ملف عالمي

المسلمون في الهند

بقلم: د. خالد بن فتحي بن خالد الآغا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وبعد

فقد كان حرياً بالقارة الهندية أن تعترف بفضل الإسلام عليها، لولا أنّ الأمم تجحد كما تجحد الأفراد، وأنّ فضل المسلمين على القارة الهندية لجدير بالعناية والبحث، فقد دخل الإسلام عن طريق الساحل الغربي للهند مع التجار المسلمين في القرن السابع الميلادي، ثم كانت المحاولة الأولى لنشر نور الإسلام في الهند علي يد محمد بن القاسم الثقفي في الثلث الأخير من القرن الأول الهجري، ولم يستقر حكم الإسلام فيها إلا في نهاية القرن الرابع الهجري زمن السلطان محمود الغزنوي، وامتد الحكم الإسلامي فيها بعد ذلك عبر دول وأسر حاكمة نحو ثمانية قرون من الزمان، نَعِمَ الناس فيها بالأمن والاستقرار، وأصبح لملك الإسلام في الهند صولة وجولة، وازدهرت فيها حضارة إسلامية وحركة علمية لا يزال الناس يشاهدون آثارها إلى اليوم.

ولئن كان من العلماء والمؤرخين من أسف على عدم اتخاذ يوسف بن تاشفين الأندلسَ قاعدة لملكه بعد معركة الزلاقة، وَإِذَنْ لتغير تاريخ الإسلام في الأندلس وأوروبا، فإن تاريخ الإسلام في الهند كان سيصبح له شأن آخر لو أن يمين الدولة القائدَ محمودا الغزنويَّ اتخذ أحد حواضر الهند عاصمة لملكه بعد فتحها، وكذلك يقال في شأن الملك الأفغاني أحمد شاه دُوراني آخر من غزا الهند من ملوك الإسلام في معركة باني بت الثالثة، عام 1761، وقد انتصر المسلمون في هذه نصراً مبيناً، غير أنّ السلطان آثر أن يعود إلى قندهار عاصمة ملكه.

لقد تولّد عن هذا الأسف أسفٌ آخر، وهو حرمانُ أمة كبيرة من الهند يبلغون ثمن سكان العالم أو يزيد من نعمة الإسلام والاستضاءة بنوره، وما أشبه ما تفوه به الناطق الرسمي باسم الحزب الحاكم في الهند قبل أيام في حق نبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه بحال أبي جهل لما كان يصد الناس عن نور الهداية التي أشرقت على العالمين لأجلِ صَنم كان يصنعه من حجارة، أو من تمر فإذا جاع أكله، فأين اليوم ما بلغه ذلك النور، من حُجُب الجهالات التي كانت تغلف عقل أبي جهل!

تاريخ الإسلام في القارة الهندية مليء بالدروس والعبر، وهي دورس لها مذاق خاص، لا يعرفه إلا من اطلع على أحوال تلك الأمم وفلسفاتها وعجائبها، وإنه لتاريخ حرِيٌّ بأن تُخصص له مراكز بحثية مستقلة، تقرأه قراءة واعية متأنية، قراءة اعتبار واستثمار، وإنها لواجدةٌ -إن هيَ فعلت- من جواهره ما يُسْتَسْهَلُ معه الصعب في البحث العلمي، وكيف لا يكون الأمر كذلك والمسلمون في القارة الهندية هم الجناح الأيمن للعالم الإسلامي، ناهيك عن أثر الفلسفات الهندية التي انتقلت منها إلى العالم الإسلامي، وخالطت العقائد والأفكار والمذاهب، ولا تزال في انتقال منذ الفتح إلى أيامنا هذه.”1″

ومما يَحْسُن ذكره هنا أن الدور الذي قام به المسلمون في القارة الهندية لم يكن قاصراً على جانب دون آخر، بل شَمل كثيراً من الجوانب العلمية والعملية عبر التاريخ، ومَيّزَهُ تلك السمة التي اشتهرت بها أمة الهند من الفلسفة الباحثة عن الحكمة، القاضية بطول الصبر والأناة في الغوص على دقائق الأمور واستنباط معانيها، وقد تعدى ذلك إلى كل جانب من جوانب الحياة الإنسانية، سيانِ مما يخص الفرد أو الدولة، فترى هذه السمةَ في السياسة والاجتماع والاقتصاد والآداب والعادات، كما تراها في العلم والمعرفة والثقافة والبحث العلمي،وغير ذلك، مما يوقف الدارس لجانب من هذه الجوانب على دقائق من الحكمة العلمية والعملية التي اصطبغت بها ثقافة المجتمع صبغة تتناسب مع مكوناتها العقيدية والثقافية والمعرفية والأخلاقية والسلوكية.”2″

ومن الأمثلة القريبة التي تُظهر تلك السمة التي أشرنا إليها الحركة العلمية الناهضة التي وقعت في القرون الثلاثة الأخيرة من قرون الإسلام في تاريخ الهند، بينما كانت الأجزاء الأخرى من العالم الإسلامي تتعرض لهجمات الغزاة الجدد من المستعمرين مخلفة آثارها على الأمة الإسلامية، ففي تراث هذه الحركة العلمية ترى من دقائق البحث ونفائس العلوم ما لا يقدر بثمن، وقد مَنّ الله تعالى عليَّ – أنا كاتبَ هذه السطور- فرحلت في تلك البلاد أعواماً طوالاً، ووقفت على مئات المجلدات من كنوز تلك الحركة العلمية، ولقيت عشرات من بقايا علمائها وأدبائها ومفكريها، وقيدت آلافا من الفوائد التي لا تقدر بثمن، وأسأل الله العون على تقديم مادتها لمن يروم الانتفاع بها من السادة القراء.

لا يمكن لباحث منصف أن يُغْفِل الدوْرَ الريادي العلمي والعملي لمسلمي القارة الهندية على مر تاريخها الطويل، إلى آخر مدة حكم الممالك الإسلامية فيها، بل إلى أيامنا هذه،فبعد أن أحكم الإنجليز نفوذهم على الهند زمن السلطان بهادر شاه الذي خلف والده محمد أكبر شاه الثاني عام 1883 للميلاد، وأصبح الحكم في يد السلطان اسما فقط، كان لعلماء المسلمين دور مهم في إشعال نار الثورة ضد المحتل، وصدرت منهم الفتاوي القاضية بأن الهند أصبحت دار حرب، وأن على المسلمين أن يقوموا بالجهاد ضد الاحتلال الإنجليزي، ودعوا إلى اجتماع كبير في مسجد الجامع في مدينة دلهي، وأعلنوا الجهاد، ووقع على الفتوى عدد كبير من العلماء، فاجتمع الناس على تأييد الثورة، غير أنها أخمدت لفقدان التخطيط المسبق، والقيادة التي توجه الثورة وتستثمرها.

ثم لما قامت الثورة ضد الراج البريطاني أوائل القرن العشرين كان على رأسها قيادات مشهورة من علماء المسلمين وقادتهم في الهند، منهم أبو الكلام آزاد، والشيخ محمود الحسن الديوبندي، والشيخ حسين أحمد مدني، والشيخ عبيد الله السندي، والبروفيسور مولوي بركات الله، وعشرات غيرهم، ممن لهم دور مشهود في الكفاح لأجل استقلال الهند، قبل التقسيم.

وبعد أن وقع التقسيم اضطر عدد كبير من المثقفين المسلمين إلى الهجرة، فوقع بذلك خلل في البناء الاجتماعي لمسلمي الهند، وأكثر من بقي ممن لم يهاجر كانوا من المزارعين سكان القرى والأرياف، وبقي هؤلاء في ظل الحكومة الهندية العلمانية الجديدة يعانون قلة الفرص في التعليم والعمل، كما يعانون من الفقر وانتشار الأمية، وأشد من ذلك الطبقية والتمييز، والتضييق والعداء للإسلام.

للمصادمات بين المسلمين والهندوس جذور تاريخية تبدأ مع دخول الإسلام إلى شبه القارة الهندية، وسيطرة المسلمين على مناطق كثيرة من البلاد، وأيضا فإن اعتناق كثير من الهندوس للإسلام في مدة حكمه الطويل قد أثار تحدياً كبيراً، خاصة مع فشل المسيحية في الانتشار في الهند زمن الحكم البريطاني من جهة، ومع انشقاق الطائفة السيخية التي ظن مؤسسوها أن كثيرا من الهندوس سيؤمنون بها عوضا عن الإسلام، ولا يزال الصراع بين المسلمين والهندوس في شبه القارة الهندية يمر بتاريخ معقد الأطوار، ويشهد اضطهادا للمسلمين، السلسلة الأخيرة منه هي التي كانت عقب التقسيم عام 1947، ثم هدم المسجد البابري عام 1992، ثم أحداث كشمير في التسعينات، وما وقع في أحداث كجرات عام 2002 التي قتل فيها نحو ألف من المسلمين، ثم حوادث البنغال عام 2010، ثم آسام عام 2012، ومن آخرها ما وقع من تصريحات الناطق الرسمي باسم الحزب الحاكم في حق نبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه.

 ما تقدم يؤكد جملة من الأمور:

–     إن ما يقع اليوم من تصريحات معادية للإسلام هو جزء من الصراع وحلقة من امتداده التاريخي، وليس وليد سياسة مؤقتة أو موقف معين.

–     أهمية اضطلاع العلماء والمثقفين من كافة التخصصات بدورهم في قيادة هذا التدافع، واستثمار الوسائل الممكنة في الحفاظ على المجتمع الإسلامي في القارة الهندية والمحافظة على إرثه التاريخي، وتفعيل دوره لاستعادة مكانته التاريخية هناك.

–     ضرورة وقوف المخلصين في العالم الإسلامي مع العلماء والقادة هناك، ومساندتهم في القيام بدورهم العلمي والعملي، مستحضرين أثر العلماء هناك على العالم الإسلامي كله، خاصة بحركة النهضة العلمية الإسلامية التي شهدتها القارة الهندية في القرن الثاني عشر الهجري وما يليه، ولا يزال لها وجود إلى يوم الناس هذا.

–     من المهم قراءة تاريخ الإسلام في الهند قراءة منهجية واعية من ناحيتين: الناحية الأولى: فضل الإسلام على القارة الهندية، والناحية الثانية: دراسة الأسباب التي منعت كثيرا من الهندوس من اعتناق الدين الإسلامي، وما الذي حملهم على التباطؤ عن ذلك، مع أن الأمم الأخرى حين جاءها الفتح الإسلامي دخلت في دين الله أفواجاً، هذه الدراسة المنهجية ستفتح بإذن الله تعالى بابا لفهم واقع المسلمين هناك، فمهما قيل في أسباب ذلك، سيان كان السبب اتساع البلاد، وتعدد الإمارات والممالك في تاريخها، أو الثقافة الهندية الطبقية، أو مذاهب التزهد الهندية التي عزلت الناس عن واقع الحياة، أو إهمال حكام البلاد في إقامة أحكام الإسلام، أو حرصهم على كسب رضا الطبقة المميزة من الهندوس، أو غير ذلك من الأسباب، أيًّا كان السبب فإنّالوقوف على هذه الأسباب أو غيرها ستمهد السبيللدعوة غير المسلمين في الهند إلى الإسلام، مما يزيد في رجحان كفة الدين الإسلامي والأمة الإسلامية هناك.

–     مسلمو القارة الهندية جزء لا يتجزأ من العالم الإسلامي، وبين مسلمي القارة الهندية وبقية المسلمين في العالم العربي وغيره من الشعوب الإسلامية المجاورة للهند تأثير متبادل في مناحٍ شتّى، فدراسة هذه العلاقة التي مر عليها اليوم أكثر من ألف وثلاثمائة عام ستكشف عن سعة آفاق التعاون بين هذه الأمم؛ تعاوُنًا يخدم مصالح الأمة الكبرى في الحاضر القريب والمستقبل البعيد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]-نشأت في الديانات القديمة في الهند فلسفات كثيرة كان لها أثر كبير على الحياة السياسية والاجتماعية للقارة، ولما جاء الإسلام اعتنقه كثيرون من تلك الأمة حاملين معهم بقايا تلك الفلسفات والمذاهب، وكان لما حمله هؤلاء من الرواسب أثر في نشوء المذاهب والفرق، وقد استبطن بعض هذه الرواسب عقلَ المجتمع الإسلامي فكان لذلك تأثير على جميع مناحي الحياة، ولا يفغر لطول البحث في هذا المقام إلا أهميته وشدة حاجة الباحثين إليه.

2- اشتهرت نسبة الحكمة في الكتب إلى أمة الصين وأمة الهند، وقد مكثت أمة من الزمن أفكر في علة ذلك، خاصة أنني رأيت أبا حيان في كتاب الإمتاع والمؤانسة؛ قد نقل عن ابن المقفع أن ما حُفظ من الأمثال عن العرب يقوم كل مثل منها مقام مقولة حكيم من حكماء الصين أو الهند، وأغلب من نقلت عنهم الأمثال إنما كانوا من عرب البادية، ومع ذلك قد نقل عنهم من الأقوال والأفعال الدالة على الحكمة ما يقوم الواحد منها مقام حكمة استغرق حكيم هندي في استخلاصها دهرا، وقد فكرت في هذا الأمر مليا، فظهر لي أن الحكمة لما كانت تعبيرا عن عقل المجتمع وشعوره وتجاربه، تأثرت في موضوعها واتجاهها العام بنشأة المجتمع والظروف السياسية والاجتماعية والأخلاقية التي لابست أطواره المختلفة، فانقسمت بذلك الحكمة إلى مرتبتين: الحكمة الإيجابية، وهي التي تنشأ حين تتوفر للمجتمع أسباب القوة المادية والمعنوية، فيكون مرهوب الجانب على قدر تماسكه وقوته في داخله، والمرتبة الثانية الحكمة السلبية: وهي التي تنشأ حين يتعرض المجتمع لظروف قاهرة تؤثر على عقيدته وفكره وحريته وهويته، وما ينقل من حكمة الهند والصين يغلب عليها هذا الطابع، بينما الحكم المنقولة عن الأمة العربية يغلب عليها الطابع الأول.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى