إفتتاحية

من درس الإيمان والرحمة والعدل إلى درس ثورة الحسين ويقين أبناء فلسطين.. 

بقلم: صباح اللامي

   لو كانَ للدُنيا معنىً تستحقهُ، فهو ذلكَ الَّذي ينتمي إلى مكارمِ أخلاقِ الأنبياءِ، والصالحينَ، والثوارِ، والصادقينَ، وذوي المروءاتِ، والرحماءِ، والعلماءِ، والمبدعينَ، ومن لهم يدٌ في كلِّ مسعىً يحدُبُ على شيخٍ، ويرعى طفلاً، ويحمي شرف أمرأة. بل الرُّحماءُ العظامُ –عبر مسار الزمان-  هم كلُّ من أجهدَ نفسَهُ من أجل الخيرِ للناس، فخيرُ الناسِ أنفعهم للناس، كما علّمنا الرسول الأمين (ص).

    لو كان للدنيا معنىً يُذكرُ لها، لنُسب إلى كلِّ مضحٍّ من أجل ألّا تُذلّ كراماتُ الناس، ومن أجل أن تُحفظ أموالُهم وأعراضُهم، ومن أجل أنْ يسودَ السلامُ حياتَهم، ولأجل أنْ يعيشوا بأمنٍ، يتذوّقون فيه طعم الحريةِ والجمالِ وسؤددِ إحساسِهم بأسبابِ جمالاتِ الوجودِ وكمالاتِه.

    لو كان للدنيا معنىً، لكانت أرقى خلاصاتِه تنتمي إلى أعظم الأنبياء وخاتَمِهم (ص) الذي أكرمه خالق الخلق (قُدّست أسماؤه) بحقيقةِ ما وردَ في سورةِ القلم (وإنّك لعلى خلقٍ عظيم)، والذي قال عن نفسِه الشريفةِ ( إنّما بُعثتُ لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق)، فَعَلّم الإنسانية الرحمة التي بُعث من أجلها!.

     لو كان للدنيا معنىً، لوُزنَ بكلامِ النبيّ الأكرم: أوّلُ الإيمان إماطةُ الأذى عن الطريق. الكلمة الطيبة صدقة. أدِّ الأمانةَ إلى من ائتمنك ولا تخنْ من خانَك. مازالَ جبريل يوصيني بالجارِ حتى ظننتُ أنه سيورّثهُ. لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسِه. ما آمنَ بي من باتَ شبعاناً وجارُه جائعٌ. اطلبْ العلمَ من المهدِ إلى الِّلحد. الناسُ نيام، إذا ماتوا انتبهوا.

     لو كان للدنيا معنى لارتقى في نسبهِ إلى إمامِ الرحمةِ عليّ بن أبي طالب، وهو يهدّد الفقر بالقتل لو كان رجلاً!، وهو ينتصف ليهودي حاول مسلمٌ إيذاءَهُ: إنْ لم يكنْ أخاكَ في الدين فهو نظيرُك في الخلق. وأيضاً وهو يقول: يا دنيا غُرّي غيري. إنما الفخرُ لعقل ثابتٍ وحياءٍ وعفافٍ وأدب. الملوكُ حكامٌ على الناس، والعلماءُ حكامٌ على الملوك. أزْرى بنفسه من استشعرَ الطمع. وقيمةُ المرءِ ما قد كان يُحسنُه، والجاهلون لأهلِ العلمِ أعداءُ..

     ولو كان للدنيا معنىً، لارتقى في نسبه إلى إمامِ العدلِ عمرَ بنِ الخطّاب الذي علّم الناس مقارعته أوّلاً (وهو ملكُ الأمة) بتقويمه بسيوفهم إذا رأوا فيه اعوجاجاً. والذي دوّت صرخته العظمى في فيافي قلوب البشرية: متى استعبدتُم الناسَ وقد ولدتهم أمهاتُهم أحراراً. والذي استقدَم ابنَ والي مصر عمرو بن العاص مزنجلاً إلى المدينة، آمراً المصري المعتدى عليه أن يضرب رأسَ ابنِ الحاكمِ، كما ضربَه، وهو يقول: (إضرب ابن الأكرمين) تلك الصفة التي تباهى بها حفيد العاص!.

     ولو كان للدنيا معنى لانتسب لثورة الحسين (على روحه السلام في ذكرى استشهاده العظيم) تلك التي علّمت العرب والمسلمين والبشرية معنى الكرامة والثبات والدفاع الشريف عن قيم العدل ومُثُلِ الإقدام في مناجزة الظلم والطغيان والاستبداد. كانَ درسُ سيّد الشهداء، وسِبْطِ رسول اللهِ، أهم دروس انتصار الدَّم على السفّاح، وانتصار المظلوم على الظالم، وانتصار المؤمنين على أدعياء الدين، وانتصار لسان الحق على لسان الباطل.

     ولو كان للدنيا معنىً في حياتنا التي نعيش مراراتِها، فلا أشكُّ بانتسابهِ لأبناءِ فلسطين الحبيبة الذين مافتئوا يعلّمون الشعوب (درس اليقين) بأنّ الأرض لهم، وهي -بعدَ الله- قدسُ أقداسِهم، وأنهم لن يوقفوا استرخاصَ دمائِهم من أجلها مهما طال الزمن.

    وهمْ واللهِ، كما قال الجواهريُّ فيهم:

   يأبى دمٌ عربيٌّ فـــــــي عروقِهِمُ    أنْ يُصبح العربيّ الحرُّ مهتضَمَا  

     تلك هي معاني الحياة التي لولاها ولولا أمثالِها في سائر الأمم لعاش الإنسان حيواناً في غابة…

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى