تحليل معمّقتحليلات

الرابع عشر من تموز : ثورة كانت أم انقلاباً (1)

ـــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ـــــــ

   إن التقييم السياسي والفكري لأيّ حدث تاريخي كبير غالباً ما يتعرض إلى أخطاء قد تؤسس لنتائج معاكسة واستنتاجات ضدية فيما لو لم يتبع طريقة تقسيم التاريخ إلى مراحل ومن ثم دراسة كل مرحلة على حدة بما فيها من أحداث أساسية وعلى ضوء وحدة أو ترابط أو جدلية السبب والنتيجة.
وإذا كان الإيمان بـ ( تَمرْحُل ) التاريخ هو مسألة هامة فإن القدرة على إصدار أحكام صائبة ستُؤسّس حتماً على قابلية رسم الحدود الجغرافية لكل مرحلة, ونرى أنّ مرحلة الحكم الملكي تبدأ من العام الذي تلى ثورة العشرين إلى يوم تأسيس الجمهورية, وانّ ما حدث بعد تأسيس الجمهورية إنما يؤسس لمرحلة مستقلة سيكون من الحق تعريفها على أساس مجموعة من العوامل المركزية المتناوبة بين ما هو اجتماعي وثقافي وبين ما هو سياسي واقتصادي. وسوف يساعدنا ذلك على أن نفترض أن التاريخ السياسي المعاصر للعراق كان بدأ بعد ثورة العشرين مباشرة, أي عام تأسيس الدولة الجديدة وإلى يومنا هذا. لكن هذا التاريخ المعاصر لم يكن ذا طبيعة سياقية واحدة ولذا فهو مقسم إلى مراحل بفعل الظروف المركزية التي تميّز كل مرحلة وتحدد حركيتها واتجاه الحركة.
إن إهمال المرحلية وغياب القدرة على تعريف كل مرحلة وتحديد الحدود الزمنية والحركية التي تفصلها عن سابقتها أو لاحقتها سيؤدي دون أدنى شك إلى غياب المعايير التقييمية الصحيحة وسيؤسس كما قلت إلى استنتاجات غير موضوعية على الإطلاق. وأجد أن فرص الحكم الملكي للتطور الميكانيكي والسياقي كانت قليلة وحتى معدومة.
     ولسنا الآن بصدد البحث عن هوية المنتفعين من تغيير الحكم الملكي وصلات القائمين بعملية التنفيذ, سواء أكانوا على علاقة بأمريكا أم لا بقدر ما نحن بصدد الإجابة عن تساؤل مفاده: هل كان ممكنا للعراق أن يخرج سياقياً من ورطته الملكية لكي ينتقل من عالم قديم بدوله واتجاهاته ونظمه (إنكلترة وفرنسا) وهما الدولتان اللّتان صنعتا عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى إلى عالم آخر مختلف هو عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي صنعته الإمبراطوريتان (الأمريكية والسوفيتية).. ؟


   فإذا كان الجواب : كلا لم يكن بإمكانه أن يفعل ذلك, فإن التغيير الذي حدث في الرابع عشر من تموز كان تغييراً حتمياً لنظام عجز عن أن ينقذ نفسه بنفسه وبضغط من أسياده أو حلفائه البريطانيين الذين بدوا هم أيضا عاجزين عن إنقاذ امبراطوريتهم التي لم تكن تغيب عنها الشمس. وإذ بدأت الشمس البريطانية الكبيرة بالغياب فقد غابت بغيابها الشموس الصغيرة المتناثرة هنا وهناك, وما عاد بإمكان الشمس الملكية العراقية أن تضيء لوحدها.
    وأجزم أن الإقرار بعمق وكثافة الكوارث التي حلّت بالعراق في المراحل التي تلت سقوط الحكم الملكي لا يمكن أن تكون دليلاً على أن النظام الملكي كان رائعاً, لكنها تصلح للتأكيد على أن المراحل التي تلته كانت سيئة. وفي كل الأحوال لا يمكن مطلقاً لمرحلة ما أن تصبح جيدة لمجرد أن المرحلة التي تلتها كانت سيئة.
وأرى أن الحكم على الحدث التموزي كونه انقلاباً عسكرياً وليس ثورة إنما تأسس على حسابات نمطية كانت قد أهملت الكثير من المشاهد التي لا بد من الوقوف أمامها وتأشيرها وجعلها أيضا مقاييس للأحكام, فالنظرية السياسية لا تُبنى على عامل واحد وإنما يجري تأسيسها وفقاً لحصيلة تفاعل عدة عوامل في وقت واحد. وحيث لا يجوز مطلقا تأسيس نظرية سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية اعتماداً على عامل أو عاملين وإنما على جملة من العوامل ذوات العلاقة التفاعلية الجدلية التي لا تقبل الفصل أو التجزئة، لذلك فإن الاعتماد على نزاهة الحكم الملكي المالية وكذلك على رحمة قلبه وإغفال جوانب المرحلة الأخرى المتعددة والمتفاعلة ستقودنا بالحتم إلى تقييمات ذوات طابَع انتقائي واستقطاعي وإلى أحكام ذات طابَع ميكانيكي بحت ومتعارض مع جدلية القراءة والاستنتاج التاريخي السليم.
وإذا ما نزحنا من صيغة تنفيذ الحدث في يومه الأول كونه جرى على يد العسكر, ووضعنا جانباً المتغيّر السياسي الذي نقل العراق من دولة ذيلية للغرب إلى دولة محايدة وهَدَمَ أول ما هدم حلف بغداد نفسه الذي كان صاحب المقام العسكري والسياسي الأكثر تأثيراً في إتجاهات الحركة التاريخية في تلك المرحلة المفصلية من عمر العالم, ثم تفحصنا طبيعة المرحلة التي تلت, فسوف نجد أن (انقلاب تموز) قد أحدث تغييراً جوهرياً في طبيعة علاقات المجتمع العراقي ومعادلات تكوينه وترتيب قواه السياسية الفاعلة, فبعد أن كان هذا المجتمع -في الكثير من مناطق جنوبه العراقي وشماله الكردي- خاضعاً للقوى الإقطاعية وأيضاً لنفوذ الزعامات القبلية، فإنّ شكل هذه القوى قد تغير بشكل حقيقي, كما أن النظام نفسه إضافة إلى كونه قد انتقل من معسكر الملكيات إلى معسكر الجمهوريات، تمكّن هو أيضاً من الإلتحاق بمعسكر الحياد الإيجابي بين المعسكرين الأساسيين الإتحاد السوفيتي الشيوعي من جهة والغربي الرأسمالي من الجهة الأخرى.
ونعرف في هذا السياق أن الحدث كان هزّ العالم وقتها على إثر إعلانه عن انسحاب العراق من حلف بغداد مما أدى إلى سقوطه بعد أن كان بمثابة شوكة في خاصرة العالم الشرقي وفي خاصرة حركة التحرر العربي, وكان المؤتمر قد تأسس في باندونغ عام 1955 بواسطة ثلاثة من زعماء العالم الثالث هم نهرو الهند وتيتو يوغسلافيا وعبد الناصر مصر إضافة إلى الرئيس السوداني اسماعيل الأزهري.
     كما وأعلن العراق عن خروجه من منطقة الإسترليني وفك تبعيته المالية لإنكلترة. وكانت الإنجازات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، قد نقلت العراق من حالة إلى حالة نقيضة أخرى بما يجعلنا قادرين على وصف ما حدث في الرابع عشر من تموز كونه ثورة عراقية وليس مجرد انقلاب عسكري, فهو وتأميم قناة السويس أيضاً، كانا قد دقا المسمارين الأخيرين في نعش الاستعمار الإنكليزي, وجاء تأميم النفط العراقي بعدها لكي يدق المسامير التي تثبِّت غطاء التابوت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع القسم (2)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى