها هذه المقالة، فبالقراءة التحليلية لمثل هذه المقالات يتبين عقل الخصم، وينكشف ما في نفسِه، وهذا مهم لحماية الأمة من الوافد والدخيل، لكن من الضروري ألا تَشغلنا مقاومةُ الدخيل عن تقويم الداخل، ومِن تقويم الداخل تقويمُ خُطط الإصلاح وتقويمُ مناهج التغيير، بل إن تقويم الداخل أساس لمقاومة الدخيل، لأن الدخيل لا يمكنُه النفوذُ  إلى الداخل إلا بقدر ما يصيب الداخل من الضعف، ومن ذلك ضعف خطط الإصلاح التي لا تقوم على منهج، ولا تراعي سنن التغيير وأصوله الثابتة التي لا تتبدل بتبدل الحال والزمان والمكان.

والحديث هنا عن الأصول الثابتة في التغيير لا ينفي ضرورة مراعاة المتغيرات الحالية والظرفية، فإن هذا من شروط التغيير الناجح أصلا، وكما أن الخروج عن السنن الثابتة والأصول المحكمة هَدْرٌ للجهود، ومضيعة للوقت؛ تتوقف معهما مسيرة التغيير، فكذلك إهمال المتغيرات الحالية والظرفية انقطاع في الطريق وتخلف عن المسير، وتعرض للهلاك والاستبدال.

فليكن الحديث في هذه المقدمة عن الأصول، فإن مراعاةَ الأصول ضمانٌ للوصول، ومن حُرم الأصول حُرم الوصول، والإصلاح أيا كان، سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو أخلاقيا أو تعليميا، أو فكريا أو غير ذلك؛ شأنه كشأن غيره من الأمور، لا بد أن يسير وَفْقَ قواعد مرسومة، واستراتيجية محكمة، تستحضر الهدف منذ البدايات، وتستحضر العلاقاتِ البينيّةَ بين الأجزاء، كما تستحضر العلاقة بين الجزء والكل، وتملك في مسيرتها زمام الخُطط البديلة، فثمة مستويات في التغيير والإصلاح، تتراوح بين تعيين هدف الإصلاح، واستراتيجيات التغيير، وهندسة التغيير، وإدارة التغيير، ووسائل التغيير، وغير ذلك من العلوم التي ترتقي بالأمة وروادها إلى مستوى القدرة على مواجهة التحديات، وتقيها هَدْرَ الجهود والأوقات.

لا يمكنُ لخطة الإصلاح أن تحققَ أهدافها دون إحكام القواعد، كما أن إحكام القواعد لا يلزم منه نجاحُ خطة التغيير وبلوغُ الهدف؛ ما لم تُسْتَنفذ الأسباب اللازمة لذلك، وأمامنا مثال من التاريخ والواقع، فإنه لا يوجد في مناهج التغير والبناءِ الأممي التي عرفتها البشرية في تاريخها الطويل ما هو أحكم أصولا من القواعد التي جاء بها الإسلام”2″ سيان كانت أصولا عقيدية أو فكرية أو خلُقية أو تشريعية، ومع ذلك فليست معرفةُ هذه الأصول وتقريرُها في النفوس بمُغْنٍ وحده عن استنفاذ الجهد ومعالجة المشروع من الأسباب، وإنما انتهت بعض المشاريع الإسلامية التي حاولت التغيير إلى الفشل إما لأنهااكتفت بتقرير القواعد عن معالجة الأسباب، وإما لأنها عالجت أسباب التغيير دون تقرير للقواعد.

ولا يُعترض على ما سبق ببعض مشاريع التغيير التي حققت نجاحا في الظاهر مع أنها لا علاقة لها بالإسلام، لأن الفارق يكمن في القواعد التي لا تقبل النقض، وما دامت القواعد مُحكمة فالتغيير قابل للتجديد والتطوير بحسب الجهد البشري الذي يُبذل في الأسباب، وحينئذ فتراجع جيل أو طائفة من الأمة أو المجتمع أو تقصيره في الإصلاح، لا يلزم منه تراجع غيره ولا تقصيره، فكيف إذا كانت قواعدُ الإصلاح والتغيير قاضيةً بتكليف مجموع الأمة بذلك، وبِفَرْضِه عليها فرضا كِفائيا لا تبرأ منه عُهدتُها إلا بقيام بعضها به، وهذه هي قاعدة التغيير والإصلاح في التشريع الإسلامي في جمع شؤون الأمة العامة، أما المشاريع التغييرية والإصلاحية الأخرى”3″ التي شهد العالم في القرنين الأخيرين نماذج منها في الأمريكتين والإمبراطورية الروسية وأوروبا فقواعدها قابلة للنقض، ولذا لا يزال فلاسفتهم من جهة، وسياسيُّوهم من جهة أخرى يعترضون عليها، ويطالبون بنقضها أو إعادة تأسيس قواعد جديدة بين حين وآخر.

المقصود الأصلي من سياق الكلام هنا مراجعةُ الأصول العامة لخطة الإصلاح، فإن أول ما ينبغي أن تُنْفق فيه الجهود تصحيح القواعد وضبط الكليات، وذلك في أسس ثلاثة:

–      الأساس الوجداني، وهو كل ما له علاقة بالروح والضمير، كالعقائد والأخلاق.

–      الأساس الفكري، وهو كل ما يتعلق بالتفكير أداءً واستثمارًا.

–      الأساس العملي، ويشمل المواقف والتصرفات والأعمال.

(وسلامة كل واحد من هذه الأسس إنما يكون على قدر شمول قواعد التغيير والإصلاح لما يندرج تحته من الكليات المتعلقة به، ثم على قدر شمول القواعد لهذه الأسس الثلاثة وعلى قدر ما تحققه خطة الإصلاح من التوازن بينها تكون ثمرة التغيير)، فما بين القوسين من العبارة مقياسٌ لكل جُهد يُبذل في التغيير، فالإصلاح الاجتماعي الذي يعالج مشاكل الأسرة مثلا، كتأخر سن الزواج، والعنوسة، وارتفاع المهور، والإنجاب، والطلاق، وغير ذلك لا يؤتي ثماره ما دامت أسباب هذه  الإشكالات كامنة في عُمْق المجتمع، لا كأسباب مادية فحسب، بل قد تكون عِلَلاً وجدانية أو فكرية أيضا، فلا يكفي في معالجة الخلافات الزوجية على سبيل المثال إنفاق الأوقات والجهود في عقد المحاضرات وتأليف الكتب عن حقوق الزوجين، وآداب المعاشرة الزوجية، والاستفادة من علمي التطوير الذاتي والبرمجة اللغوية العصبية في تعليم الزوجين كيف يفهم كل منهما الآخر ويفسر سلوكه، مالم نقف على العِلل المولّدة لكل ذلك والباعثة لهذا الظواهر، فالمتعين في هذا الحال النظر في مراكز التوجيه المباشر في المجتمع”4″، وهي الواجهات التربوية والإعلامية والتعليمية والثقافية التي تساهم كلها في صياغة عقل المجتمع وفكره وصناعة هويته وتوجيه أخلاقه، ثم المتعينُ بعد هذا النفاذُ إلى ما هو أعمق غورا وأشد تأثيرا، وهو النظر في الثغرات التي يستهدفها الخصوم، وطرقُ استهدافه لها،لأن الذي يُسْتَهدف عادةً هو الكليات والقواعد التي ينهدم البنيان بانهدامها، فاتفاقية سيداو التي تدعو إلى المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، ومن ذلك المساواة بينهما في الميراث، وتفتح الباب للمعاشرة بين الجنسين دون شرط ديني أو أخلاقي، وتنفي عدة المرأة بعد الطلاق، وتحرم في المقابل تعدد الزوجات، وتبيح الشذوذ والإجهاض، وتدعو  إلى إفساد الأنساب بنسبة الأبناء إلى أمهاتهم، هذه تستهدف واحدة من أهم قواعد البنيان الاجتماعي، وما دامت هذه الثغرة خَلِيّةً بين الأمة وخصومها، تصيبُ سهامُها وجدان المجتمع وعقله ونظام حياته، وتستجيب لها مراكز التوجيه في الأمة طوعا أو كرها، فمن المتحتم حينئذ أن نرى ما ينشأ عنها من الظواهر في المجتمع كالعنوسة والطلاق وغيرها مما أشرنا إليه، ومما لم نشر إليه، فهل يكفي في خطة الإصلاح والتغيير في مثل هذا الحال أن تعتني بمعالجة الظواهر فحسب؟،  بل ذلك هدر للأوقات والجهود، ما لم يكن في الخطة سد تلك الثغرات، بإرساء القواعد العقيدية والفكرية والخلقية والمنهجية في الأمة في الفرد والمجتمع على حد سواء.

اطلعت على مقال نشره مركز المعارف للدراسات الثقافية، ذكر خلاصة دراسات رصدت جملة من المفاهيم والقيم التي تحملها بعض المسلسلات التركية، وتنتقل إلى المشاهد لتستقرَّ في عقله الباطن، فتؤثرَ في شخصيته، وتَتَمَثّلَ بَعْدَ لأْيٍ في أفكاره وسلوكه”5″، ومما رصدته الدراسة من الآثار العلاقات المحرمة والشذوذ الجنسي والإجهاض والعقوق والعنف والقمار، وغير ذلك، وقريب مما جاء في الدراسة عن التركية، المسلسلاتُ الهندية أيضا، فإنها تشارك التركية في مثل هذا المحتوى وتزيد عليها عبودية الأوثان والترويج للمخدرات، وقد ازداد تأثير هذه المسلسلات في السنوات الأخيرة، وتسببت في أزمات اجتماعية دفعت ببعض رجال الفكر والإصلاح من نحو عشر سنوات في أحد البلدان إلى رفع دعوى قضائية تطالب الحكومة بمنع نشرها، لما لها من أثر على الفرد والمجتمع، خاصة من النساء والأطفال الذين يقضون ساعات طوالا في المنزل في مشاهدتها.

وليس بعيدا عن هذا كله المسلسلات الكورية واليابانية وما تبثه منالتعلق بمعبودهم الوثن (بوذا)، وتهوين شأن الموت والآخرة بتصوير ملك الموت على هيئة آدمي، والترويج لإحراق الجثث بعد الموت، واعتقاد تناسخ الأرواح، فضلا عما تحمله من ترسيخ عادات وقيم تخالف عادات المجتمع وقيمه، فهذه المسلسلات التي تحمل إلينا قيما ثقافية مختلفة غريبة عن مجتمعاتنا،ستؤدي في المحصلة إلى فقدان المجتمع لهويته وخصوصيته، كما تحدث شروخا عقيدية وثقافية وفكرية وخلقية في داخله، فالحديث هنا يطول عن آثارها القريبة والمتوسطة والبعيدة على الأمن العَقيدِيِّ والاجتماعي والسياسي والخلُقي، وليس الحديثُ هنا لبيان هذه الآثار، بل لتنبيه رواد التغيير والإصلاح إلى ضرورة تأصيل القواعد وحمايتها في المجتمع والأمة، وخطرِ إغفال ذلك في خطة الإصلاح، وليس الأمر مقصورا على هذا الجانب الذي سِيقَ للتمثيل فحسب، بل كل مظهر من مظاهر الفساد فلا بد في محاربته من الرجوع إلى منشأ علته، فالفساد السياسي، والفساد القضائي، والفساد الاقتصادي، والفساد الوظيفي، والفساد المالي والإداري، والفساد المعلوماتي، والفساد التربوي، وغيرها من أنواع الفساد التي تصيب القطاع الخاص والعام على حد سواء، لكل منها مظاهر تمثل أعراضا للأمراض التي تصيب المجتمع،  ومن هذه الأعراض الظلمُ والرشوة والسرقة من المال العام، والمحاباة، والابتزاز، والغصب، وخيانة الأمانة، وسوء استخدام السلطة، فلا ينبغي أن تكون غايةُ خطة الإصلاح والتغيير بذلَ الجهود في محاربة هذه الظواهر، بينما الأسباب الباعثة لها لا تزال مصدر هذا الأعراض، كلما اختفت حينا عادت إلى الظهور مرة أخرى.

يبقى في نهاية هذا الجزء من هذا البحث التنبيه على ضرورة مراعاة الفوارق والخصوصيات الدينية والثقافية والأخلاقية التي تميز مجتمعاتنا عن غيرنا من المجتمعات، فالدراسات الوافدة التي تتحدث عن أسباب الفساد لتتوسل بذلك إلى خطط الإصلاح والتغيير يمكن الاستفادة منها، لكن ليس بالضرورة أن تكون جميع مفرداتها مناسبة لِقِيَمِنا”6″، بل ما كان منها مخالفا لها وجب اطّراحه، على أننا نمتلك = دينا وثقافة وتاريخا وحضارة= من القِيَمِ ما نستطيع معه وضع قواعد وأسس معيارية للتغير والإصلاح لا لأوطاننا ومجتمعاتنا وحدها، بل للعالم بأسره.  11/9/2022

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1-قد يأتي التغيير مرادفا لمفهوم الإصلاح، سياسيا كان أو غير ذلك، وقد يأتي على عكس هذا موافقا للفساد، ولا يكون التغيير إصلاحا إلا إذا نقل الأمة إلى حال أفضل من الذي كانت عليه.

 2- نظام الحكم في الإسلام متميز عن غيره، له أصوله وقواعده الخاصة، ولا يمكن إدراجه تحت أي نظم من النظم السياسية الشائعة قديمها وحديثها، فهو نظام فرد بين النظم السياسية الأخرى. انظر للتعرف على النظام السياسي في الإسلام كتاب: الإصلاح والتغيير السياسي في ضوء نظام الحكم في الإسلام، دراسة فقهية مقارنة، رسالة دكتوراه، للدكتور أنس عز الدين عبد الرحمن جراب. ط1. دار السلام، القاهرة، 2013

 3- تسميتها مشاريع إصلاحية فيه تجوز، لأن كل ما خالف الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وكل ما صادم السنن الكونية القدرية، والسنن الشرعية فليس إصلاحا، وإن زعمه الناس كذلك.

 4- من هنا يبدأ الحديث عن الخاصة، والخاصة كما يقال مرآة المجتمع، ومظهر لما في النفس الاجتماعية مما يحتاج إلى معالجة وتدارك، وهو تكليف يطالب به المجتمع كله، فلا أحد في المجتمع فوق الرقابة والمحاسبة، وهذا هو الذي يُسمى في التشريع الإسلامي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 5- ومن مراجع الدراسة دراسةٌ سابقة بتاريخ 2/2/2014، نشرها موقع العربي الجديد، أجرتها وزارة الثقافة التركية بعنوان: المسلسلات التركية تغير حياة النساء في 54 بلدا.

 6-مثاله ما في مجلة المسوح الاقتصادية في بحث استقصائي عام 2017 بعنوان: أسباب وآثار الفساد، ما الذي علمتنا إياه الأبحاث التجريبية للعقد الماضي؟ دراسة استقصائية. حيث ذكرت في الدراسة أن أحد أسباب الفساد هو عدم المساواة بين الجنسين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى