ملف عالمي

قصة أفغانستان (6).. مستقبل أفغانستان في ظل طالبان الجديدة

(6) والأخير

مستقبل أفغانستان في ظل طالبان الجديدة

           ـــــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغا ــــــــ

    لا يبدو من تتبع تاريخ الغزو الأمريكي لأفغانستان أنه حقق شيئاً يذكر من أهدافه، لا الأهداف المعلَنة ولا الخفية، لا السياسية منها، ولا العسكرية، ولا الأمنية، ولا الاقتصادية، وما يمكن احتسابه من المكاسب الأمريكية في شيء من ذلك يقابله حسابات من الخسائر ترجح كفتها على الكفة المقابلة، ومن ثم فالخسائر التي مُنِيَتْ بها الولايات المتحدة الأمريكية يمكن احتسابها أرباحاً للشعب الأفغاني ومقاومته للغزو الأمريكي بقيادة حركة طالبان.

كتب الصحفي الأمريكي (رود درييَر) مقرراً أن الانسحاب الأمريكي للولايات المتحدة من أفغانستان يشهد على الفشل الفكري والأخلاقي للنخبة الأمريكية، وسقوط الإمبراطورية الأمريكية نتيجة لذلك”1″.

وقد يكون من الشواهد على ما قاله (رود) إنّ غرور الولايات المتحدة وسياستها الاستعراضية في غزو أفغانستان أنسياها حقائق التاريخ والجغرافيا، كما أغفلت معهما الصعود المتواصل لقوى أخرى تزاحمها مكانتها العالمية، وانضاف إلى ذلك أخيراً تسارع وتيرة الأحداث العالمية بدءاً من وباء كورونا إلى الحرب الروسية الأكرانية، وما يتوقع من آثارها القريبة والمتوسطة والبعيدة، خاصة مع احتمال التغيّر في بنية النظام العالمي، وميلاد نظام دولي جديد، تنشأ معه حروب طويلة الأمد، وحروب مصالح وهيمنة على حساب دول أخرى، مع ظهور تحالفات وموازنات جديدة تبعا لنتائج الحرب”2″ .

لكن خروج الاحتلال من أفغانستان لا يعني بالضرورة استقرار البلاد، فثمة أسباب داخلية وخارجية كثيرة قد تؤدي إلى اختلال الأحوال، كما حصل عقب انسحاب الاتحاد السوفياتي منها أواخر ثمانينات القرن الماضي، وكل ذلك مرهون بقدرة طالبان الجديدة على إدارة جميع الملفات المؤثرة في حاضر البلاد ومستقبلها.

ثمة احتمالات (سيناريوهات) عدة يمكن أن يتجه إليها مستقبل البلاد:

السناريو الأول: أن تجر البلاد إلى دوامة صراعات داخلية طائفية وعرقية، على شاكلة ما وقع في التسعينات وما وقع في العراق، فالأعراق المكونة للمجتمع الأفغاني، والطوائف، وسنوات الحرب، وما تعانيه البلاد من آثارها، ووضع أفغانستان الإقليمي والدولي، يجعل ذلك ممكناً، وفي مثل هذه الظروف قد تفسر بعض تصرفات طالبان على أنها اضطهاد عرقي أو حزبي، وهذه قد تستغلها أحزاب المعارضة، أو أطراف خارجية أو داخلية لتحقيق مصالحها في المنطقة.

السناريو الثاني: تقسيم البلاد إلى دولتين بين الشمال والجنوب، وهذا قد يؤدي إليه طول أمد الحرب الأهلية، وتخوف بعض الدول المجاورة من تأثير ذلك على أمنها، خاصة مع انتشار السلاح والمخدرات في أفغانستان، إضافة إلى نزوح المهاجرين.

السيناريو الثالث: تقسيم البلاد على أساس عرقي، وقد تسعى إلى هذا الحل الدول المجاورة لأفغانستان، أوزبكستان، وطاجكستان، وباكستان، وإيران، وهذا السيناريو شبيه في السوء بسابقيه، غير أنه تعترضه مصالح أطراف أخرى في المنطقة، منها الصين، والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا خاصة بعد الحرب الروسية الأكرانية.

ويشمل هذا التوقع ضم الأجزاء التي تلي طاجكستان وأوزبكستان من أفغانستان، لقربها جغرافيا، إضافة إلى اللغة والثقافة المشتركة لشعوب هذه المناطق،أما باكستان فإن ضم مناطق البشتون الأفغانية إليها سيزيد العبء عليها، وقد تجتمع قبائل البشتون على المطالبة بالاستقلال واستعادة مكانتها التاريخية في المنطقة، وفي حال انضمام مناطق الهزارا إلى إيران فإن الصراع سيتحول إلى صراع إقليمي طائفي مما يزيد حدة التوتر في عموم الإقليم.

السناريو الرابع: أن تتمكن طالبان من تجاوز هذه التحديات، مستفيدة في ذلك من تجربتها السابقة، ومن تراكم الخبرات على مر أربعة عقود من الحرب، ومن التحولات الإقليمية والعالمية التي يشهدها العالم اليوم،وأهم عقبة أمام نجاح طالبان تشكيل حكومة واسعة تمثل أطياف المجتمع تمثيلاً حقيقياً وتعبر عن مطالبه ورغباته، واجتناب أية ممارسات يفهم منها اضطهاد شيء من الطوائف، خاصة مع وجود تنظيمات سابقة، ومعارضة، وجهات خارجية قد تجد في هذه الممارسات فرصة لاستقطاب المعارضين وتوظيفهم، كل حسب وِجهته مما يؤدي إلى اشعال فتائل الصراعات من جديد.

والعقبة التالية شعبية طالبان في المجتمع الأفغاني، وحاجتها إلى رفع مستوى الإنفاق من المال العام، إضافة إلى توفير فرص العمل، وتشجيع فرص الاستثمار باستقطاب رؤوس الأموال، وهذا لا ينمو إلا في ظل الأمن وشبكات قوية من الأمان الاجتماعي، وعلى قدر ما يكون من الخلل في هذه الإصلاحات سيكون تدفق الأموال إلى الخارج مما يؤثر سلبا على نمو البلاد واستقرارها.

مع نشوب الحرب الروسية الأكرانية ثمة توقعات لمزيد من الضغوط الاقتصادية على البلدان التي لها علاقات تجارية ومالية مباشرة، أو تعتمد على السياحة، وكذلك الاقتصادات التي تعتمد على الواردات النفطية، وأفغانستان ليست من هذه الدول، فقد كان اعتمادها على المعونات الخارجية إلى مجيء حكومة طالبان نحو 40%، وبعد العقوبات التي فرضت عليها عقب سقوطها بيد طالبان اتجهت الحركة نحو دعم القطاع الخاص، وصرح عبد السلام حنفي في مؤتمر للدبلوماسيين في شهر يناير/2022 بحاجة البلاد إلى اقتصاد قوي وديناميكي يعتمد بشكل أكبر على القدرة المحلية، مشيرا إلى أن الأهداف البعيدة تحقيقُ الاكتفاء الذاتي للاقتصاد الأفغاني. وهذا التوجه هو الذي ستدعمه حكومة طالبان في المرحلة القادمة خاصة مع اقتراب أفغانستان في القطاع الزراعي من الاكتفاء الذاتي، حيث بلغ انتاجها من القمح نحو خمسة ملايين طن، فهي بحاجة إلى مليون طن آخر لتحقيق الاكتفاء الذاتي، ومن جهة أخرى فإن حاجة الصين إلى أفغانستان في مبادرة الحزام والطريق، وحاجة إيران إلى تسويق صادراتها في أفغانستان سيفتح أمام الحكومة الجديدة أفاقا أخرى.

ثمة عقبات أخرى، فالتخوف من عودة تنظيم القاعدة، والخوف من تدفق اللاجئين إلى الدول المجاورة لأفغانستان في حال اضطراب الأوضاع، والحديث حول قضايا المرأة والتعليم، والعرقيات الأخرى في المجتمع الأفغاني، والأحزاب الجهادية والسياسية،كلها تشكل ضغوطا على قيادة حكومة طالبان للبلاد، كما توظف للضغط عليها،وإذا كان ما اتسمت به الحركة من الثبات على مبادئها طيلة مسارها حماها من التنازل والتراجع عن مقاومة المحتل، فإنها تملك في المقابل من المقومات الدينية والتاريخية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ما يمنحها مساحة واسعة من مطاوعة الظروف لتجاوز هذه العقبات”3″، وستبقى النتائج رهن استعداد قيادتها لذلك”4″.

على كل حال، يبدو أن التحديات أمام استقرار أفغانستان لن تكون أمراً يسيراً، ففي وقت كتابة هذا البحث خسر رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان منصبه بعد أن حجب البرلمان الثقة عن حكومته عقب أزمة سياسية استمرت عدة أسابيع، وفي ظل هذه التقاطعات الإقليمية والعالمية والاقتصادية والسياسية تظل قيادة أفغانستان للخروج من أزمتها أشبه بالمشي حافيا في طريق شائك، يحتاج إلى استفراغ الوسع في المعالجة مع مزيد من الصبر والحذر. “انتهى”

 1 -صحفي أمريكي يرصد محطات سقوط الإمبراطورية الأمريكية من العراق فسوريا إلى أفغانستان، موقع تي آر تي، 18/8/2021

 2-روسيا وأوكرانيا، هل يؤدي الغزو إلى نظام دولي جديد؟، موقع بي بي نيوز، 1/3/2022

 3 – الدين الإسلامي يمنح هذه المساحة الواسعة بما تميزت به أصوله وأحكامه من الجمع بين الثبات والمرونة، والفقه الإسلامي بمدارسه المتعددة، والتاريخ الإسلامي بما يشكله من حقل واسع لتجارب الممارسة والتطبيق كنز لا يقدر بثمن، وليست المشكلة في الدين الإسلامي نفسه لدعوة طالبان إلى تغييرات كبرى في علاقة الدين بالدولة، كما كتب عمار ديوب في موقع العربي الجديد بتاريخ 28/7/2021 تحت عنوان: هل تنهض طالبان بالدولة الأفغانية.

4 –  الحرب الروسية الأكرانية، نهاية النظام العالمي الذي عرفناه، مي عزام، موقع الجزيرة، 10/3/2022. ومن المهم هنا أن نذكر أن أمام حكومة طالبان الآن فرصة تاريخية في مرحلة فاصلة، تتراجع فيها تحت سطوة الحرب الروسية الأكرانية منظومةُ المفاهيم الغربية حول حقوق الديموقراطية وحقوق الإنسان والقيم الحاكمة التي رُوّج لها على أنها الضامن لحياة أفضل للأمم والشعوب، فالعالم في هذه المرحلة يتطلع إلى نموذج بديل عن القيم التي تتراجع، فهل يمكن للأمة العربية والإسلامية أن تستفيد من وضع أفغانستان الراهن لطرح هذا البديل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى