ملف عالمي

قصة أفغانستان (2) الموقع والتاريخ..الدين..اللغة والثقافة

  ــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغاــــ  

(2)موقع أفغانستان الجغرافي:

تحتل أفغانستان من قارة آسيا موقعاً استراتيجياً، وتقع في القسم الجنوبي الغربي منها، حيث تقع على الطريق التجارية التي تربط جنوب القارة وشرقها، بقارة أوروبا، وبالشرق الأوسط، كما تقع على حدودها دول ست، وتبلغ مساحتها 652230 كم مربعاً، ولا يتاخمها شيء من المنافذ البحرية، فهي دولة حبيسة.

أما تضاريسها فتغلب عليها المناطق الجبلية الوعرة، خاصة في المناطق الوسطى والشرقية منها، وفي الشمال تتوزّع بعض السهول بين سلاسل جبلية، كما توجد بعض الصحاري في الشمال والجنوب منها، وبين ذلك كله أنهار وأودية خصبة، ولهذه التضاريس أثر في طبيعة السكان حيث خشونة العيش ومباشرة الأعمال اليدوية كالرعي والتحطيب والتعدين، إضافة إلى أثر ذلك في التماسك القبلي، فالقبيلة تشكل وحدةَ أساسٍ في المجتمع الأفغاني.

حَرِيٌّ بالذكر هنا أن المجتمع القبلي -كالمجتمع الأفغاني- لا يخلو في حياته العادية من ممارسة القتال الذي قد يرجع إلى أسباب مختلفة، منها الثأر مثلاً، أو النزاع على بعض الأراضي والأملاك، ولهذا تأثير في إكساب المجتمع استعداداً للحرب، كما يجعلها في حياته أمراً مألوفاً، لكن قوة الوحدة القبلية تظل أعلى تأثيراً عندما يقصد البلاد غزو خارجي، مما يحمل المجتمع على تأجيل الخلافات وتناسيها للتصدي له”1″ ، وفي مثل المجتمع الأفغاني ينضاف إلى ذلك العقيدة الإسلامية التي تقضي بوجوب دفع المعتدي، وتجعل من الدفاع عن الوطن والعرض والمال شهادة في سبيل الله، مما جعل ابن تيمية يذكر أن الجهاد في سبيل الله واحد من أهم أسباب اجتماع الكلمة ووحدة الأمة، وأصدق ما يعبّر عن هذه الحال المثل الشعبي السائد: (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب). وقد كانت هذه الثقافة هي السائدةَ بالفعل في المجتمع الأفغاني عقب إعلان الولايات المتحدة الأمريكية نيتها غزو أفغانستان، كما دلت على ذلك -بمثل هذا- تصريحات صدرت لبعض المسؤولين من مخالفي حركة طالبان آنذاك.

حياة ابن الجبل والصحراء لا تكتنفها قيود الحياة المدنية التي تكبل صاحبَها معنوياً ومادياً، ويكون من ثمارها ترويضُ النفس على التنازل عن كثير من الأمور رغبة في استمرار طراوة الحياة المدنية، بينما يظل مجتمع الجبل خلياً من تلك القيود، يستشعر الحرية في أقواله وأفعاله، وهو من ثم مستعد لدفع الثمن بالغاً ما بلغ، ليحافظ على سيادته وحريته. ومن ناحية أخرى فهو شديد الاعتزاز والتمسّك بموروثه الديني والأخلاقي، ففي هذا الموضع تلاقت فلسفةُ الإسلام في تحرير الناس من العبودية لغير الخالق، وتعاليمُه في تقرير مبدأ سيادة المسلم وحريته، وطبيعةُ الحياة التي يعيشها المجتمع الأفغاني.

بعض المدن الأفغانية مثل كابل وقندهار وبلخ وغيرها التي دخلها نوع من المدنية تأثرت بنيتها التحتية لأجل ما تعرضت له البلاد من الغزو الخارجي والحروب الداخلية طوال أربعة عقود مضت، وكان آخرها الغزو الأمريكي الذي أعلن انسحابه بعد عشرين عاماً من مقاومة أهل البلاد، أما بقية أفغانستان فلا يوجد فيها بنية تحتية بالمعنى المتداول أصلاً، وإنما هي قُرىً تبدو الحياة فيها بدائية إلى حد بعيد.

اللغة والسكان:

تقطن في أفغانستان أعراق مختلفة تبلغ نحو عشرين عرقاً، وتقدر الإحصاءات الرسمية عدد سكان أفغانستان بنحو اثنين وثلاثين مليون نسمة، وتبلغ مساحتها نحو 650000 كم، واللغات الرئيسة فيها هي الفارسية الدرية (نسبة إلى كلمة دَرْيا في الفارسية، وتعني النهر)، وهي لهجة فارسية أفغانية تمييزاً لها عن الفارسية الإيرانية، واللغة الثانية هي لغة البشتو الأفغانية، وهي اللغة الأكثر انتشاراً في أفغانستان، حيث يتحدثها نحو 60% أو أكثر من سكان أفغانستان، إضافة إلى كونها لغة القبائل التي تقطن المناطق الحدودية من الأراضي الباكستانية المتاخمة للحدود الأفغانية، وأما اللغة الفارسية فهي لغة أصلية لنحو 37 % من سكانها، لكنها لغة تواصل مشترك يتحدثها نحو 80% من الأفغان، كما أنها تُدرَّس في المدارس أيضا، بينما تشكل لغات أخرى كالأوزبكية والنورستانية وغيرها النسبة المتبقية.

أما مناخ أفغانستان فقاري شديد البرودة شتاءً، دافئٌ أو حار صيفاً، سوى بعض المناطق المرتفعة، التي يصل ارتفاع بعضها إلى نحو عشرين ألف قدم، وهذه الحالة المناخية تكسب السكان صفة الكمون الطويل في فترات الشتاء بعد الاستعداد له في الصيف، والكمون يصحبه تعويد النفس على الصبر والمثابرة، كما يعوده على التأني واقتناص الفرصة، وهو ما يفسر أحد أسباب تشكيل مجتمع أفغانستان المحارب عبر تاريخها الطويل.

ومن حيث التوزيع الديموغرافي فإن الأفغان البشتون يقطنون المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد في نحو 60% من مساحتها، بينما يسكن الطاجيك الفرس والأوزبك المناطق الشمالية من البلاد.

والغالب على شعوب أفغانستان القبلية والعشائرية، ولا يزال ذلك هو السائد بينهم، والأفغان قوم أولو بأس شديد كما وصفهم ابن بطوطة في رحلته لما زار كابول، ولا يزال مجلس شيوخ العشائر المسمى عندهم (لويا جركا) هو الذي يمثل السلطة العليا في البلاد، ولا تزال الأعراف والعادات القبلية هي المتحكمة في الذوق العام، وحيث يقوى العرف تضعف سلطة القانون، كما يقول ول ديورانت في قصة الحضارة، وفي السنوات العشرين من الاحتلال الأمريكي رغم جميع المحاولات التي بذلت لتغريب المجتمع إلا أن العادات والأعراف وقفت سداً دون ذلك، ففي تقرير نشره موقع البي بي سي عام 2017 قدر عدد من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفقط 27%، إضافة إلى أن انتشار أجهزة  الحاسوب لا يزال قليلاً، ومما يذكر هنا أن إذاعات الراديو لا تزال هي الأكثرَ أثراً على عامة الشعب، وقلَّ أن تجد أفغانياً بلغ سن الشباب إلا وهو يحمل راديو الجيب.

يشار هنا إلى أن غلبة الأمية والقبلية تشكّل سلاحاً ذا حدين، فكما يقف حائلاً دون التغريب من جهة لقوة العادات والتقاليد المانعة من تقبل ثقافة أخرى، لكنه في المقابل وسيط ناقل سريع للإشاعات والأخبار.

ملاحظة في تاريخ السلطة في أفغانستان:

مما يلاحظه قارئ التاريخ الأفغاني أن السلطة العليا في حكم البلاد غالباً ما تكون للأفغان البشتون، وهذه هي الحال في المائة سنة الأخيرة منذ إعلان الأمير أمان الله خان عام 1919 استقلال أفغانستان عن النفوذ البريطاني.

ظلت أفغانستان طوال تاريخها بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يربط شرق آسيا بغربها، ووسطها بجنوبها هدفاً للغزاة منذ عهد الإغريق والإسكندر الأكبر، إلى عهد الفتح الإسلامي، ثم حكم المغول وغيرها من الدول، كما ساعدت طبيعتها الجغرافية والسكانية هذه الدول على إنشاء ممالك امتدت في البلاد المجاورة، فقد قدر بعض مؤرخي الأفغان عدد من حكم الهند من ملوك الأفغان في حقب تاريخية مختلفة بنحو أربعين ملكاً.

الدين والثقافة في أفغانستان:

السمة الغالبة على المجتمع الأفغاني هي التديّن والتمسك بالعرف”2″ ، وقد كان لسنوات الجهاد التي خاضها الشعب الأفغاني لمقاومة الاحتلال السوفياتي أثرٌ في تشكيل العقل الجمعي للشعب الأفغاني، وفي إحياء معاني المقاومة والتضحية والدفاع عن الوطن ضد الغزو الخارجي، وهذا الأثر يضاف إلى المقومات الأخرى التي سبقت الإشارة إليها وكانت في مجموعها من أسباب استمرار الشعب الأفغاني في مقاومة الغزو الأمريكي، ومع أن خطة الغزاة حاولت الفصل بين الشعب الأفغاني وبين طالبان بُغْيَةَ التضييق على طالبان ومحاصرتها وتأليب الشعب الأفغاني عليها، إلا أن النتيجة كانت فاشلة تبعاً لفشل المقدمةِ التي بُنِيَتْ عليها، فطالبان لم تَعْنِ بحالٍ تنظيماً سياسياً ولا حزباً، لا في السابق ولا في اللاحق، بل اسمها كافٍ للدلالة على معناها، فإنها تعني (الطلبة) جمع طالب، والمقصود: طلبة المدراس العلمية الدينية، وهي مدارس عامة في جميع البلاد الأفغانية، ويشكل التعليم الديني المادة الأساس فيها، وهي موجودة في جميع الولايات الأفغانية، منتشرةٌ في المدن والقرى، فهي مؤسسة محلية من مؤسسات المجتمع، يقوم السكان المحليون على دعمها في الغالب، فالمجتمع كله شريك في تكوينها كما أنه شريك في ثمرتها، وهذا يعني أن المحضن الطبيعي لطالبان هو المجتمع الأفغاني برُمّتِهِ، فتلميذ المدرسة ومعلمها هو ابن القبيلة والقرية، وهذا التكوين يتحكم في علاقات المجتمع وتصرفات أفراده على جميع المستويات، كما أن احترام العلماء وطلبة العلم أصيل في ثقافة المجتمع الإسلامية، فمن يحاسب الفرد في المجتمع كائناً من كان هي القبيلة المتمسكة بالعرف لا سلطة القانون، بل تكاد سلطة القانون تنعدم مع قوة العرف في البلاد، وهذا أحد الأسباب التي تفسر سرعة انحلال الجيش الأفغاني مع انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من البلاد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  1. يساعد هذا في تفسير انضمام كثير من بارونات الحرب السابقين إلى طالبان، وهؤلاء البارونات لهم نفوذ قوي في البلاد، وكانوا قد شاركوا في تشكيل ميلشيات شعبية أفغانية، وقادوا حركات مقاومة شعبية ضد الاحتلال السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي.. لمزيد من التفاصيل حول بارونات الحرب في أفغانستان، انظر مقالا بعنوان: أفغانستان ونفوذ تجار الحرب، للكاتب والمحلل السياسي الباكستاني: همدرد أبو أحمد، نشرته مجلة البيان في 6/1426 هجرية.
  2. سيأتي الحديث عن أثر ذلك على ظواهر اجتماعية أخرى في المجتمع الأفغاني، كالموقف من المرأة وتعليمها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى