ملف عالمي

قصة أفغانستان(5)..حكومة “طالبان”..الواقع والتحدّيات  

ـــــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغاـــــــ

     (5)

 حكومة طالبان، الواقع والتحديات

أمام حكومة طالبان الجديدة جملة من التحديات يفرضها واقع أفغانستان الديني والتاريخي والديموغرافي والجيوسياسي، ومن هذه التحديات ما يتعلق بطالبان نفسها، ومنها ما يمليه الواقع، فهل تستطيع طالبان اقتحام هذه العقبات والتمييز في سياساتها بين مستويات التعامل مع هذه الملفات، فتحسن إدارة كل منها؟

يمكن تصنيف هذه التحديات في أربعة مستويات:

–     تحديات ذاتية ترجع إلى طالبان نفسها.

–     تحديات محلية تتمثل في أوضاع أفغانستان الداخلية.

–     تحديات إقليمية تنشأ عن محيطها الجغرافي والدول المجاورة لها.

–     تحديات دولية سببُها القوى العالمية والدول الكبرى

التحديات الذاتية:

تشكل منظومة الفكر عادة أولَ اختبار أمام إرادة التغيير، وللتغيير ركنان: عزمُ القيادة، ومطاوعة المجتمع، فإن تخلف أحدهما فلا تغيير، فكثيراً ما تعيد الأحداث والتجارب تشكيل منظومة فكر القيادة، غير أن المسافة بينها وبين الجماهير تزداد انفراجاً في زحمة انشغالها بالأحداث، فتحتاج عند بلوغها لحظة العزم على التغيير إلى فترة من الملاينة والمطاوعة، هي نفسها من خطة التغيير، فإن لم تفعل قام المجتمع سداً حائلا دون ذلك.

منظومة الفكر في مجتمع طالبان متأثرة بالنشأة والمجتمع القبلي والمذهب الفقهي الشرعي، وقد ظهرت آثار هذه الثلاثة في طالبان منذ بداياتها، في الحكم والإدارة واتخاذ القرار، وليس من السهل في سُنّة القوانين الاجتماعية أن تلين هذه الثلاثة في زمن يسير، إلا إذا فطنت حكومتها الجديدة إلى آليةٍ أمثلَ لصناعة القرار، واستيعاب أطياف المجتمع الأفغاني، واحتواء أصحاب الكفاءات، واستثمار الجهود كلِّها لتحقيق الهدف الواحد المنشود.

الشعب الأفغاني عامة يتصف بالعناد والصلابة، وسكان الجنوب من البلاد، قندهار ونواحيها أشدهم بأساً واعتياداً على خشونة العيش، ولعل بعض الألعاب الشعبية الرائجة بين الناس مثل البوزكشيد، ورمي الأحجار الثقيلة، والقبض على الجمر تعكسُ الطبيعة النفسية للقوم، لكنهم في الوقت نفسه مِطْواعون للقيم الدينية والأخلاقية، وهذا يفتح طريقاً أمام طالبان الجديدة للتأثير على توجهات المجتمع وتقليص المسافة بينه وبين قيادة التغيير.

لقد أُخذ على طالبان في فترة حكمها الأولى التعصبُ للرأي، وهذا ينتج عادة عن ظروف البيئة المحيطة ومنهج التربية والتعليم، وقد يصدر عن صاحبه وقت صدوره لا باعتباره تعصباً ولا مريداً للتعصب، بل لأنه كان حينذاك الحد الأعلى الذي يمكن أن تصل إليه قدرته على التفكير، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا هو السقف الأعلى من الفكر الذي يمكن أن يصل المجتمع إليه، بل ثمة سقف آخر يرتفع كلما ازداد المجتمع خبرة وممارسة لحلو الحياة ومُرّها، وهذا ما وقع لطالبان بالتحديد، ولا يزال يقع إلى اليوم، وسيظل يقع إلى حين، لكن المهم هنا أن نراعي أن المجتمع الأفغاني مجتمع مسلم، لسقفه حدود سينتهي إليها، هي الثوابت والقيم والأصول التي لا تصنف ضمن الرأي بحال، ولا يصح أن يسمى التمسك بها تعصباً للرأي، وإن لهجت وسائل الإعلام بذلك.

مسألة المرأة مثلاً، من المسائل التي يكثر اتهام طالبان بها، ويكتنف الخطابَ الإعلامي حولها كثير من اللبس والغموض، ومن البدهي أن من يصدر عنه هذا الخطاب يعرف الفارق بين ثقافة المجتمع الغربي والشرقي، وأنه لا يمكن ترويج ثقافة وافدة في مجتمع ما إلا بإحداث شرخ في الأفكار والتصورات، فتُمرر الثقافة الغازيةُ بضمها إلى ما يحتاج إلى الإصلاح من الثقافة المحلية، فالدعوة إلى تحرير المرأة تُضمُّ إلى الدعوة إلى إعطائها حقها من التعليم وحقها من الميراث، وكأن من يحاصر الشعوب وينتهب خيراتها يهمه أن تنال الشعوب المُحاصرةُ حظها من التعليم أو من القسمة الشرعية للإرث،  بل واضح من هذه السياسة أن المراد بها خلخلة أفكار المجتمع، وتفكيك نسيجه الاجتماعي، والتحدي الكبير أمام طالبان في  هذا الموضع تدارك إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح من الثقافة المحلية إصلاحا يتفق مع سماحة الإسلام ومقاصد الشرع من أداء الواجبات والحقوق، والتوسعة على الناس في المباحات حذر الوقوع في المنهيات، والكشف في المقابل عن الثقافة الوافدة ومنافاتها للقيم الدينية والأخلاقية والثقافية في المجتمع الأفغاني، وتقديم الحلول والبدائل التي تناسب قِيَم المجتمع وثقافته.

التحديات المحلية:

الديموقراطية في أفغانستان:

تصف كثير من وسائل الإعلام نظام طالبان بأنه نظام قمعي، لكن الملاحظ أن هذا الوصف مبني على المفاهيم الغربية للحرية والعدل، وهي مفاهيم يروج لها تحت شعار الديموقراطية، مع أن الديموقراطية بمفهومها الغربي تعاني من الازدواجية ومشكلة المصداقية، ويستشهد (باتريك كويريك)”1″  للبرهنة على هذه الازدواجية بأن التباعد والانفصال بين الكلمات والأفعال قد أصبح واضحاً بلا لبس. وهو يقصد انسحابَ الولايات المتحدة من أفغانستان وتخليَها عن حلفائها”2″ .

فالقيم الاجتماعية والأخلاقية التي تستند إلى جملة من العقائد والأفكار والسلوك، وهو ما يشكل في مجموعه قيم الديموقراطية لا يمكن تعميمها، لأنها بالضرورة تختلف في المجتمع الأمريكي والمجتمعات الغربية عنها في المجتمع الأفغاني، ويقال هنا ما قيل في قضية المرأة من وجود سقف ومرجع لهذه القيم في مجتمع طالبان الأفغاني، وعلى هذا فأمام طالبان وأنصارها في الشرق والعالم الإسلامي لحظة فارقة وفرصة تاريخية لإبراز تميز قيم العدل والشورى والكرامة الإنسانية التي يستلهمها الشرق من الإسلام عن القيم الديموقراطية الغربية التي يشهد العالم تراجعها يوما بعد يوم.

بل إن الجانب الإجرائي من الديموقراطية ليس بالضرورة أن يكون صالحا لأفغانستان لكونه يقبل التطبيق في المجتمع الأمريكي، أو غيره من المجتمعات الغربية، فالمجتمع الأفغاني – شأنه شأن المجتمعات العربية- لا يزال مجتمعاً قبلياً، يتحكم فيه شيخ القبيلة وأعراف القبيلة، وولاء الفرد فيه للقبيلة مقدم على ولائه لغيرها كائنا من كان، وهذا عكس ما عليه المجتمعات المدنية الغربية التي تلاشت فيها ظاهرة القبيلة أو تكاد، وعلى هذا فمن الممكن أن يمثل الفرد في المجتمع الغربي حزباً سياسياً، خلافاً للفرد في المجتمع الشرقي القبلي، فإنه يمثل القبيلة في المقام الأول وإن كان منتمياً إلى حزب من هذه الأحزاب، بل عادة ما تشكل الأحزاب السياسية في المجتمعات الشرقية ساحة للصراع على النفوذ بين القبائل”3″.

سيكون أمام طالبان في هذا الموضع عقبتان:

–     كسب الرأي الشعبي، وفتح مجال لحرية التعبير والتعاملِ مع وسائل الإعلام، خاصة مع انتشار وسائل التواصل والإعلام الخاص، ولن يكون في وسعها تقييدُ ذلك أو منعه إلا في حدود المصالح العامة المشتركة للبلاد.

–     والعقبة الثانية: تحقيق الاستقرار السياسي في البلاد كافة، بفسح الطريق للخصوم السياسيين والاتفاق معهم، والتنازل عن بعض المصالح التي تحقق الهدف الأعلى من الأمن السياسي وخروج البلاد من دوامة الحرب الداخلية التي قد تعصف بما تبقى من خيرات البلاد.

عقبات داخلية أخرى:

ثمة عقبات داخلية أخرى، على رأسها معالجة الأوضاع الاقتصادية في البلاد، إضافة إلى مشكلة زراعة المخدرات وما يترتب عليها من تبعات، وهذان موضوعان يحتاجان إلى دراسة مستقلة، ويمكن الإشارة في هذه العجالة إلى أن الزراعة والتعدين والرعي قد تحقق جزءاً كبيراً من الاكتفاء الذاتي للبلاد إن وجدت العناية الكافية بذلك”4″ .

التحديات الإقليمية:

موقع أفغانستان ووضعها الديني والديموغرافي يجعلها مسرحاً للصراع بين القوى الإقليمية والعالمية، وقبل ذلك فإن جميع الدول التي تحيط بأفغانستان تعد الوضع فيها متعلقاً بأمنها الاستراتيجي، إضافة إلى دول أخرى عديدة من خارج الإقليم – كالولايات المتحدة الأمريكية – تراه متعلقاً بأمنها كذلك.

أفغانستان من ناحية تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لكن الصعود الصيني من جهة، وتراجع النفوذ الأمريكي من جهة أخرى، والحرب الروسية الأكرانية وما قد تخلفه من آثار من جهة ثالثة، كل ذلك يضع مساحة التقاطع بين الدولتين في مستويات عدة تضيق تارة وتتسع أخرى، فهل تستطيع حكومة طالبان الجديدة التعامل مع هذه المستويات تعاملاً يخدم المصالح العليا للبلاد؟

روسيا وتوجهاتها الجديدة وزن آخر في المعادلة الأفغانية، استعادةُ نفوذها في المنطقة، وسعيها إلى سد الثغرات التي يخلفها تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة خصوصا بعد انسحابها من أفغانستان، وتأثير الحرب الروسية الأكرانية على دول القوقاز.

والمشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، والصراع الباكستاني الهندي، وتدخل أطراف أخرى خارجية لحساب مصالحها، أو لتصفية حسابات بينها، كل هذه العناصر تفرض بأوزانها الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية تفاعلات جديدة على المعادلة، تحتاج معها القيادة الأفغانية إلى خطة حكيمة تستثمر المعادلة لصالح البلاد قدر الإمكان.

أما التحديات الخارجية:

فعلى رأسها إدارة العلاقات الخارجية، سيان مع الدول أو المنظمات، وإن لم تحسن طالبان إدارة هذه الملفات فمن الممكن أن تخسر بالسياسة ما ربحته في الحرب”5″ ، ولعل التجربة الأولى لطالبان قد أكسبتها خبرة ومرونة في التعامل مع هذا الباب، وسيظل اعتراف المجتمع الدولي بشرعيتها نقطة تماس مع مبادئ الحركة وقِيَمِها التي ترفض التنازل عنها، لكن الناظر في اتجاه الأحداث العالمية ومسارِها، وتحولِ المشهد من عالم أحادي القطب إلى عالم متعدد الأقطاب، يكاد يحكم باستدارة الزمان لصالح الوضع في أفغانستان، في مستقبلها القريب والمتوسط على أقل تقدير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- المدير الأول للاستراتيجيات والبحوث ومركز التأثير العالمي في المعهد الجمهوري الدولي.

2 – مقال نشرته انتشرناشيونال انترست في 26/تشرين الثاني/2021، وانظر مقالا لعبد المنعم إبراهيم/ جريدة أخبار الخليج البحرينية، العدد: 16054، 7/3/2022).

3- القبائل في المجتمعات الشرقية التي تدين بالإسلام عنصر قوة لا عنصر ضعف، ولذلك لم يأت الإسلام بالقضاء على القبيلة، بل جاء باستثمارها، ووظائف القبيلة السياسية والاجتماعية والأخلاقية أدت دورا مهما في المحافظة على لحمة المجتمع الإسلامي رغم اختلاف الأحوال التي طرأت عليه، وهذا يرد على دعوة محمد عابد الجابري – في كتابه العقل السياسي العربي – إلى تحويل القبيلة في مجتمعنا إلى لا قبيلة، زاعما أن ذلك يفتح الباب لمجال سياسي حقيقي.  العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ط: التاسعة، ص: 374.

4 – الاقتصاد القائم على الإنتاج الحقيقي الذي يضيف قيمة حقيقية للناتج المحلي، والذي يضمن تداول المال بالاستحقاق بين جميع طبقات المجتمع، ويكفل حقوق الفقراء والمحتاجين في أموال الأغنياء، قادر بهذه الأسس على إخراج البلاد من عثراتها الاقتصادية، والعودة عليها بفوائد جمة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

5- عقب الانسحاب الأمريكي، هل تخسر طالبان بالسياسة ما ربحته بالحرب، محمد عثمان، موقع وكالة الأناضول، 25/8/2021.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى