تحليل استقصائيتحليلات

تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية (1) العالم العربي..

ــــــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغا ــــــــ

   حين نشبت الحرب الروسية الأوكرانية حضرتني قصة بكاء جرير على الفرزدق لمَّا سمع خبر وفاته، ولما اشتدَّ بكاؤهُ عليه، قال له بعض أصحابه: أتبكي على رجل لم تزل تهجوه ويهجوك أربعين عاماً!، قال: إليك عني، فواللهِ ما تبارى رجلان، ولا تناطح قرْنان؛ فمات أحدهم، إلا تَبِعَه الآخر عن قريب.

لقد تذكرت بهذه القصة سقوط الاتحاد السوفياتي من نحو ثلاثة عقود، وكنت قد استحضرت عند سقوطه قصة الشاعرين الكبيرين جرير والفرزدق لأول مرة، وقلت لبعض جلسائي تعليقاً عليها: إنّ سقوط الاتحاد السوفياتي مؤذنٌ بسقوط الولايات المتحدة الأمريكية، لأنّ السُننَ التي تجري على الإنسان، تجري على الدول بحذافيرها، وما دورة حياة الدول إلا كدورة حياة الإنسان في ولادته ونشأته وشبابه واكتماله ثم في هرمه وضعفه وزواله ليخلفه سواه، وإنما الدولة شخصية اعتبارية قد يطول عمرها عن عمر الإنسان شيئاً قليلاً.

ثمة حديث طويل عن تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على النظام العالمي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية والقارة الأوروبية(1)، وهل ستؤدي تداعياتها إلى انهيار النظام العالمي وبروز قوى عالمية جديدة كالصين مثلاً، أم ستجمع أمريكا الغنائم كما كتب بعضهم(2) وتنجح في تأخير روسيا خطوات إلى الوراء، وعزلها سياسياً، واستنزافها عسكرياً، وطرح الغاز الطبيعي الأمريكي وغاز الشمال الأفريقي وبعض دول الشرق الأوسط بديلاً عن الغاز الروسي، وبين هذه التوقعات وتلك سيناريوهات أخرى كثيرة، ومن ثَمّ فإن الحديث عن تداعيات الحرب على العالم العربي أو القوى الإقليمية أو العالم الإسلامي مرتبط بتلك التوقعات لارتباط سياسات الدول العربية ودول العالم الإسلامي ومصالح كلٍّ بالمنظومة العالمية والنظام العالمي.

مثل هذه المقالات لا تتسع لاستدعاء التفاصيل والاستطراد في التحليل، لكنها محاولة للربط بين الأحداث والسنن الكونية والاجتماعية، وقراءة ذلك بتوظيف ما أمكن من العلوم والمعارف، وعلى هذا ففي المجال مُتّسع لاجتهاد الرأي شريطة مراعاة قِيَمِنا الثقافية والحضارية المُسْتَمدّة من أصول الإسلام ومن تاريخنا وثقافتنا، ومراعاة معايير البحث العلمي، ولا شيء سوى ذلك، فلا نجد مفرّاً عند الحديث عن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على العالم العربي والإسلامي من استحضار الخبر النبوي الصادق في تداعي الأمم وتكالبها على هذه الأمة، لكنه ضَمِن في الوقت نفسِه ألا يَقع اتفاق الأمم على كلمة واحدة فتتَسلّطَ على هذه الأمةِ فَتَستَبيحَ بيضَتَها، وهذا يَعني في قانون السياسة أن تتضارب مصالح القوى المُخْتَلِفةِ وتتقاطع، بحيث لا يمكن اتفاقها على سياسة واحدة تجاه العالم الإسلامي، مع أن لكل قوة تجاهه غَرَضًا مُعَيّنا، فيحول بعضها دون بعض طمعاً في انفراده بالغاية، وهذا هو الذي يُسَمّى في (عِلم العمران البشري) بقانون التدافع، وهو قانون مهم ينبغي تفعيله واستثماره في (هندسة بناء الدولة والأمة)، ويمكن لعَقْل التدبير المًصحوبِ بِحُسْنِ النية الاستفادةُ منه في إدارة ما يعرض للأمة من الأزمات للخروج بها أقوى إرادةً وأصلب عوداً، ومن اليسير في ظل هذا القانون الكوني أن يطلع القارئ على ما تستبطنه أحداث الحرب الروسية الأوكرانية من الآثار، وأن يستشرف اتجاه الأحداث في المستقبل، وما دُمنا قد استفدنا في هذا القانون الكوني من قانون الشرع المُنْزَلِ وتوجيهاته فإن ما تنطوي عليه هذه الأحداث وما سبقها من أحداث وما سيتلوه منها من الآثار مُنْدَرجٌ كثيرٌ منها تحت الحكمة التي لا تظهر عادةً إلا بعُمق النظر في ارتباط الظاهر بالباطن، ودلالات ذلك على مسار الأحداث ونتائجها.

يمكننا البدء في هذا المقام من غزو الاتحاد السوفياتي لأفغانستان أواخر سبعينات القرن الماضي، وقد انتهى أواخر الثمانينات بانسحابه الذي أعقبه انهياره في زمن يسير، غير أن (جريراً) هنا لم يتنبّه لمآلات ذلك ومن ثم فلم يبك الفرزدقَ، بل أخذته نشوة القضاء على خصمه العنيد، وأعلن عن نظام عالمي جديد أحادي القطب، لا حسيب فيه على سياساته ولا رقيب، فلم يلبث أن وقع فيما كان سبباً لسقوط خصمه، فغزت الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستان بعد سقوط الاتحاد السوفياتي بعشر سنين، وهي مدة يسيرة في عمر الدول لا تكفي لاستيقاظ الأمة إذا أصابتها سِنَةٌ من نوم أو غفلة، وغاب عنها الاعتبار بمصير الأقران، وقد كشف هذا الغزو عن حقيقة القيم الثقافية والأخلاقية في المجتمع الأمريكي خاصة، والأوروبي عامة، وما يَعتورُه من أمراض وأورام، وقبل أن يفيق من هذه الأزمة – أو القارعة بلغة القرآن الكريم- وقعت أزمة وباء كورونا، وهتكت ما تبقى من أستار، وبدا للعيان حقيقة الفرد والمجتمع والدولة حين يتجرد كلُّ منهم عن الدين والأخلاق، ثم وقع انسحاب الغزاة الأمريكان من أفغانستان انسحاباً مُهينا يحمل كثيراً من الدلالات، ولم تلْبَثْ سحب الحرب الأوكرانية الروسية على إِثْر ذلك أن غشِيَتْ القارة الأوروبية، مُثيرةً بذلك تنبّؤات كثيرة عن مساراتها المستقبلة وآثارها الإقليمية والعالمية.

ثمة حديث عن آثار الحرب على الاقتصاد الأمريكي، فاستهداف الاقتصاد الروسي على هذه الشاكلة لأول مرة سيؤثر على الاقتصاد الأمريكي للتداخل بين الاقتصاد الروسي والعالمي، وأية آثار للحرب على الاقتصاد العالمي ستنعكس على الاقتصاد الأمريكي، كارتفاع سعر النفط، والمواد الغذائية، ونقص السلع الروسية المستخدمة في الصناعات الأمريكية، وارتفاع أجور الطيران، وأجور المنازل، والأثاث، وغير ذلك، إضافة إلى تأثر الشركات العابرة للقارات بذلك.

قد تبدو الولايات المتحدة أقل تأثراً بالحرب من غيرها من الدول، لكن مع توقع استمرار الحرب واتساع آثارها فمن المحتمل أن يزداد عِبْءُ الولايات المتحدة، خاصة مع ما تمخضت عنه مغامرة أفغانستان من الخسائر، ثم لحقتها خسائر جائحة كورونا، وهذا يعني أن تتجه دول العالم العربي والإسلامي ودول المعسكر الأمريكي إلى محاولة التخلص من الارتباط السياسي والاقتصادي بالولايات المتحدة، والاتجاه نحو القوى المنافسة أو الصاعدة الأخرى التي ستساعد الحرب على ظهورها.(3)

لا تقتصر أبعاد الحرب وتأثيراتها على السياسي والعسكري والاقتصادي منها، أو على النظام العالمي، (4)أو النظم الإقليمية، بل ثمة أبعاد أيديولوجية وثقافية ونفسية واجتماعية وغيرها، وهي أكبر تأثيراً على المدى المتوسط والبعيد من الأولى، ,وإذا كانت الحرب ستثير هذه الأبعاد في المجتمع الروسي، وفي المجتمعات الأوروبية وفي القارة الأمريكية متمثلة في خصومات ومراجعات أيديولوجية وفكرية وآثار نفسية واجتماعية ، فإنها في المقابل ستثير في المجتمعات الشرقية ومن بينها العربية والإسلامية تساؤلات عن حقيقة القيم الغربية التي تكْمُن وراء الحضارة الغربية،(5) وهذا يعني في سُنّة الله في الأمم والدول انْكشافَ عورة النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أفرزتها الحضارة الغربية، خلاصة القول: سَيَعْرى الغرب أمام الشرق، وستزول مسحة الملاحة من وجه الغرب، التي قال فيها الشاعر العربي قديماً:

على وَجْهِ مَيٍّ مسْحَةٌ من مَلاحة   تزولُ ويبْقى الخِزْيُ والعارُ باديا

أما الغرب وفي جملته الولايات المتحدة فإنه مؤهل لمزيد من التراجع مادياً ومعنوياً بكل ما تدل عليه هاتان الكلمتان من العموم، ومن ذلك سلاسل الانقسامات، وهذا يعني إعادة تَشَكٌّلِ الخارطة العالمية، لتبرز فيها قوى جديدة وتذويَ أخرى، وتنشأَ فيها محاور جديدة للصراعات، وتتنافس على مراكز النفوذ إقليمياً وعالمياً. 6)

أما منطقة العالمين العربي والإسلامي فسيطالها من آثار الحرب عليها بقدر ما يربطها من علاقات مصالح مع روسيا من جهة، ومع أوكرانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وللبعد والقرب الجغرافي، والعلاقات التاريخية والثقافية حظها في هذا التأثير، كما هو الحال مع تركيا، فإنها من أهم القوى الإقليمية التي تطالها شرارة الحرب، خاصة مع وجود عدد من قضايا النزاع التي سُوّيَت عقب الحرب العالمية الثانية، ولا تزال قابلة للاشتعال بفعل آثار الحرب، وهو أمر يحمل تركيا على توخي مزيد من الحذر في مواقفها من النزاع الروسي الأوكراني، يُذكر هنا أن الأيديولوجية السياسية الجديدة لروسيا بقيادة بوتين القاضيةَ بزرع كيانات جديدة موالية للقومية الروسية يمكن أن تُدخل معادلة جديدة على مصالح تركيا، وهو أمر يضع تركيا إلى جانب دول أوروبا الشرقية لمواجهة تحديات مشتركة، وفي الوقت نفسه يحمل تركيا على مزيد من التقارب مع العالم العربي والإسلامي، الذي كان سندا لها على مر قرون طوال.

ثمة حديث عن مخاطر تحملها هذه الأزمة للدول العربية، لكنْ في المقابل ثمة حديث عن فرص أيضاً، من بينها ملف الطاقة وعلى رأس ذلك النفط والغاز، فدول الاتحاد الأوروبي التي تعتمد على الغاز الروسي بنسبة تزيد عن 40%، وكذلك الولايات المتحدة ستجد في قطر والسعودية والجزائر عوضاً عن النقص المتوقع في إمدادات الغاز الروسي، ومع التزام هذه الدول بإمدادات دول مستهلكة للنفط في آسيا سترتفع أسعار النفط، لكنه في الوقت نفسه سيؤثر في سعر المنتجات الغذائية التي تعتمد الدول العربية على المستورَد منها اعتماداً كبيراً، وهذا يمكن أن يمنح الدول العربية بعض النفوذ في علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول أوروبا، لكنها تحتاج إلى الموازنة بين هذا وبين علاقتها مع روسيا، خاصة في ظل الخارطة الجديدة المتوقّعة للعلاقات الدولية، وفي ظل تدخل أطراف دولية في الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط مثل ليبيا وسوريا، والصراع الدائر مع الكيان المحتل في فلسطين.

يجري الحديث أيضاً عن الأمن الغذائي، وعن تفاقم الأزمات الإنسانية في الشرق الأوسط بسبب انصراف كثير من المساعدات الإنسانية من الدول العربية والشرق أوسطية وشمال أفريقيا إلى مساندة الأزمة الإنسانية في أوكرانيا، (فالعواقب وخيمة للغاية على الأمن الغذائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) وفقا لقول محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية كيلي بيتيلو.(7)

قصارى القول: إن ما يعيشه العالم العربي والإسلامي من مظالم سياسية واجتماعية، وما يتعرض له من انهيار اقتصادي يزداد يوماً بعد يوم، وما يقع عليه من الآثار نتيجة الصراعات الدولية والإقليمية والمحلية، وما ستكشف عنه الحرب الروسية الأوكرانية من فساد في بُنية المجتمع الدولي، وفساد في القيم والتصورات الحاكمة له، سيؤدي كل ذلك إلى تغير جذري في التصورات والمفاهيم في المجتمعات العربية والإسلامية، لكن سيسبق ذلك مخاضٌ لا بدّ منه، مخاضٌ يحتاج إلى عقول حكيمةٍ قادرة على استثمار الأزمات وإدارة الفرص، كما يحتاج إلى إرادة قوية وعزيمة ماضية، لا تُلْقي بالاً إلى أحاديث الهزيمة وما خلفته من تراكمات على مر السنين.                  8/يونيو/2022

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]-تخشى روسيا من انضمام بلاروسيا وأكرانيا إلى حلف الناتو، وهو أمر إذا حصل فإن معناه أن يصبح خصومها على بوابتها، وتظل محصورة داخل حدودها الجغرافية.

[2]- مما قيده يراع الملاحظة في هذه الحرب نزوع بعض الكتاب إلى التخفيف من آثارها على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن الدعم العسكري والأمني الذي قدمته الولايات المتحدة لأكرانيا في السنوات السبع الأخيرة، إضافة إلى عضويتها في حلف الناتو، وتقاطع مصالحها في المنطقة مع عدد من القوى العالميةوالإقليمية، كل ذلك لا يدعم التخفيف الذي يذكرون.

(3)- حرصت الولايات المتحدة سنوات طوالا على تقديم نفسها مثالا حضاريا للأمم والشعوب، وهو جزء من استراتيجيتها في التمدد والاحتفاظ بالصدارة، لكن لم تزل حوادث الأيام – ومنها هذه الحرب-تصيب هذا المثال بالتراجع شيئا بعد شيء، وقد يدعو تخوف الولايات المتحدة من هذا التراجع إلى تحالفات جديدة مع قوى كبرى لمواجهة صعود قوى أخرى يفضي صعودها إلى مزيد من تراجع المثال الأمريكي، وستتحكم اتجاهات مستقبل هذه الحرب في طبيعة هذه التحالفات.

(4)- الحرب الروسية الأكرانية ومستقبل النظام الدولي، عصام عبد الشافي، مركز الجزيرة للدراسات، 3/5/2022

(5)-وهو أمر يستدعي المقارنة بين تلك القيم، وقيم الإسلام التي لا تزال حاضرة نافذة في وجدان المجتمع الإسلامي، رغم ما مر بالعالم الإسلامي من تقلبات ومحن.

(6)- من أهم أسباب الحرب الروسية الأكرانية ما تمتلكه أكرانيا من مصادر للطاقة وثروات زراعية ومعدنية تضعها في مصاف الدول الغنية في العالم.

(7)- روسيا وأكرانيا، ما المخاطر التي تحملها الأزمة بين البلدين للدول العربية وهل من فرص يمكن استثمارها؟، سارة فياض، موقع بي بي سي نيوز عربي، 23فبراير/2022.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. الحمد لله والصلاة والسلام على النبي المصطفى وعلى آله وصحبه الكرام.. وبعد فقد منّ الله عليّ وتفضّل بقراءة قصة أفغانستان كاملةً؛ أعني الستة مقالات بل واستدراك الأغا كاتب القصة.. الدكتور خالد كتب فصول قصة سبر أغوار ماضيها وأماط اللثام عن حاضرها واستشرف مستقبلها وغدها مستندا على موسوعيته وإمكانياته البحثية التي يعرفها كل من بتابع أعمالَه الفكرية والأدبية.. لذا بدت قصة أفغانستان قصة عرجت وطوّفت بنا إلى آفاق معرفية واسعة.. فالمقالات الست والاستدارك سكب فيها الباحث عصارة خبراته وإمكاناته المنهجية والمعرفية؛ فالقصة قد اتّصلت في بعض فصولها بدراسات التاريخ والحضارة وفي بعضها الآخر بعلم الاجتماع ، وكذا الفكر الإسلامي والسياسة الشرعية، وفضلاً عن ذلك وظّف الدكتور معارفه المتّصلة بالعلاقات الدولية والعلوم السياسة توظيفاً جيدا. واسعفته براعته اللغوية في سرد قصة شائكة شديدة التعقيد بسلاسة ورصانة وشاعرية وطراوة وحلاوة وهو ما اكسب المقالات عنصر التشويق.. التزم الكاتب لاستجلاء المشهد الأفغاني بضوابط الكتابة التي نبّه إليها في صدر المقال الأول وألمع إليها في بقية المقالات .. فقد اسعفته معارفه الموسوعية وأعانته أيما إعانة في ولوج الدروب الوعرة لمثل هذه النوعية من الكتابة، كذا التزم كاتب المقالات والاستدراك بمراعاة الفوارق الدينية والثقافية والاجتماعية ومراعاة آثارها على التاريخ والحضارة وتقييم الحاضر واستشراف المستقبل..فلم يتجاوز الأغا الطبيعة الجغرافية والمناخية وآثارها على المجتمع الأفغاني الذي له خصوصيته وهنا حشد شواهد من مقدمة ابن خلدون وشهادات ومشاهدات للرحالة ابن بطوطة تتحدث عن مجتمع يتسم بخشونة البادية والقوة والشدة والميل للقتال .. مجتمع متحرر من قيود الحياة المدنية بشقيها المادي والمعنوي، مجتمع قبلي يتوحد عن وجود خطر خارجي.. كل ذلك كانت مقدمات ضرورية لقراءة المشهد الافغاني وقراءة حروب امتدت لعقود خاضتها افغانستان مع روسيا وأمريكا.. وحاول الأغا استشراف مستقبل يكتنفه الغموض في ظل أحداث متتابعة منها انسحاب أمريكا من أفغانستان والحرب الروسية الأكرانية، وقد قام بدقة وعلمية بتحديد العقبات والتحديات التي تواجه طالبان الذاتية منها والمحليةوالإقليمية والدولية، وانتهى إلى أن استقرار أفغانستان _ حتى بعد خروج الاحتلال الأمريكي_ منوط بقدرة طالبان الجديدة على إدارة جميع الملفات المؤثرة في حاضر البلاد ومستقبلها.. وأكّد الأغا أن حركة طالبان تملك من المقومات الدينية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما يمنحها مساحة واسعة من مطاوعة الظرف لتجاوز كافة التحديات والعقبات.. وهالني مقدرة الأغا على التحليل والاستنتاج وبصيرته النافذة وذهنه المتّقد وهو يقرأ المشهد الأفغاني ( ماضيه وحاضره ومستقبله) بطريقة خلدونية .. فقد سرد فصولاً لمشاهد تاريخية من المغرب والأندلس وهي تحكي بلسان حالها أن الماضي يشابه الحاضر كما يشبه الماء الماء على حد تعبير ابن خلدون .. إذن هي دعوة لتفعيل قراءة مشهد كالمشهد الأفغاني في إطار بعض القواعد العمرانية الخلدونية..وهذا يؤكد ما ألمعنا إليه في بداية التعليق أن الكتابة في هذه القصة بكل تعقيداتها تحتاج لمعرفة موسوعية لا تتجاوز علما كعلم الاجتماع وغيرها من العلوم التي أكّد الأغا من خلال مقالاته إلمامه بها .. فضلاً عن معرفته العميقة بمناهج البحث العلمي .. بارك في كاتب المقالات الستة والاستدراك والقراء والقائمين على أمر هذه المجلة المباركة المتميزة ونفع بمقالاتها دوما

زر الذهاب إلى الأعلى