ملف عراقي

قصة أفغانستان (4)..جذور طالبان ومقوّماتها..البيئة الاجتماعية والفكرية لنشأتها

ــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغاــــ  

        (4)

طالبان، الجذور والمقومات

البيئة الاجتماعية والفكرية لنشأة طالبان:

لا يمكن فهم طالبان أو تصنيفها في معزل عن المجتمع الأفغاني، فطالبان كما سبقت الإشارة إليه تعني طلبة العلم، وقد صار هذا اللفظ علماً بالغلبة في المجتمع الأفغاني على طلبة العلم الديني خاصة، حيث تنتشر المدارس الدينية المحلية في جميع ولايات أفغانستان ومدنها وقراها، ومنهج التدريس واحد في جميع هذه المدراس، وهو منهج تقليدي متعارف عليه منذ عشرات السنين بل أكثر، مما يساهم في تشكيل وحدة فكرية واحدة ومرجعية واحدة في المجتمع الأفغاني”1″ .

يبدأ المنهج الدراسي بعلوم الآلة، وعلى رأس ذلك علوم اللغة العربية، باعتبارها لغة الشرع الإسلامي، وبترجمة القرآن الكريم، وبعلوم المنطق والفلسفة والحكمة، ثم بالفقه الحنفي وأصوله، وتنتهي في العام الأخير بدراسة كتب الحديث النبوي، ليكون بعدها تخرج الطالب في احتفال عام يدل على احتفاء المجتمع بالعلم ومكانة العلماء فيه.

لهذا المنهج آثار على الفرد والمجتمع”2″ ، فاللغة العربية هي الرابط بين المجتمع والإسلام، ومن ثم فهي معظمة عندهم، ولا يزال الناس هناك يلهجون بحديث: أَحِبّوا العرب لثلاث، لأني عربي، والقرآنَ عربي، وكلام أهل الجنة عربي.  وهو حديث دائر مشهور على الألسنة مع ضعفه عند المحدثين، إلا أن ذلك دليل على الرباط الوثيق بالدين الإسلامي، بينما تساهم كتب المنطق والفلسفة في صناعة التفكير وتشكيل مقدماته ونتائجه، ومن ثم تقوم كتب المذهب على ربط الفرد بالمجتمع وتشكيل وحدته المذهبية، وتقرير مرجعيته الدينية والتاريخية”3″.

والمجتمع الأفغاني لما كان منعزلاً عن المجتمعات الإسلامية الأخرى بسبب بعده الجغرافي ظل المذهبُ الحنفيُّ هو المذهبَ الوحيدَ الرائج في البلاد، ومع ما في هذا الأمر من حسنةٍ تتمثل في وحدة المجتمع المذهبية، والتصدي للدخيل من المفاهيم، إلا أنه شكل عائقاً عن تفاعله مع المجتمعات الإسلامية الأخرى، فضلاً عن المجتمعات التي لا تدين بالإسلام، ولم تَلِنْ قناةُ المجتمع المذهبية -برغم سنوات الحرب الأربعين وما اقتضته من التواصل مع العالم الخارجي- إلا شيئاً يسيراً لا يكاد يذكر.

ولا بد من الإشارة هنا  إلى أن أفغانستان شهدت في سبعينات القرن الماضي بروز تيار إسلامي حركي، أسسه غلام محمد نيازي، الأستاذ في جامعة كابل، متأثراً بفكر أبي الأعلى المودودي الذي نشأ في القارة الهندية، وبدراسته في الأزهر ولقائه ببعض قادة الإخوان في مصر”4″، وبعد حصوله على الدكتوراه عاد إلى كابل وتولى منصب عميد كلية الشريعة فيها أيام حكم الملك داود، وما لبث أن حكم عليه بالسجن بعد اتهامه بمحاولة تغيير نظام الحكم، ووافاه الأجل مقتولاً في السجن عام 1978، وقد كان نيازي يرى أن الثورات الاجتماعية والسياسية لا يمكن لها النجاح إن لم تعتمد على التغيير الفكري والأيديولوجي، وبذلك تشكل تيار الإسلام الحركي في أفغانستان، وانتسب إليه جماعة من الشخصيات البارزة التي كان لها دور سياسي وميداني في قيادة المقاومة ضد الغزو السوفياتي، كما أصبح هذا التيار الحركي قسيما مقابلا للتيار التقليدي، لكن التيار التقليدي ظل أوسع انتشارا بين عامة الناس، وخاصة من البشتون، حينَ بقي التيار الحركي ألصق بطبقة المثقفين من المجتمع، على قلة المنتمين إلى هذه الطبقة فيه.

وجود هذين التيارين المتقابلين، أدى – مع ظروف الحرب التي مرت بها البلاد – إلى احتكاكات فكرية ومنهجية بين الطرفين، لكنه في الوقت نفسه ساهم إلى حد ما في خلق نوع من التوازن والمراجعات الفكرية والمنهجية، يمكننا أن نتلمس بعض آثارها في التوجهات السياسية لقيادات الفريقين في الأعوام الأخيرة”5″.

أسباب نشوء حركة طالبان:

أسباب عدة، ولا يمكن الاقتصار على سبب واحد، مع التنبيه على تفاوت الأسباب وتأثيرها:

–     سنوات الحرب التي خاضها الشعب الأفغاني ضد الاحتلال السوفياتي، وما خلفته على البلاد من أعباء اجتماعية واقتصادية وأمنية، فاحتاجت البلاد إلى من يخلصها من هذه الأعباء.

–     الخلافات بين الأحزاب الجهادية التي قادت المقاومة ضد الاحتلال السوفياتي، خاصة بعد انسحاب الاحتلال من البلاد، ورأس هذه الخلافات ما كان بين الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار، والجمعية الإسلامية بقيادة برهان الدين رباني، وقد ازدادت الخلافات بين الأحزاب حدة بعد سقوط حكومة نجيب، واستحالت إلى نزاعات سياسية وعسكرية، امتدت آثارها إلى عموم ولايات البلاد، فعظم اختلال الأمن، وتعطلت كثير من حاجات الناس ومصالحهم، بعد أن باءت محاولات الإصلاح بين المتنازعِين بالفشل، وبقي هذا الحال إلى سيطرة طالبان على كابل عام 1995.

–     مكانة العلماء في المجتمع الأفغاني، واتحاد طالبان مع القوى القبلية، وانطلاقها من قندهار التي كانت على مر التاريخ مركزا للقيادة البشتونية، كلها عوامل ساعدت على انطلاقة الحركة، وقد ساندها عند قيامها المولوي فضل الرحمن رئيس جمعية العلماء في باكستان، والمولوي سميع الحق بن المولوي عبد الحق مؤسس جامعة العلوم الحقانية، ولهذين نفوذ علمي في أفغانستان، حيث تخرج من مدرستيهما عشرات من علماء أفغانستان، ولذا انضم إلى حركة طالبان عند قيامها بعض القادة السابقين من أمثال جلال الدين حقاني، ويونس خالص لارتباطهما بهذه المدراس.

–     حاجة باكستان إلى حليف في المنطقة”6″، فقد شكلت سنوات الحرب واضطراب الأوضاع في أفغانستان ضغوطا عليها، فقد سعت باكستان منذ سنوات المقاومة ضد الاتحاد السوفياتي إلى تشكيل قوة بين البشتون تساندها في مواجهة القوى اليسارية والشيوعية في أفغانستان، وقد كان الحزب الإسلامي

  بقيادة حكمتيارصاحبَ الصدارة في هذا المشهد، لكنه مع اتساع دائرة المقاومة ضد السوفيات لم يستطع استيعاب القوى القبلية الأخرى، فانفصلت عنه أحزاب أخرى مثل المولوي محمد نبي ويونس خالص وغيرهم، وبعد دخول الحزب الإسلامي في صراعات داخلية مع الأحزاب الأفغانية كان على باكستان أن تبحث عن قوة جديدة تحقق بها الحد الأدنى من مصالحها في المنطقة”7″ .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“1”- لهذا المنهج تأثير على نظام طالبان في الحكم كما سيأتي. انظر مقالا بعنوان: حركة طالبان، النشأة والفكر والتنظيم، موقع قناة الجزيرة، 16/8/2021

 “2”- هذا المنهج متأثر إلى حد كبير بمنهج دار العلوم في ديوبند، نسبة إلى المدرسة التي أسسها محمد قاسم النانوتوي، وكان أول مدير لها، جدير بالذكر أن الشيخ النانوتوي هذا كان أحد الوجهاء العلماء الذين قادوا المعارك ضد الاستعمار الإنجليزي في الهند، في منطقتي تهانه يهون، وشاملي، وبعد تراجع المقاومة لعدة أسباب، وإصدار الاحتلال الإنجليزي أمرا بالقبض عليه اختفى عن الأنظار أكثر من ثلاثة أعوام، سافر أثناءها إلى الحج، وبعد عودته وهدوء الأوضاع عاد إلى عمله في تصحيح الكتب في بعض المطابع، ثم أشرف على تأسيس المدرسة المذكورة.

 “3”-لكن في مقابل هذه الحسنة، تشكل عن هذه الطريقة في التعليم عقل التقليد، الذي انعكست آثاره على تفاعل المجتمع مع التغيرات التي تطرأ على الحياة المدنية، وما يقتضيه النهوض من سرعة الاستجابة والقدرة على التكيف الموزون مع هذه المتغيرات، في مشكلات أخرى يطول الآن شرحها.

 “4”-يلاحظ أن الحركة الإسلامية في أفغانستان تأثرت بالحركة الإسلامية في مصر أكثر من تأثرها بالحركة الإسلامية التي أسسها المودودي في شبه القارة الهندية، وهذا يرجع إلى أسباب منها التشابه في العادات والأعراف الاجتماعية بين العرب والأفغان، فالأمم العربية أقرب إليهم من الأمم الهندية سجية وطبعا، ويمكن أن يستفاد من هذا ترجيح قوة الطبائع على قوة الجغرافيا.

“5”-أحاول في هذه المباحث المختصرة أن أفتح الأبواب لدراسة التجربة الأفغانية، فلا يتسع المجال هنا للتدليل تفصيلا على كل ما يرد في البحث، ويمكن للباحث المعني بالأمر أن يتتبع مثلا كتابات المفكرين الأفغان من الطرفين، وتصريحاتهم، ويلاحظ تطور الفكر والمنهج، ويقارن بينه وبين الممارسات في الواقع.

 “6”- لعل التعبير بكلمة: حليف، في هذه الجملة يعبر عن حقيقة المطلوب، فليس في مقدور باكستان أن تتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ والامتداد السكاني والروابط التاريخية والثقافية لشعوب أفغانستان، فمحاولة فرض التبعية على تلك الشعوب سيأتي بعكس الهدف المطلوب، لأن حقائق الجغرافيا والتاريخ أبقى من النفوذ العسكري والسياسي.

 “7”- لا يلزم من هذا تصنيف طالبان أو غيرها من الأحزاب الأفغانية على أنها أدوات فحسب كما يجهر به بعضهم، ولا نغفل في أبحاثنا العلمية العوامل المؤثرة المشتركة بين شعوب المنطقة، التي ترجع إلى وحدة الدين والثقافة والتاريخ، إضافة إلى تطلعات الشعوب الإسلامية وطموحاتها، وهذا يفرض علينا اعتبارات في البحث والتقييم تخص شداة الإصلاح في أمتنا وحدهم دون غيرهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى