تحليل معمّقتحليلات

14 تموز : ثورة كانت أم انقلاباً (2)

             ــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ــــــ  

  إنّ الحكم على تلك المرحلة يجب أن يتم من خلال مساطرها وفراجيلها وسيكون من الخطأ بعدها أن نلجأ إلى الإشكالات الإقتصادية التي خلقها قانون الإصلاح الزراعي في المراحل اللاحقة لكي نخطئه بطريقة إسقاطية تعتمد على استعمال مساطر وفراجيل مرحلة لاحقة على معطيات مرحلة سابقة. وإنّ جُلّ ما يمكن أن نقوله هنا أن قانون الإصلاح الزراعي كان قد حرر الفلاح من هيمنة الإقطاعي, أي أنه حرّره سياسياً وإجتماعياً ونقل المجمتع العراقي من مرحلة كان يهيمن عليها تحالف الإقطاع مع السلطة إلى مرحلة صار الفلاح يمر فيها إلى السلطة دون وسيط ضمن نظام المواطنة ومن خلال القانون الذي يساوي بينه وبين سيده الإقطاعي سابقاً, وحتى من خلال تراجع دور شيخ القبيلة لصالح دور الدولة ولصالح الفلاح المواطن.

   إن هذا بالنهاية قد زعزع سلطة رجل القبيلة وفتح أبواب المجتمع العراقي بالسعة التي كفلت له بناء علاقاتٍ اجتماعية وسياسية جديدة لا تشبه سابقتها, وحتى أنها تتناقض معها من نواحٍ كثيرة. ولعل هذه الموضوعة المحورية ستضعنا أمام واحدة من الإشكاليات الحقيقية التي يعاني منها الفكر السياسي العراقي الذي يرهن قراءاته إما اعتماداً على القراءات المسطحة التي تعتمد على عامل واحد وإما على القراءات الإسقاطية التي لا تراعي عوامل النجاح أو الفشل في مرحلة بالمقارنة مع ما سبقها فتلجأ لإصدار أحكام على مرحلة سابقة من خلال معطيات مرحلة لاحقة.

   إن القراءة الإسقاطية هي خطرة لأنها لا تتيح للعقل العراقي أن يعيد قراءة تاريخه السياسي والإجتماعي والإقتصادي بالإتقان والتوازن المطلوبين, وأما القول الذي يؤكد على أن الأمور تقاس بخواتيمها فهو يُخضِع التقييم إلى قياسات ميكانيكية واختزالية بحتة ولا يقف أمام ضرورة أن يناقش الأمر بسابقه وليس بلاحقه وحدَهُ. وأجزم أن ذلك سيوصلنا بكل بساطة إلى امتلاك معادلاتٍ أكثر عدالة وعلمية للحكم على ما جرى في الرابع عشر من تموز عام 1958 وهل كان ثورة أم انقلاباً.

    إن قراءة البعد الواحد ستجعلنا أمام معطى التأكيد على أن الحركة كانت انقلاباً عسكرياً ولم تكن ثورة, وأما الحجة على ذلك فإنها قامت بواسطة العسكر ولم يكن للشعب دورٌ تنفيذيٌ فيها, وهذا سيجعلها بكل بساطة شبيهة بالإنقلابات العسكرية التقليدية التي تحدث أو حدثت في العديد من بلدان العالم. وأزعم أن التطور السياقي لا يحدث إلا في المجتمعات التي أنجزت تكوينها (ثورياً), وقد كنت أوليت مفهوم ( الدولة تحت التكوين ) بعض الاهتمام, وأشرت إلى أنّ العراق كدولةٍ مُعرَّفّة بنظام وتقاليد لم يحدث لها أن أنجزت تكونها الحقيقي بعد. وهنا فإنه لا يمكن الاعتماد على عمر النظام السياسي لتقرير مسالة التكون تلك وإنما على طبيعة البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المستقرة للدولة والنظام ومتانتها.

    في اعتقادي إنّ ما حدث في يوم الرابع عشر من تموز, وبعيداً عن التعاطف أو الإنحياز, كان ثورة وفق كثير من المقاييس, فعلى الرغم من أن الهجوم الرئيس كان قد نفذه العسكر لوحدهم, وعلى الرغم من بعض وجوه الهيجان الشعبي الذي ساد شوارع العراق لحظة إذاعة البيان الأول الذي أعلن عن سقوط النظام الملكي وما أدى إليه من ممارسات وحشية مدانة على أيدي بعض الرعاع, إلا أن التأييد الشعبي كان كبيراً وواضحاً ومؤثراً باتجاه نجاح الثورة وإقتناع العالم بشرعيتها.  

   في هذا السياق فإن علينا أن لا ننسى الدور الشعبي البارز على صعيد التمهيد للثورة وحتى على صعيد التنسيق مع قادتها العسكريين وفي مقدمتهم رأسا الهجوم قاسم وعارف. لقد كانت هناك من جهة سلسلة الإنتفاضات الشعبية التي حدثت ضد النظام الملكي أسباب سياسية واجتماعية, وكانت تجهض بأساليب أمنية رادعة. وهناك أيضاً التنسيق المباشر بين جبهة الإتحاد الوطني التي ضمت في صفوفها الشيوعيين والبعثيين والديمقراطي الكردستاني وحزب الإستقلال. ويعرف أولئك الذين عاشوا في تلك المرحلة أن الشارع العراقي لم يكن يهدأ إلا لكي ينتفض مرة أخرى, أما النظام الملكي فلم يعد بمقدوره حينها تحقيق النقلة العصرية المطلوبة التي تجعله يتوافق أو يلتحق بمتغيرات العصر ويفك من بعض القيود التي كانت تمنعه من التقدم والتغيير المطلوب. من جهته كان النظام الملكي قد استهلك نفسه سياسياً من خلال تبعيته الواضحة للدولة البريطانية التي كانت في أواسط الخمسينات على وشك أن تعلن إفلاسها بعد أن توزع عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى عالمين أحدهما أمريكي والثاني سوفييتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى