ملف عالمي

قصة أفغانستان…(1)..مقدمات ضرورية قبل قراءة المشهد الأفغاني

                  ــــ بقلم: د. خالد فتحي خالد الأغاــــ  

  • (1) مقدمات ضرورية قبل قراءة المشهد الأفغاني

   أفغانستان:

   الحديث عن بلد كأفغانستان يحتاج إلى موسوعية في المعرفة، فبلدة يسطر تاريخُها في القرنين الأخيرين منه هزيمةَ ثلاث امبراطوريات من أكبر الإمبراطوريات التي عُرفت في العصر الحديث، لن يَخْلُوَ تفردُ الباحث بالكتابة فيه من المغامرة والمجازفة، فالفواعل والمؤثرات التي صنعت هذا الفصلَ الهامَّ من تاريخ أفغانستان ليست عاملاً واحداً بلا شك، بل هي عوامل كثيرة، يحتاج كلٌّ منها إلى مُتَخَصِّصٍ في مجاله ليكتب عنه، ومع ذلك ستظل العلاقات البينية بين هذه التخصصات التي تكتب عن الحالة الأفغانية بحاجة إلى دراسات متخصصة أخرى تربط بين أجزاء الصورة الواحدة لتُنْتِجَ المُحصِّلةَ الكليةَ النهائيةَ، وتُقربَها في صورة شاملة ترتسم معالمها في الأذهان.

   لا شك أن الباحث سيُفيدُ مما كُتِب في هذا المجال من دراسات وأبحاث، خاصة ما كتب منها في مراكز الدراسات الغربية المتقدّمة في البحث العلمي، غير أن الذي يجب على الباحثين أخذُه بعين الاعتبار هو مراعاة الفوارق الدينية والثقافية والاجتماعية، ومراعاة آثارِها على التاريخ والحضارة، ومن ثَمّ على تقييم الحاضر واستشراف المستقبل، ولا يمكن لهذا أن يتأتّى على وجهه ويؤتِيَ ثماره إلا أن تتحرر مناهج البحث أولاً من التبعية والتقليد، وهذا من أكبر واجباتنا تجاه تاريخنا وحضارتنا وأمتنا.

    دراسة التاريخ وقراءة الواقع ليستا قالَبًا يُصْنع في مراكز الأبحاث والدراسات على بعد آلاف الأميال ثم يصدر إلى أفغانستان أو غيرِها ليُطَوَّع واقِعُها للقالَبِ المُعَدِّ سلَفاً، فإنَّ صانع القالب في هذه الحال لو كان مُنْتَمياً إلى المجتمع نفسه والثقافة نفسها لكان صنيعه قصوراً في البحث والتصور، فكيف إذا كان انتماؤه إلى ثقافة أخرى وتاريخ آخر، بل هو فوق ذلك يريد أن يحاكم ثقافة غيره إلى ثقافته وينظر إلى تاريخهم بمنظار تصوراته ومفاهيمه.

      من أهم ما يميز مجتمعاتِنا – ومن بينها المجتمع الأفغاني – تأثير مفاهيم الإسلام على عقل المجتمع وجسده وروحه، وهو تأثير يوازن بين هذه الثلاثة من جهة، وتأثيرُ تفاعلٍ مع الجِبلّة والطبيعة الإنسانية من جهة أخرى، فمبادئ الإسلام منسجمة تماماً مع الفطرة الإنسانية، يُقرُّ المكارمَ من العقائد والمعاملات والأخلاق، ويُكَمِّلُ ما نقص منها، ومن ثم يصبح هذا كله مكوناً رئيساً من مكونات المجتمع بحيث لا يُتصورُ وجودُ المجتمع دونه، وهذا هو الذي يفسر لنا عودةَ المجتمع الإسلامي إلى مبادئ الإسلام كلما تكررت محاولات إقصائِهِ عنه، فالحرب على المجتمع الإسلامي تعادل في مفهومها الحرب على الفطرة الإنسانية، وكل حرب على الفطرة الإنسانية تخرج الفطرة في نهايتها منتصرة ولا بد.

   والثقافة الغربية مختلفة في مكوناتها تماماً عن هذه الوجهة، سيان حين كانت السيطرة للكنيسة، أو بعد إعلان الحرب بينها وبين العلم، لأنها في الحالتين أضرّت بالإنسان والمجتمع حين فصلت بين مكوناته الثلاثة، وجعلت منه جسداً شأنه شأن الآلة، وحين تعاملت مع العقل أنزلته منزلة عقل الآلة أيضاً، وحصرت العقل في إطار يجعله خادماً للجسد فحسب، ولما نشأ علم الإدارة في العصر الحديث صنف الإنسان عنصراً من عناصر الإنتاج المادية فحسب، دون أي اعتبار آخر، ولم يتدارك هذا الخطأ الفادح إلا في الإدارة الحديثة منذ سنوات يسيرة، وهو حين يتدارك ذلك فإنما يتداركه لتأثير ذلك في المحصلة على الإنتاج، لا لاعتبار كرامته الإنسانية وحاجاته الفطرية، وهذا الذي حصل في علم الإدارة حصل مثله في كثير من مجالات الحياة، وهو الذي شكل في مجموعه نظرة المجتمع الغربي إلى الإنسان، فكيف يمكن إذن لابن الثقافة الغربية والمجتمع الغربي أن يفقه أو يتصور طبيعة المجتمعات التي جُبلت مكوناته الثلاثة -العقل والروح والجسد- على روح الإسلام وفلسفته عقيدة وعملاً وسلوكاً؟

الجغرافيا والمناخ والمجتمع:

  لا يُنكر تأثير الجغرافيا والمناخ على طبائع الإنسان، فابن الصحراء يختلف عن ابن الساحل، وهذان يختلفان عن سكان المناطق الجبلية، وكذا تأثير الحرارة والبرودة، وابن خلدون أشار إلى الفارق بين طراوة الحاضرة وخشونة البادية وأثرها في دورة التاريخ والسياسة، ولما وصل ابن بطوطة الرحّالة إلى كابل وصف أهلها بالقوة والشدة، ولذا تجد فارقاً من هذه الناحية بين سكان البلاد الهندية وسكان البلاد الأفغانية، فشبه القارة الهندية بلاد شديدة الحرارة، وهذا له تأثير في نشاط الإنسان وحركته، خلافاً لسكان المناطق الجبلية الباردة أو المعتدلة من الأفغان، كما أن هذا الفارق في الطبائع  جاء متوافقاً مع الفارق في تأثير العقائد والفلسفات على المُجْتَمَعَيْنِ، كما أثر ذلك في حركة التاريخ في البلدين، فتأثير العقائد والفلسفات الهندية القديمة كالجانتية والبرهمية في شعوب القارة الهندية جاء متفقاً مع ما حصل فيها من حركة التاريخ، حيث تعاقب عليها الغزو مراراً مما كسر من إرادة الشعوب، وجعلها تتخلص من ذُلِّ الاستعمار وسيطرة الغزاة باللجوء إلى مذاهب الزهد والرغبة عن الدنيا واعتقاد التناسخ والانتقال إلى حياة أفضل بشرط التخلص من هذه الحياة،     

   ويشير (ول ديورانت) في كتابه (قصة الحضارة) إلى أن المناخ شديد الحرارة في شبه القارة الهندية كان مساعداً على هذا.

لكننا في المقابل لا نرى مثل هذا في تاريخ أفغانستان، ويمكن تفسير ذلك ماديا باختلاف طبيعة الأرض والمناخ ، وبُعْدِ أفغانستان الجغرافي مما أضعف تأثير العقائد والفلسفات التي نشأت في الهند قديماً في شعوبها، أضف إلى ذلك أن الفتح الإسلامي للبلاد الأفغانية سابق على الفتح الأكبر للبلاد الهندية، حيث كان فتح كابل سنة 32 بقيادة عبد الرحمن بن سمرة، بينما كان الفتح الأكبر للهند على يد السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي ثالث سلاطين الدولة الغزنوية في أوائل القرن الخامس الهجري، مع الإشارة إلى أن بعض بلاد السند كان قد فتح قديماً زمن الحجاج بين يوسف الثقفي على يد قائده محمد بن القاسم الثقفي، وذلك سنة 92 هـ ، وانتهت فتوحاته عند (ملتان) سنة 96 هـ ، وفي جميع هذه الظروف ظلت أفغانستان نائية عن انتقال تأثير العقائد والفلسفات الهندية القديمة لأسباب كثيرة، لكن لا بد هنا من التنبيه إلى أمرين يرى الباحث هنا أنهما فاتا (ول ديورانت) في حديثه الذي سقناه:

    الأول: أثر الإسلام في طبائع الأمم والشعوب، فقد ساهم الإسلام في تشكيل التاريخ السياسي والاجتماعي في شبه القارة الهندية. وفي هذا رد على ما ذهب إليه (ول ديورانت) من اعتبار المسلمين ضمن الغزاة الذين كسروا إرادة شعوب القارة الهندية، لأن الذين اعتنقوا الدين الإسلامي قاموا بدور حضاري مهم بين شعوب القارة الهندية سياسياً واجتماعياً.

الثاني: إن الإسلام حيث يعتبر بلاد المسلمين بمنزلة البلدة الواحدة، ويَعُدُّ ما بين المسلمين من الأخوّة بأصل الدين وحده دون اعتبار للون أو عرق أو جنس ، فإنه بذلك يجعل العالم الإسلامي يكمل بعضه بعضاً، فإن وُجِدَ نَقصٌ أو وقع قصور في طرف من الأطراف فإن في أرجاء العالم الإسلامي ما يكمله، وهذا سبب آخر من أسباب التماسك في البنيان الكلي للعالم الإسلامي رغم ما تعرض له عبر تاريخه من محاولات لتفكيكه، باءت كلها بالخسران والفشل، وسيبقى الخسران عاقبة مثيلاتها، لأنّهُ قُدّر للعالم الإسلامي البقاءُ والظهورُ شرعاً وقدراً.

حِصْنٌ آخر:

  ثمة فارق آخر تشكله منظومة القيم في المجتمعات المشرقية، ومن بينها المجتمع الأفغاني، ذلك أن قيم الدين الإسلامي الذي تدين به تلك المجتمعات تتسم كل قِيمة منها بالكمال في نفسِها، وبالتكامل مع غيرها، ولا يمكن فهم كل قِيمة منها إلا في موضعها من مجموع القٍيَم، كما لا يمكن أيضا عزلُها عن مجموع تلك القِيَمِ إلا بِنَوْع قُصورٍ يَعْتريها بسبب ذلك العزل يَمنع من تصورها على وجهها الحقيقي، كما تعزل القِطعة من الآلة عن مجموع الآلة، فإنه لا يمكن لتلك القطعة أن تؤدي دورها الفاعل إلا ضمن مجموعها من القطع، ولا يمكن للفاحص أن يتصور مكانة تلك القطعة ودورها إلا بمعرفة مكانها من المجموع، فحفظ الجوار والوفاء بالعهد مثلا مرتبط في منظومة القيم الإسلامية بالإيمان باليوم الآخر، وللإيمان باليوم الآخر أثرٌ في تقدير الوزن الحقيقي للحياة الدنيا، ولهذا التقدير الذي يثمر الزهدَ الفاعلَ أثرٌ في دفع الإنسان إلى البذل والتضحية والعطاء رغبةً في الظّفَر بالكفة الراجحة من الآخرة، ثم لهذا البذل تأثير في تماسك المجتمع وتكامل بنيانه، وهذا التماسك أوالتلاحم الممتد زماناً ومكاناً، يمثل حصانة ذاتية مانعة من الانهيار وطاردة للدخيل في الوقت نفسه، وهذا بابٌ لو تم تتبعه لوقف منه الناظر على وجوه من الحكمة ومن جمال التشريع الإسلامي وجلاله لا ينقضي منه العجب،غير أن الخلاصة التي ننتهي إليها في هذا الموضع، أن هذه المنظومة القِيَمِيّةَ واحدة من أهم أسباب الثبات المستمر في وجه الحملات المتكررة على العالم الإسلامي على مر تاريخه الطويل، ورغم اتساعه شرقاً وغرباً ، وهو من ثم أحد أسباب انتصار الشعب الأفغاني الذي شهده العالم في العام الأخير.    9/1/2022

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]– كتب الدكتور محمد عفيفي في 30/12/2021 مقالاً بعنوان: أفغانستان، جناية الجغرافيا وقسوة التاريخ، نشر في موقع صحيفة الدستور المصرية، ذكر في الجزء الثاني منه أن موقع أفغانستان الجغرافي وتضاريس المنطقة انعكست على حركة التاريخ في أفغانستان على مر العصور مما جعل تاريخها يوصف منذ القدم بأنه تاريخ تبعية للقوى الكبرى، ومع أنه أشار إلى التطور الأكبر الذي حصل في الشرق الأوسط بظهور الإسلام مما أثر في تاريخ أفغانستان، وجعلها من ثم قاعدة للفتوحات الإسلامية في شبه القارة الهندية، إلا أن السياق يوحي باندراج المرحلة الإسلامية في تاريخ التبعية الذي أشار إليه، والصواب أن الإسلام أخرج أفغانستان والمجتمع الأفغاني من هذه التبعية بدليل تحولها قاعدة للفتح الإسلامي لشبه القارة الهندية عبر تاريخها الطويل، وبدليل هزيمة الامبراطوريات الثلاث في القرنين الأخيرين.

2– من أصول الإسلام أنه اعتبر ذمة المسلمين واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وقد وسع هذا من مساحة انتفاع أهل الذمة من الإقامة في الديار التي تعلوها أحكام الإسلام، فمن أجار رجلاً من أهل الذمة حرُمَ على جميع المسلمين إيذاؤهُ وخفر عهده، وقد جاء هذا متفقاً مع ما كان عليه العرب قبل الإسلام من حفظ العهد والجوار، حيث كان من مكارم الأخلاق التي تمّمها الإسلام.

3لا يرد على ما ذكرتُه هنا انتصار بعض الثورات المعاصرة في غير المجتمعات الإسلامية على خصومها من الغزاة، كما حصل في فيتنام مثلاً، لأن العالم الإسلامي تميز بأمرين: الأول: الغزو المتكرر عبر قرون طويلة من أمم كثيرة، والذي صار إلى تعدد وجوه الغزو عسكرياً وثقافياً واقتصادياً، إلخ، ومع ذلك لا يزال العالم الإسلامي يمتلك مقومات البقاء والصمود رغم كل ما أصابه من عوائد الأيام. والثاني: انتصار المبادئ والقيم التي يمثلها الدين الإسلامي، فإنها لا تزال -رغم كل محاولات التشويه-ثابتة راسخة، مَحَجّةً بيضاء، منارةً لكل طالب هداية إلى سواء السبيل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى