تحليل استقصائيتحليلات

عوامل ساعدت على إنتشار التشيع في العراق أثناء الحكم العثماني (3)

ـــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ــــــ

    وعلى الرغم من أن الخلاف بين السنة والشيعة قديم جدا فالملاحظ أنّه لم يكن هناك أي عداء لمنع وحدتهم في سن مبكرة من الإسلام. وكانت الظروف السياسية هي التي أدت إلى تأجيج العداوة المتبادلة: ففي أيام السلطان سليم الأول والشاه اسماعيل الصفوي, كان الصراع السياسي بين الدولتين سبباً في تشيع الدولة الإيرانية, في حين ذهب العلماء العثمانيون إلى حد إعلان ان التشيع هو كفر.. لكن هذه المعادلة لم تبقَ ثابتة وإنما تغيرت بمقدار المتغير السياسي الذي غالبا ما كان يتحرك بعدها لإيجاد المزيد من الدعامات والمرتكزات الفقهية. بالتالي أصبح الفقهي نابعاً من السياسي وتابعا له.
     في الأصل كان العراق قد أصبح ولاية عثمانية بعد احتلال بغداد أواخر عام 1533 إلا أن الإحتلال كان بطيئا وكان حكما إسميا وناقصا. تحول العراق بفعل الصراع العثماني الإيراني إلى منطقة حدودية مؤثرا بذلك على الإسلام الشيعي (هنا ينبغي التوقف لإبراز أهمية هذا المشهد على إستعداد العثمانيين للقبول بصيغة الكيان الشيعي وميل العراقيين الشيعة بتأثير من انتمائهم القومي إلى إيجاد صيغة تعايش كيانية مع السلطة العثمانية, هذه الأخيرة لم يكن من صالحها تغذية الميل الشيعي العراقي باتجاه إيران).
    أما العوامل التي ساعدت على التمذهب : لنتذكر قبل ذلك الواقعة التالية: حتى السنوات الأولى من القرن الثامن عشر كان العراق في الغالب سنيا. بغداد كانت فيها الغلبة السكانية للسنة وكذلك البصرة, ناهيك عن نينوى, لكن هنا بعض العوامل التي ساعدت على التشيع :
1- إعتمد التجنيد بشكل رئيس على السنة, وقد دفع ذلك البعض إلى التشيع أو جعل التشيع مرغوبا, وحتى أن عدداً لا يستهان به من الشيعة العراقيين كانوا فضلوا الحصول على التبعية الإيرانية التي كانت توفر لهم حماية كلية من قوانين الإلزام التجنيدي, وهكذا برزت فيما بعد مشكلة لم تكن بالهينة لأن العديد من المسفّرين في العهد البعثي الصدامي لم يكونوا فارسيّي الأصول وإنما كانوا عراقيين قد (تأرْيَنَ) أجدادهم .
   أعتقد لو أن إسطنبول كانت قد فرضت علاقة مركزية مع الولايات العراقية الثلاث وأخضعت جميع العراقين لإلزامات القوانين العثمانية لقلَّ إلى حد كبير التهافت على التجنس الإيراني, وهكذا فإن نسبة ملحوظة من السنة تحولوا إلى المذهب الشيعي حماية لهم من حروب الإمبراطورية العثمانية التي لم تكن تنتهي وبدأ الكيان الشيعي الموازي وأتباعه يتسع.
2- العوامل السياسية والإجتماعية التي أدت إلى دفع العديد من السنة للتحول إلى المذهب الشيعي أبقت إلى حد واضح أرجحية للولاء القبلي على الولاء المرجعي الطائفي, فالإنتماءالجديد لم يكن قد تم بفعل قدرات المرجعية الإقناعية بل أن هذا التحول المذهبي كان على مستويات واضحة قد تم بعيداً عن تحولات في العمق الفكري وظل الإنتماء أقرب إلى أن يكون حالة خيار ذاتي محكومة بعوامل سياسية أكثر منها بعوامل ذات علاقة بالتأثير المرجعي, لذلك بدت العلاقة بين الوافدين الجدد والمرجعيات الشيعية خافتة, وظلت العلاقات القبلية وأحكام القبيلة ومواقع شيوخها وتشريعاتها تعلو على الإدارة المذهبية المرجعية, وأصبح للقبلية ولتأثيرات المشايخ ضمن القبيلة الواحدة تأثيراته على خريطة التشيع والتسنن ضمن القبيلة الواحدة.


3- لم تكن السلطة العثمانية مهتمة بالجانب المذهبي في العراق بل كانت مهتمة بشكل رئيس بمقدار ما يوفره العراق من أهمية جيوبولوتيكية سواء على صعيد ضمان حدودها مع إيران الصفوية وضمان بقاء الشيعة العراقيين بمنأى عن الإنحياز لإيران. هذه المسألة يجب الإنتباه إليها بكل إهتمام, السنة الذين تحولوا إلى شيعة والشيعة الأصل لم تكن عاطفتهم مع إيران, ويمكن الوقوف بأهمية أمام تغلب الرابطة القومية على الرابطة المذهبية التي لم تكن إيران قد أفلحت بعد في تقدير طرق التسلل إليها لغرض بناء قواعد طائفية مساندة. وحتى في زمن الصفويين فإن الشيعة العراقيين لم يغفلوا الجانب السياسي في هذا التوجه الإيراني لذلك لم يكن سهلا حسم الإنحيازات على أساس ميكانيكي. مضاف على ذلك أن الإنتماء المذهبي لم يكن قد تم على حساب الإنتماء القبلي إذ أن شيخ القبيلة الواحدة المنقسمة على المذهبين كانت تتقبل وجود شيخ سني على زعامتها, أي ان الإنتماء العرقي, وهنا العربي, ظل متقدما على الإنتماء المذهبي حتى ولو كان عراقيا.
4- إن التكون المذهبي العربي, وهنا العراقي, ظل متميزا عن قرينه الإيراني لإختلاف دوافع التشيع. أغلبية السنة العراقيين الذين تشيعوا كانت لهم أسبابهم الوطنية أيضا, فالرفض الوطني العراقي العام للتبعية العثمانية التركية كان يتجلى أيضا من خلال الولاء المذهبي. كان ذلك يعني أن التحول السني إلى الجانب الشيعي كانت خلفه عوامل وطنية أيضا, بمعنى أن واحدا من وسائل التعبير العراقي عن رفض الهيمنة العثمانية المدعية للخلافة العربية كانت تتم من خلال القطيعة المذهبية والإنحياز للمعسكر الشيعي الذي لم يكن تابعا بشكل ميكانيكي لسلطة الخليفة العثماني وحكومته المركزية في إسطنبول.
 5- كانت الدولة السعودية المتشكلة حديثا والناشطة لتوسيع رقعة حدود المملكة على حساب الجيران قد فتحت عينا وهابية واسعة على العراق فقامت بشن غزوات متتابعة على الأراضي العراقية وبخاصة على أراضي النجف وكربلاء على أمل الهيمنة على مراكز القرار الديني الشيعي ونشر الوهابية لتحقيق تمدد الهيمنة السعودية على الأراضي العراقية المجاورة أو للقضاء على العادات الشيعية المتأصلة بما يتعلق بتقديس الإئمة وأضرحتهم.
    وربما لغرض أن لا يتجه الشيعة إلى إيران طلبا للحماية ولأجل حرمان الملك السعودي من القدرة على قضم أراضٍ عراقية هامة تساهلت إسطنبول كثيرا مع الشيعة, وحتى أنها شجعت, أو أنها لم تعر إهتماما للتحولات السنية بإتجاه المذهب الشيعي, بل لعلها وجدتها السبيل الأفضل للدفاع عن العراق في وجه الهجمات السعودية على الأراضي العراقية في تلك المناطق.
   ولعل السلطة العثمانية كانت أمام ضغط الخيار التالي, أن ينحاز سنة العراق إلى الوهابية فتعلو كفة السعوديين ليكونوا أقدر بالتالي على تحقيق الهدف السعودي لإستقطاع تلك الأجزاء الهامة أملا في القضاء على الخصم الفقهي. كان الصراع الوهابي الشيعي حاسما لإنضمام نسبة كبيرة من السنة في تلك الإعوام إلى الجانب الشيعي تعبيرا عن الرفض السياسي أكثر منه تعبيرا عن الإلتزام الفقهي.
(صارت هناك إتفاقات عثمانية مع الحكم القاجاري في إيران لحماية إيرانيي كربلاء والنجف)


6 –  ما دفع العثمانيين لإعطاء حرية التمذهب هو خوفهم من تأثير صعود محمد علي في مصر وهيمنته على سوريا فطمعوا بالتالي لكسب تعاطف الشيعة العراقيين مع إسطنبول, ثم كان هناك أيضا الخطر الأوروبي المتصاعد (تنازلات إرضائية من قبل السلطات العثمانية) الإتفاقات سهلت توافقد الإيرانيين ونقل الموتى من إيران إلى العراق على الأرجح.
7 – كان من الصعب على العثمانيين أن يمارسوا سيطرة فعلية على النجف وكربلاء, أي على شيعة العراق (ساعد ذلك على نضج الكيان الشيعي الموازي) النجف وكربلاء صارا معقلي الإسلام الشيعي: أسطنبول مهادنة الشيعة لغرض تحييدهم والعمل على منع إنحيازهم الكامل لإيران فأصبح الكيان الشيعي مثل الحكم الذاتي داخل الجسم العثماني. أفلتت النجف من السيطرة العثمانية المؤثرة طيلة شطر كبير من تاريخها لأنها تقع على بعد 120ميل من بغداد.
8- كانت الإستقلالية الشيعية المالية المعتمدة بالأصل على فريضة الخمس وتبرعات الشيعة الأغنياء من بقاع مختلفة, أهمها المناطق الشيعية الهندية والإيرانية, حاسمة على صعيد تسهيل حركة الدعاة الشيعة الذين كانوا ناشطين في تلك الفترة من أجل توسيع قاعدة الإنتماء لمذهبهم.
      في المقابل كان شيوخ الدين السنه من العراقيين يعتمدون على رواتبهم المخصصة لهم من إسطنبول ولم توفر تلك الرواتب فائضا يعينهم على الحركة والإنتشار والنشاط بإتجاه تصعيد وتوسيع الولاء للمذهب السني وذلك على خلاف المرجعيات الشيعية التي إمتلكت قدرة وسبل التكون المؤسساتي أثناء الحكم العثماني بتشجيع من وجود دولة الكيان الموازي. السنة كانوا موظفين وليسوا دعاة نشطين أما الحالة الشيعية فقد كان لديها ما يكفي لتنشيط الدور التبشيري.
9-  لا يملك السنة خطابا تعبويا شعبويا كذلك الذي يملكة الشيعة (إستشهاد الأمام الحسين, بيت النبوة, إستشهاد الأمام علي إمام الشيعة وبطل الإسلام) ووجود مناسبات تعبوية مثل عاشوراء بشكل أساسي كانت عوامل مساعدة ومغرية على توسيع قاعدة تحول السنة إلى المذهب الشيعي وقد ساعد على ذلك محدودية تحرك الفقهاء والدعاة السنة لمجابهة هذا المد.


10 – كان هناك إنحياز عثماني سياسي ضد الشيعة وليس إنحيازاً فقهياً أو دينياً. العثمانيون لم يكونوا طرفا في الخصومات الشيعية السنية التي نشأت في ساحتها العربية وظلت تنمو وتتسع في تلك الساحة عينها. وحينما أعلن العثمانيون ولاءهم للمذهب السني الحنفي (أبو حنيفة هو الوحيد من بين المذاهب السنية الأربعة الذي قال بجواز الخلافة من خارج قريش) فقد خلا تاريخهم من موروث متشنج ضد الشيعة كذلك الذي كان بين الأصول العربية خاصة, لذلك فإن موقفهم ضد الشيعة في العراق ظل متوازيا مع النزاعات العثمانية الفارسية وظل متأثرا بها, ولذلك قلت أن الخصومة إن وجدت فهي سياسية بمقدار ما كانت تبغي ردع الإنحيازات الشيعية العراقية لصالح إيران.
      خلو الخلفية العثمانية التاريخية من أية خصومة تاريخية مع المذهب الشيعي بشكل عام كتلك التي كان فاعلة في الوسط العربي السني جعل العثمانيين غير متزمتين مع هذا المذهب وغير ميالين إلى معاداة أصحابه إلا في حالة إنحياز بعض أنصار هذا المذهب إلى إيران. وإذا ما أعطينا إعتبارا لمحبة العثمانيين لآل البيت وميل السلاطين العثمانيين للتصوف فإن تقربهم إلى الشيعة في العراق يصبح مفهوما ومتوقعا, وقد رأينا العديد من الولاة العثمانيين يصرفون إهتماما كبيرا لإعمار أضرحة أئمة آل البيت في النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء, كما وأن نهري النجف وكربلاء الأساسيين كان قد شقهما ولاة عثمانيون.
11- إعطاء إهتمام لمحاولات توحيد الشيعة والسنة تحت قيادة السلطان عبدالحميد ودور جمال الدين الإفغاني (وصل الأفغاني الى اسطنبول في أواخر صيف عام 1892) وقد أقتنع السلطان أن سياسة الوحدة بين السنة والشيعة ستكون هي الأفضل على المدى الطويل لحل مشكلة الشيعة في العراق.
وقد إعتبر كثيرون ان السلطان عبد الحميد كان أنسب شخص لهذه المهمة, حيث يعتبر امام وخليفة المسلمين عند السنة, في حين أن شاه ايران ليس لديه مثل هذه السلطة بين الشيعة. فالوحدة الوطنية لا يمكن تحقيقها إلا من قبل السلطان, ومن قبل المجتهدين الذين لديهم السلطة الحقيقية على الشيعة في العالم.
    وفي رسالة له شكا السلطان حماية الثوار الأرمن من قبل السلطات الإيرانية على الرغم من أن الإيرانيين هم أساسا من المسلمين, لكنهم يدعمون ويقومون بحماية الطائفة الأرمنية الأشرار(حسب قوله) الذين يعملون ضد المسلمين.
 12- لا بد من إعطاء أهمية للمشهد التالي : إن بعضا من علماء الدين الإيرانيين أنفسهم لم يكونوا موالين للسلطة القاجارية والبهلوية بل وكانوا ميالين للتمرد ضدها. بتاثير من ذلك تراجع أيضا الولاء الشيعي العراقي للسلطات الإيرانية. لكن ينبغي الوقوف هنا أمام موالاة الشاه لمرجعية الحكيم في النجف. ومن ذلك نفهم أن هناك عوامل قد تعمل لصالح الولاءات في فترة وضدها في فترة أخرى ((ساعد ذلك على نضج الكيان الشيعي الموازي). إلا أن واقع العلاقات السنية مع السلطات, وأخيرا العثمانية كانت موالية لإسطنبول.
13- وهكذا فإن الموقف العثماني من الشيعة العراقيين كان قد تأثر بشكل رئيس بمثلث الصراع التالي : وهابيون في السعودية. الخوف من صعود محمد علي الكبير في مصر وهيمنته على سوريا في تلك الفترة
, الخوف من الدولة الصفوية والقاجارية في إيران.
ثم كان هناك أيضا الخطر الأوروبي المتصاعد الذي دفع بإتجاه المزيد من التنازلات الإرضائية من قبل السلطات العثمانية الأمر الذي ساعد ذلك على نضج (الكيان الشيعي الموازي) الذي سنشاهد بعد ذلك كيف أن المرجعيات الشيعية العراقية كانت قد حاولت جهدها للإبقاء عليه والذي بدأ يواجه تحديات عظيمة مع وجود الدولة الوطنية بعد سقوط الخلافة العثمانية.
14- عموما كان هناك موقفان, أحدهما عثماني رادع للشيعة بمقدار ما كانت هناك موالاة من جانبهم لإيران, فهو موقف سياسي لا يمتلك مفاعيل فقهية ولا يتكئ على عمق تاريخي للنزاعات المذهبية التي كانت سائدة بين العرب أنفسهم. وأما الموقف الثاني فهو إيراني موالٍ للشيعة بمقدار موالاتهم لإيران وإبتعادهم عن الأتراك ويعتمد على تفعيل الفقهي لخدمة السياسي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى