تحليل استقصائي

أوكرانيا ليست “مستنقعاً” لروسيا: بوتين .. بين بطرس الكبير …وستالين!!

ـــــــــ بقلم: أ.د . مزهر الخفاجي ـــــــــ

    يقول المثل الروسي (تزداد شهية الانسان أثناء الأكل ) …تذكرت هذا المثل وأنا أتابع أخبار الاجتياح الروسي لأوكرانيا ، هذا الاجتياح لا يعني أنّ شهية الروس قد بدأت أثناء اجتياحهم لأوكرانيا فجر يوم الخميس ٢٤شباط.

    إنّ شهية قيصر روسيا الجديد كانت واضحة منذ أن قرأ ما كتبه مُنظّر العقيدة (الماركسية) المفكر (سوسلوف) والذي ذكر أن (الروح القومية الروسية او السوفييتية لا تظهر إلا بوجود القيصر ومحاصرة الجوع للروس ، عندها لا أحد يستطع أن يصمد أمام الروس) وأمام شعورهم القومي وقدرتهم على الدفاع عن حياض روسيا الكبرى عند الأخطار. وقراءة بسيطة لتاريخ روسيا الحديث تذكّر بانتصاراتها على جيوش أوربا، وتحديداً على ألمانيا وفرنسا بقيادة نابليون …وتأديب الروس المستمر للإنكليز!..

    نعم إنّ شهية القيصر (بوتين) كانت قد بدأت عام ٢٠١٤، عندما صوَّب أنظاره نحو جزيرة القرم، وعندما صيّر جورجيا، وضبط شكل علاقاته مع فنلندا ، ظل ناظراً نحو أوكرانيا ولتوانيا وأستونيا ، وقد حاول منذ أكثر من عام أن يضبط إيقاع علاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية إبّان حكم ترامب مؤكداً له بالقول: “إنّ أمريكا ، يجب أن لا تطعن خاصرة روسيا، لأنه لا أحد يستطيع أنْ يعرف عواقب ردة فعلنا وكانت ردة فعلنا عام ٢٠١٤ في القرم واضحة”…لقد طَبق القيصر نظرية خير الدفاع هو الهجوم.. ومن يقرأ آخر مؤلف (لفلاديمير بوتين ) ووجهة نظره عن تاريخ روسيا المعاصر .. يتذكر أنّ بوتين رغم اعتراضه على إدارة الشيوعيين وقصور تجربتهم في بناء المجتمع السوفييتي ونقده لهم …إلا أن الرجل ظل يكرر في مؤلفه وأحاديثه مع قادة وزعماء روسيا المعاصرين إعجابه بقيادة الملك بطرس الأكبر … ودهاء الملكة (كاترينا الثانية ) وحزم (ستالين ) وعزمه في الحفاظ على روسيا القوية..

    نعم لقد أتقن القيصر (بوتين) أنهُ حاضر في حياة روسيا الاتحادية وأنَّ زعماء كل من بيلاروسيا وجورجيا وقرغستان وأذربيجان …يومئون لهُ ..برغبة وجوع السوفييت للوحدة وحضور روحهم القومية التي تزعزعت في ظل تدحرج (غورباچوف) و(يلتسن) في قشرة موز الحرية والليبرالية الأمريكية، وأوربا المتداولة للسلطة بسلام ….وإن كان ثمنها الحرب لأنّ نار الفرقة قد أضرتنا …هذه الاشارات كانت حاضرة في ذهنية القيصر … بعد أن أيقن بوتين أنّه من الممكن أنْ تستفيد من أخطاء خصومك ومنافسيك من نظرية أمريكا سياسة الأمر الواقع …

   وإن اللحظة التاريخة الآن تحتم عليه أن يستثمر هذه الفرصة …ونقصد فرض الأمر الواقع على أمريكا وأوربا بعد أن ازدادت شهيته في لملمة دول الاتحاد السوفييتي السابق في آسيا وأوربا  ..فبعد أنْ أثار شهية الروس نحو أوكرانيا بفرض سياسة الأمر الواقع .. بدأ أولاً بضم شرق أوكرانيا ( إقليم دونباس) ثم بعد ذلك اتّجه الى غربها، محاولاً ضمّها أو تحييد اتجاهاتها نحو الناتو …وهذا ما فعلهُ القيصر حقاً.

   وبرغم قناعته بتجاوز القانون الدولي، لم ينسَ بوتين أنّ الحلفاء والناتو كثيراً ما تذرّعوا بنظرية الأمر الواقع، فاحتلوا أوكلاند والمكسيك والعراق وسوريا .

    وأتقن القيصر أنّ جميع حواراته مع قادة (أوربا) ألمانَ ،فرنسيين، بريطانيين، ايطاليين ..كانت غير مُطمئنة لهواجسه ولا تعطي ضمانات لروسيا الاتحادية …وهم أضعف من يقفون أمام مطامحه التي يريد أنْ يخلدها لنفسه حتى وان انتهى حكمه عام ٢٠٢٤ …لكنّه سجّل اسمه في تاريخ أبطال روسيا …نعم لقد فعلها القيصر (بوتين) في استغلاله الخطأ التاريخي للولايات المتحدة الأمريكية في استخدام مبرراتها في فرض سياسة الأمر الواقع في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط …متجاوزة قرارات مجلس الأمن في ما يخص النزاعات المسلحة وقوانين الاشتباك ومؤتمرات فيينا وجنيف…فإذا كان العراق قد أحُتل بفرية تهديد العراق لأمن الولايات المتحدة الامريكية وأوربا بحجة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل وهو الذي دعا أساطيل أمريكا والناتو ليقطعوا نحو عشرة آلاف كيلومتر ليحتلوا العراق …فإنّه من “باب أولى” أن لا يعطي القيصر بوتين لجارته أوكرانيا فرصة أنْ تكون قاعدة نووية في (تشرنوبل ) أو محطة تنصت على بيته …كما يقول (بوتين) في تصريحه صبيحة 24-2-2016.  

   وآن الأوان أن يسعى لتحقيق هذه السياسة والتي هناك العديد من المبررات التي تربطها في محيط البلقان ، ليأخذ هذا البطل المبادرة ويغازل جوع الروس لقيصرهم (بطرس) او لبطلهم (ستالين) بزعامته وإعادة مجد السوفييت، وفي تشكيل نظام دولي جديد …خاصة أن الصين والهند وإيران وتركيا وغيرها من بلدان الشرق الأوسط والعالم الثالث طامحة لنهاية نظام القطب الواحد ..

     وجاء زمن النظام الجديد ، نظام التوازن ، توازن القوى …كان المبادر به القيصر (بوتين) والذي رفض مفهوم القطب الواحد المتحكم، وأخطاءه التاريخية الكبيرة المتمثلة في تركه أتون قضية فلسطين …واقتراحاته الحمقى في توصيف (البلدان المارقة) أو في تباين سياسات زعمائه ،بوش الابن ، أوباما ،ترامب، بايدن، مع بلدان الشرق الأوسط وكوارثهم في العراق وسوريا وليبيا والقائمة تطول …وجاء ليقول ..نعم لنظام ٢/١ …الصين والاتحاد السوفييتي وحلفائهما مقابل أمريكا .

إنّ أوكرانيا ليست مستنقعاً لبوتين ، وإن غداً لناظره قريب .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى