ملف عالمي

قصة أفغانستان (3)..في إطارها الإقليمي..المحضن الذي نشأت فيه طالبان

       ــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغاــــ  

(3) أفغانستان في إطارها الإقليمي:

المحضن الذي نشأت فيه طالبان

تقع أفغانستان في آسيا الوسطى، وتحدها طاجكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان شمالاً، وإيران غرباً، والصين شرقاً، وباكستان جنوباً.

ويُلاحَظ أن للشعوب التي تسكن أفغانستان امتداداً في دول الجوار، فثمة مشترك ديني وثقافي بين هذه الشعوب، ولهذا أثره في وحدة سكان هذه البلاد انتماءً وشعوراً، وإنْ أبدت الحالة السياسية خلاف ذلك.

وأما المحددات المؤثرة في طبيعة علاقة دول الجوار بأفغانستان فيمكن الحديث عنها على النحو التالي:

طاجكستان: دولة حبيسة في آسيا الوسطى، على الحدود مع أفغانستان، يقدر عدد سكانها بثمانية ملايين نسمة، ويشكل الطاجيك الفرس نحو 37% من مجموع سكان أفغانستان، وغالبهم يسكنون المناطق الشمالية المتاخمة لحدود أفغانستان، ومنهم القائد المعروف وقت الغزو السوفيتي أحمد شاه مسعود.

أوزبكستان: يقدر عدد سكانها بنحو (34000000) نسمة، وكلمة أوزبك، تعني: سيد نفسه، كما سمعته من كبارهم، ظهر هذا الاسم في القرن الخامس عشر، وهم قوم من الترك الذين هاجروا إلى بلاد ما وراء النهر واستوطنوها، والنسبة الأكبر من سكانها مسلمون، مع وجود أقليات أخرى من بينهم اليهود، وثمة إحصاءات تقدر عدد الأوزبك الأفغان بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة من مجموع السكان، وغالب الأفغان الأوزبك يقطنون المناطق الشمالية من أفغانسان، وهي الولايات التي تقع على الحدود مع أوزبكستان وغيرها من جمهوريات القوقاز.

تركمانستان: من دول آسيا الوسطى، تقع أفغانستان إلى الجنوب الشرقي منها، وتطل على بحر قزوين من الغرب، وهذا يجعلها أحد المنافذ البحرية لأفغانستان، كما أنها تختزن ثالث أو رابع احتياط للغاز الطبيعي في العالم.

تشكل قبائل الأوغوز التركية العرق الأساس للسكان، ومع دخول هذه القبائل الإسلام آل إليهم حكم تركمانستان، وقاموا بعد ذلك بدور مهم في نشر الثقافة التركية في أذربيجان وشرق تركيا، في القرن الخامس عشر بينما كانت هذه المنطقة تشهد حروباً طاحنة كان الجنوب منها بيد الصفويين، وفي عام 1740 وقع القسم الأكبر منها تحت سيطرة الإيرانيين زمن الشاه نادر، وفي القرن الثامن عشر دخلت تحت سيطرة هيفا وبخارى إلى أن سيطرت عليها الإمبراطورية الروسية أواخر القرن التاسع عشر، ثم منحت حكماً ذاتياً أوائل القرن العشرين، وأصبحت عام 1924 إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، واستقلت بعد انهياره عام 1991.

وتبلغ نسبة المسلمين في تركمانستان 89%، وهم سنة أحناف المذهب، والمسيحيون 9%، بينما توجد أقليات بهائية دخلت البلاد مع نشوء هذه الفرقة في إيران، كما توجد أقلية من الشيعة الإثني عشرية غالبهم من الأذريين. 

وللتركمان امتداد في أفغانستان، حيث يشكلون حوالي 2% من مجموع السكان.

ملاحظة: الأوزبك والتركمان من الشعوب الأوروآسيوية التي تنتمي إلى مصطلح الترك الذي يعبر عن مجموع الإثنيات اللغوية للشعوب التركية، فمصطلح ترك يطلق على مجموعة من الشعوب التي عاشت في أواسط آسيا كموطن أصلي لها.

مما هو جدير بالاهتمام والذكر أن هذه البلاد المترامية الأطراف قد شهدت عبر تاريخها الإسلامي الطويل نشاطاً علمياً، تمثل في عشرات المدراس التي خرجت مئات من العلماء، ومئات من المصنفات في مختلف العلوم والفنون.”1″

إيران: تقع غرب أفغانستان، وتبلغ حدودها مع أفغانستان (936) كم، وثمة جملة من محددات العلاقة بين أفغانستان وإيران إضافة إلى الحدود المشتركة، أهمها اللغة الفارسية المشتركة، والمذهب الشيعي الذي يبلغ نحو 80% من مجموع سكان إيران، بينما يتراوح في أفغانستان بين 10 – 15 % من مجموع سكانها، كما توجد أقليات أخرى مشتركة كالتركمان والعرب، زد على ذلك جملة من القضايا المعلقة من بينها قضايا اللاجئين الأفغان، ودعوى إيران ملكية نهر هلمند، واتهام إيران بإعدام آلاف من السجناء الأفغان.

وكما يشكل وضع أفغانستان المضطرب مجالاً لتمدد المشروع الإيراني، فيمكن لأفغانستان أن تشكل ضغطاً على إيران كذلك، لأن أي استقرار في أفغانستان سيؤدي في المحصلة إلى تقوية أهل السنة في إيران، الذين تبلغ نسبتهم في بعض الإحصاءات نحو 20% في المائة، أو 9% على أقل تقدير، كما أن استقرارها يصب من ناحية في مصلحة تركيا التي تشاطر إيران 499 كم من الحدود المشتركة، خاصة مع طبيعة العلاقات التركية الإيرانية المشوبة بالحذر والتوتر منذ أعوام طويلة.

الصين: الحدود الأفغانية الصينية هي 70 كم تقريباً، ومع ذلك فإن احتلال السوفيات أفغانستان لم يرضه الصينيون، وأبلغت دولة الصين الاتحاد السوفيتي آنذاك أن ذلك يثير قلقها، وطالبته بإنهاء احتلال أفغانستان، فللصين تاريخ طويل مع أفغانستان، وقد كانت أفغانستان مركز طريق الحرير على مر التاريخ، لكن مع هزيمة الاتحاد السوفيتي، ومع انفتاح الصين تدريجيا على الأسواق العالمية من جهة، ومع الصعود الحالي للصين، ومشروع طريق الحرير الجديد الذي شكل شرياناً حيًّا للتجارة الصينية عبر قرون عديدة، مع هذا وذاك أصبحت أفغانستان محطة مهمة بالنسبة للصين، وتجدر الإشارة هنا إلى أن طريق الحرير يتكون من مجموعة طرق برية وبحرية يتصل بعضها ببعض، تبلغ نحو 12000 كم، تعبره السفن والقوافل بين الصين وأوروبا محملة بالعطور والتوابل والحرير، وهو فرعان، فرع يتجه شمال شرق أوروبا والبحر الأسود وصولاً إلى إيطاليا، والثاني يمر عبر أفغانستان وإيران والعراق وسوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، وعلى قدر أهمية هذا الطريق للصين وتخوف الاتحاد الأوروبي من رجحان الميزان الاقتصادي لصالح الصين بسببه، وتخوف أمريكا من تأثير ذلك في أهميتها السياسية والاقتصادية، على قدر ذلك كله تثبت أهمية أفغانستان بالنسبة للصين والدول المستفيدة من هذا الطريق.

في شهر يونيو الماضي اعتبر المتحدث باسم طالبان سهيل شاهين الصين دولة صديقة، وتوقع منها الوفاء بالتزاماتها حول الاستثمار في أفغانستان، وأن يشمل ذلك المناطق الخاضعة لسيطرة الطالبان، كما تعهدت الحركة بعدم السماح للإيغور الأتراك في شينغيانغ بالانتقال إلى أفغانسان، أو ممارسة أي نشاط ضد الصين، هم والقاعدة وأية جماعة أخرى في ذلك سواء.

باكستان: تشترك مع أفغانستان في حدود طويلة، وترتبط بها تاريخياً وثقافياً، كما أن ديموغرافيا السكان البشتون تشكل وحدة مشتركة بين البلدين، وكلا البلدين عضو في رابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي، ومع ذلك تشوب العلاقة بين البلدين توترات لأسباب مختلفة، بدأت مع الإعلان عن استقلال باكستان عام 1947، حيث صوتت أفغانستان ضد عضوية باكستان في الأمم المتحدة اعتراضاً على استمرار خط ديوراند”2″ ، وعلى إثر الإعلان عن استقلال باكستان دعمت أفغانستان بعض الحركات الانفصالية،  وقدمت مطالبات بضم مساحات واسعة من الأراضي الباكستانية، وفي عام 1952 قدمت أفغانستان مخططاً طالبت فيه بضم إقليمي بشتونستان وبلوشستان، ووجه إليها الاتهام بتقديم المزيد من دعم الانفصاليين الباكستانيين، مما أدى إلى مناوشات بين البلدين عام 1960، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين من 1961 إلى 1963، ثم زادت التوترات مع الغزو السوفياتي لأفغانستان والقضايا المتعلقة بذلك، ومن بينها المهاجرون الأفغان في باكستان، وفي العقود الثلاثة الأخيرة تكرر تبادل الاتهامات بين البلدين، فمن جهة يتهم الجيش الباكستاني أفغانستان بإيواء جماعات مختلفة تشن هجمات ضد باكستان، ومن الجهة الأخرى تتهم السلطات الأفغانية الاستخبارات الباكستانية بدعم أمراء الحرب وحركة طالبان، وبإقامة معسكرات داخل الأراضي الباكستانية لجماعات تستهدف أفغانستان، وقد أدت هذه الاتهامات إضافة إلى الظروف الناشئة عن استمرار التوتر في المنطقة إلى تنامي المشاعر المعادية لباكستان في الداخل الأفغاني من ناحية، وإلى تنامي مشاعر الاستياء من اللاجئين الأفغان في الداخل الباكستاني من ناحية أخرى.

   في حساب آخر، تشكل أفغانستان بالنسبة لباكستان عمقاً استراتيجياً، خاصة في ظل الظروف والأوضاع التي تفرزها طبيعة علاقاتها مع الهند وإيران، ويؤيد أهمية هذا العمق الجغرافيا السياسية المترابطة بين البلدين، وقد سبق للبلدين بصورتَيْهِما الحاليتين أن شكلتا وحدة جغرافية وسياسية واحدة في عهد الدولة

    الدورانية التي استمرت بين عامي (1774) إلى (1826)، وكان على رأسها الملك أحمد شاه دراني، الذي اتخذ من قندهار مركزاً لسلطته، ثم تحول إلى كابل، وضم إلى مملكته لاحقاً البنجاب والسند وبلوشستان وكشمير، فثمة وحدة تاريخية بين البلدين، ووحدة مصير، إضافة إلى تطلعات شعوب المنطقة لوحدة إسلامية جامعة، وهذا ما جعل إدارة أوباما أثناء حربها على ما سمته (إرهابا) تضع البلدين في إطار أهداف سياسية أمنية مشتركة.

يلاحظ أن جميع الدول التي تشترك في حدود مع أفغانستان تشترك أيضا فيما يساورها من القلق من توتر الأوضاع في أفغانستان، حيث تخشى على مصالحها الوطنية وتهديد استقراراها، وتهديد الأمن الإقليمي من جهة، خاصة مع القدر الكبير من السلاح الذي تم توريده إلى أفغانستان طيلة العقود الأربعة الماضية، ومن جهة أخرى فأفغانستان ظلت موطناً لإنتاج المخدرات وتصديرها، دون خضوعها للسيطرة أو تقييدها بقانون.

روسيا وأفغانستان: شكلت أفغانستان لقرون عديدة محور صراعات بين روسيا وقوى إقليمية وعالمية، بسبب موقعها في قلب آسيا الوسطى، ولأنها أقرب الطرق إلى أوساط جنوب آسيا، ومع خروج الاتحاد السوفيتي مهزوماً من أفغانستان عام 1992 إلا أن أفغانستان ظلت محل عناية روسيا لأسباب عديدة على رأسها تخوفها مما تسميه تهديدات إرهابية، إضافة إلى اتخاذها معبراً لتهريب المخدرات إلى أوروبا، وتأثير الوضع في أفغانستان على ازدياد موجات الهجرة غير الشرعية إلى روسيا.

من ناحية فإن تدخل أمريكا في المنطقة لأجل مصالحها العسكرية والاقتصادية أدى إلى زيادة حدة التنافس بين موسكو وواشنطن، وتسعى موسكو إلى ضمان السيطرة على موارد النفط والغاز في المنطقة، كما تفعل في تركمانستان حيث تقوم بإعادة بيع النفط والغاز إلى أوروبا.

المهم بالنسبة لموسكو بعد انسحاب القوات الأمريكية والأجنبية منها ألا تصبح أفغانستان منطلقاً لزعزعة استقرار آسيا الوسطى، ولهذا فتحت باب التواصل والحوار مع طالبان، مع أنها رسمياً لم ترفع الحركة مما تسميه قوائم الإرهاب، كما استضافت في الأشهر الأخيرة ممثلين عن طالبان، لكنها في الوقت نفسه قامت بإعادة تهيئة القاعدة العسكرية الروسية في طاجكستان، وتزويدها بمعدات حديثة، وأعلنت رسميا أنها لن تتدخل عسكريا في أفغانستان إلا إذا تعرضت هي أو أحد حلفائها في آسيا الوسطى لتهديد أو خطر مباشر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1 – حين يبلغ الحديث هذه البلاد يستحضر الذهن أسماء كثير من المدن التي  لم تزل على مر تاريخها الطويل منبعا للعلوم، ومهداً للحضارة، بخارى، سمرقند، ترمذ، بلخ، فارياب، قندوز، بدخشان، ولا تزال تقرأ وأنت تطالع تاريخها أسماء عشرات من العلماء الذين ينتسبون إليها، البخاري صاحب الصحيح، والترمذي صاحب السنن، وأبا الليث السمرقندي، ومحمد بن يوسف الفاريابي من رواة البخاري، والبدخشي، والبلخي، وغيرهم كثير، وقد تتبع كاتب هذه السطور قبل سنوات طوال من نسب إلى بلخ من العلماء فبلغوا عدداً كبيراً يصلح أن تكون تراجمهم في عدة مجلدات، وهكذا حال المدن الأخرى في تلك البلاد، ولا يزال فيها بقية من ذلك إلى يوم الناس هذا، والعلم حيث وُجد فهو نواة الحضارة، قد يصفرُّ الأخضر من النبات ويصبح هشيماً تذروه الرياح، لكن لا تلبث البذور أن تحيا ثانية حين يقبل الربيع.

  2- نسبة إلى هنري ديوراند سكرتير الشؤون الخارجية في حكومة الهند البريطانية، وهو الذي رأس الوفد البريطاني لترسيم الحدود بين أفغانستان وباكستان، ويبلغ طول الخط 2200 كم، وقد وقعت الاتفاقية مع الأمير عبد الرحمن خان الأفغاني عام 1893، ومدتها مائة عام، ونتج عن هذا الخط تقسيم سياسي لمناطق البشتون والبلوش وأعراق أخرى تسكن المناطق المجاورة للحدود، ويصنف هذا الخط واحدا من أخطر خطوط الحدود في العالم).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى