ملف عالمي

استدراك من الأغا: قصة أفغانستان..طالبان..إدارة الدولة واستقطاب الخبراء

طالبان

إدارة الدولة واستقطاب الخبراء

  بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغا

بسم الله الرحمن الرحيم

   يستدعي الحديثُ عن طالبان تَذكُّرَ كلام العلامة ابن خلدون رحمه الله عن قيام الدول وسقوطها، ودورة الدولة بين خشونة البادية وطراوة الحاضرة، وقد تقدم في ست مقالات سابقة تناول جوانب مهمة من طبيعة المجتمع الأفغاني وما يشكل عقلَه وثقافتَه، مما يساعد على تصور أفضل لهذا الاستدعاء، وما دمنا في حديثنا عن طبائع البداوة والحضارة وتأثيرها في (دورة الدولة)، فليس لنا إلا أن نستجلي النواميس الحاكمة للمشهد الطالباني، دون أن نُغفل بالطبع تأثير العوامل الأخرى التي يقتضيها تغير الحال وتقارب الزمان والمكان، فهذه العوامل لا شك توجب فارقاً بين القرن الثامن والتاسع الهجريين الّلذَيْن عاش فيهما ابن خلدون، والقرن الخامس عشر الذي نحن فيه، لكن يظل السلطان الأكبر للسُنن الكونية والاجتماعية التي ترسم معالم الحاضر ونستشرف بها اتجاه المستقبل.

من أهم الفوارق بين خشونة البادية وطراوة الحاضرة الحساباتُ المادية في أنواع التصرفات، سيان في تصرف الفرد أو في علاقاته مع المجتمع، أو علاقات الأمة مع غيرها سلماً وحرباً، فالمجتمع المكي الذي كان منشأ الرسالة يختلف عن المجتمع المدني دار الهجرة، مما حمل الصحابيّ عمر بن الخطاب– مثلاً- على القول: كنا معشرَ المهاجرين قوماً نغلبُ نساءَنا، فقدمنا المدينةَ فوجدنا قوما تغلبُهم نساؤهم، والمجتمع المدني لما كان متعدد الأجناس والثقافات كان خطاب القرآن له مختلفاً عن مخاطبة المجتمع المكي، فالأدلة الآفاقيّةُ العقلية محور الخطاب للمجتمع المكي، والأدلة النقلية وإقامة البراهين والحجج محور الخطاب للمجتمع المدني، هذا مع تقارب ما بين مكة والمدينة تاريخياً واجتماعياً وثقافياً، أما ما بين البادية والحاضرة من الفرق فأوسع مدىً، فإذا انضاف إلى ذلك أن تكون الحاضرة مبنية على الإغراق في الفلسفة المادية، فقد ازدادت المسافة بين المجتمعين انفراجاً، ولذا كان هذا الفارق أحد أهم الأسباب التي أدت إلى هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانسان، فجبروت الآلة العسكرية السوفياتية كان يقابله في الغالب بساطة التفكير وسذاجة التصرفات من المُقاومين الأفغان، بل إن هذه التصرفات لم تكن مبرّرَةً ولا مفهومة عند العسكريين السوفيات في كثير من الأحيان، وهو سبب معتبر أيضاً في انتصار الشعب الأفغاني في جهاده ضد المحتل الأمريكي بقيادة طالبان، وفي المحصلة فإن عقل المنطق الرياضي المغرق في الماديات هُزِم أما عَفوية التفكير والتصرف الذي لا يقف كثيرا عند المقدمات وحسابات النتائج.

ولذا فشلت الولايات المتحدة الأمريكية في تحويل أفغانستان إلى دولة مؤسسات حديثة، وإقامة حكومة تدير البلاد إدارة مركزية، فمكونات الشعب الأفغاني وثقافته وطبيعته لم تكن لتسمح بتشكيل ذلك في ظل سلطة زعماء القبائل وأمراء الحرب،ولم تدرك الولايات المتحدة ذلك إلا أخيراً، مع أن توقعات الخبراء مثل الجنرال البريطاني مارك سميث كانت قد سبقت عام 2008 بالتنبُّؤ بالهزيمة واستحالة خروج التحالف الدولي منتصراً، وقد ندد به حينها وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس علانية ووصفه بالانهزامي، أمام وسائل الإعلام”1″ .

لقد وصفت الصحفية كريستينا لامب في مقال مطول لها طالبان بأنها: عدو عنيد، لن يبرح مكانه. وهذا وصف صادق فيما قصدته من مقاومة العدو، لكنه صادق أيضاً في كونه وصفاً يشمل جميعَ قرارات الشعب الأفغاني المصيرية وأسلوب حياته، وهي صفة تُكسب الشعب- كما تُكسب الإنسان- الإصرار ومواجهة التحديات، وهذه هي القاعدة الحاكمة التي يتوقع أن تسير عليها حكومة طالبان في إدارة الدولة أيضا، فنحن أمام أنموذج عصري جديد، أقربُ النماذج التاريخية به شبها دولةُ المرابطين، التي نشأت في القرنين الخامس والسادس في بلاد المغرب، وكان أساسها حركة إصلاحية، ثم تحالفت مع القبائل، وحظيت بتأييد شعبي لم يلبث أن تحول إلى قوة عسكرية واقتصادية إقليمية لسيطرتها على كثير من طرق التجارة المهمة، وقد غَذّتْها في كل ذلك روح إسلامية إصلاحية سنية، واستطاعت توحيد المغرب، وأخضعت الأندلس لحكمها على يد يوسف بن تاشفين بعد معركة الزلاقة، وقد كان المرابطون في بداياتهم قد توسعوا في بلاد غانا والسودان الغربية وشاع أمرهم في الصحراء لما قاموا به من محاربة للفساد والنهب وفرض الأمن بحد السيف، وهو شبيه ببدايات حركة طالبان في أفغانسـتان . “2”

جدير بالذكر في هذا السياق أن المرابطين لما فتحوا مدينة سجلماسة عينوا القائد العسكري يوسف بن تاشفين واليا عليها فأظهر مهارة في إدارتها وتنظيم شؤونها، كما أن قيادة المرابطين جمعت بين الزعامة الدينية والسياسية خاصة بعد وفاة عبد الله بن ياسين، وبهذا اجتمعت في القيادة المرابطية منذ بداياتها الخبرة العسكرية والمهارة الإدارية والزعامة الدينية والسياسية، إضافة إلى بيئة وظروف ملائمة للممارسة والتطبيق، وهذا ما يتحقق جزء كبير منه أو أكثره في إمارة أفغانستان الإسلامية التي تعلنها طالبان.

من المُفارقات الغريبة أن الحرب الروسية الأكرانية التي تزامنت مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان جاءت لمصلحة طالبان، وستفضي تداعياتها في الأمد القريب والمتوسط على الدول الأوربية إلى خَلْقٍ ظروفٍ سياسية تقارب الظروف السياسية في الممالك الأوروبية التي كانت معاصرة لنشوء الدولة المرابطية، ومِن ثم كان في تصرفات ملوك أوربا تجاه العالم الإسلامي ما أثار حمية المرابطين ونخوتهم الدينية والقبلية فاتصل زحفُهم إلى الأندلس، وضموه إلى سلطانهم.

لقد كتبتُ مقالا عقب الغزو الأمريكي لأفغانتسان مباشرة– أي من نحو عشرين عاماً- اسْتَبَقْتُ فيه توقع هزيمة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في أفغانستان، استقراء للسنن الكونية والاجتماعية في قيام الدول وسقوطها، مشيراً إلى أن ما تتسم به السياسية الأمريكية تجاه العالم الإسلامي من الطيش والخفة، والاعتداد بالقوة سيفضي إلى هذه النتيجة حتماً، فما يملكه العالم المادي اليوم وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية من مظاهر القوة جعلت الحق عند تلك الأمم ومُقلديها حِكْرًا على القوة فحسب، ومع طغيان المظاهر المادية يختفي صوت الحكمة، بعد أن مُحيت صورة الحق من أذهان الشعوب الأوروبية، وتقدمت الأفكار المادية على حساب الدين والخلق، مما حمل الأمم المادية على أن يختبط بعضُها ببعض ليظهر القويُّ فيسود العالم، ولا بد أن يبلغ التيار المادي مداه وغاية حده في العالم الغربي، وهو عين ما توقعه الفيلسوف البريطاني هاربرت سبينسر عام  1903. “3”

إن النظام الإداري الذي تعتمده طالبان وهو الإمارة الإسلامية ملائم -كما يبدو من استقراء واقعهم- لجملة الظروف التي سبقت الإشارة إليها، فهو نظام يعتمد على مبدأ الشورى في انتخاب الأمير، ويشكل فيه السلطان القائد الأعلى، ومن دونه أمراء على الولايات خاضعون له، يجمعون بين الحنكة العسكرية والإدارية، كما يتم انتخابهم باعتبارات عدة، من أهمها مكانتهم القبلية والاجتماعية، وعلمهم وثقافتهم، وخبرتهم وفهمهم لطبيعة الدور المنوط بهم، كما يخضعون لرقابة في التنفيذ والأداء من قبل السلطان ونوابه، ويعامل من قصر أو أساء في إمارته أو ظهرت عدم كفاءته بالنقل أو العزل، كما أن تفويض النواب والولاة بالمهام العسكرية يمنحهم صلاحيات واسعة في التصرف في مناطق نفوذهم لمصلحة الإمارة، كما يزيد أواصر الثقة المتبادلة بين إمارة الدولة ونوابها.

في المقابل ثمة مخاوف تُطرح في الحديث عن قدرة طالبان على إدارة البلاد”4″، مغرق بعضها في التشاؤم، حيث يرى أن طالبان ستنشغل بخوض حرب بالوكالة ضد الصين وروسيا وإيران، أو ستغرق في حرب أهلية وصراع على السلطة تحركه أطراف خارجية، أو تجعل عجز الولايات المتحدة وحلفائها عن تقديم إدارة ناجحة للبلاد دليلا ضروريا على عجز سلطة طالبان عن إدارتها، أو ترهن ذلك بقدرة طالبان على إقناع المنظومة الدولية بالاعتراف بحكومة طالبان الجديدة، لكنّ عرضَ هذه المخاوف على الميزان الخلدوني الذي تحدثنا عنه في هذه المقالة يُظْهِرُ حجم المبالغة في هذه التوقعات، وأن طالبان ستتعامل مع إدارة البلاد تعاملها مع المحتل على مر عقدين من الزمان، وسيكون المشوار أمامها مليئا بتحديات تحتاج إلى تجاوزها بدءا بتوحيد الصف الداخلي، وتجاوز الخلافات التي تعمل القوى المناوئة على تعزيزها، ومرورا بمشاركة أطياف المجتمع الأفغاني في الحكم وصناعة القرار، وانتهاء بمصلحة الأمة الأفغانية والعمل على تطوير البلاد.

قراءة عاقلة متأنّية لواقع طالبان اليوم في ظل التحولات الإقليمية والدولية وما يكتنفها من تغيرات وتقاطع في المصالح تشير إلى صعودٍ مرتقب لدولة طالبان في المدى القريب والمتوسط على الأقل، فعقلية الأفغان كما يقول (جاك.ف.بو) تشبه إلى حد ما جغرافية بلادهم، فهم في الغالبية جبليون، يركزون اهتمامهم على مجتمعهم المحلي، ولا يأبهون كثيرا بالعالم الخارجي، وهم لا يطلبون أن يضخ الغربيون استثمارات كبيرة في بلادهم، أو أن يقوموا بتحديثها، بل يريدون إدارة تنميتها بأنفسهم، بوتيرتهم، وعلى طريقتهم، وبتناغم مع ثقافتهم.”5″

وستجد كثيرٌ من الدول الإقليمية والعالمية مصالحها في إنشاء تحالفات جديدة ومد جسور تعاون مع حكومة طالبان الأفغانية.

وفي ظل الأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد سيكون من الصعب على حكومة طالبان أن تستقطب العلماء والخبراء، فما تحتاجه أفغانستان اليوم هو الأمن والاستقرار أولا، ويمكن أن يحقق ذلك مجالا خصبا للمستثمرين ورجال الأعمال، خاصة في المجالات المتوفرة في أفغانستان، وعلى رأسها الزراعة والرعي وصناعة النسيج، إضافة إلى التعدين، وبتوفر هذين العنصرين يمكن للمجتمع الأفغاني تحقيق ما يصبو إليه من رقي ونهوض بالبلاد، لكن يبقى تحقيق آمال الشعب وطموحاته اختبارا ستكشف عن درجة نجاحه الأيام القادمة في مسيرها نحو المستقبل المحتوم.

27/5/2022                

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1-وقائع هزيمة محتومة، فورين أفيرز: لماذا أخفقت أمريكا في أفغانستان، موقع الجزيرة، 30/6/2021.

 -2الشائع أن بدايات حركة طالبان كانت للقضاء على مظاهر الفساد التي خلفتها حروب الأحزاب الأفغانية بعد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان وسقوط حكومة نجيب، حيث كان قطع الطريق، والاعتداء على الممتلكات، وانتشار القتل أحد مظاهر ذلك الفساد، وقد أدى القضاء على هذه المظاهر وفرض الأمن إلى شيوع أمر الحركة والتفاف الناس حولها في بداياتها، والمقارنة بين هذه البداية وبدايات المرابطين يُوحي بأهمية دراسة حركة طالبان بذلك المنظور التاريخي.

 -3 كان ذلك أثناء الزيارة التي قام بها الأستاذ الفيلسوف محد عبده للفيلسوف البريطاني في مقر إقامته في مدينة برايتون البريطانية، في العاشر من أغسطس عام 1903، وذلك قبل وفاة سبينسر بنحو شهرين تقريبا، وقد ورد ذلك في مجلة الرسالة، العدد: 310، من مذكرات بلنت، تحت عنوان: صفحات مجهولة من حياة الإمام محمد عبده، بتاريخ: 12/6/1939.

 -4 طالبان: هل تنجح الحركة في التحول إلى مرحلة إدارة الدولة في أفغانستان، موقع BBC  بتاريخ: 2/9/2021.

 5-من مقال بعنوان: خبيران سويسريان يفسران أسباب العودة القوية لحركة طالبان، تقرير نشرته الوحدة الدولية التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية SWI، بتاريخ: 1/يونيو/2014، وقد وصفت المقالة (جاك. ف. بو) بالخبير في شؤون الإرهاب. وكان المذكور قد قام بزيارة إلى أفغانستان، ورجع بهذه النتائج، كما ذكر أن الولايات المتحدة تسعى إلى استغلال الانقسامات الداخلية الأفغانية كما فعلت في العراق، لكن لا شيء ينبئ بأن هذه الاستراتيجية ستكلل بالنجاح.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى