تحليل استقصائيتحليلات

عوامل ساعدت على “انتشار التشيع” في العراق أثناء الحكم العثماني*

ــــــــــــ بقلم: الدكتور جعفر المظفر ــــــــــــ

     قبل عام 1831 لم تكن العلاقة العثمانية مع الولايات العراقية الثلاث ذات طابع مركزي. في معظم الأحوال كان العراق وكأنما تُرك لمصيره حيث لم تتهيأ له مركزية وطنية ولا حتى مركزية عثمانية. وقد أدّى ذلك إلى تصاعد شكيمة العشائر والاتحادات القبلية. ولقد كان الهّمُ العثماني هو الحصول على الأتاوات إضافة إلى الجند الذين كان معظمهم من السنة الذين شكلوا حينها النسبة العظمى من سكان العراق.
    على الجهة الثانية استطاع الشيعة العراقيون أن يقيموا كيانهم الموازي (نشرت عدة مقالات بهذا الشأن ويمكن الرجوع إليها في الحوار المتمدن) لكن لا بأس هنا أن أوضح باختصار المعنى من مفردة الكيان كونه أقرب إلى الحالة الاعتبارية منها إلى الشكل المؤسساتي والقانوني، فالواضح أن العثمانيين لم يُولوا اهتماما كبيرا للصراعات والتكتلات المذهبية الموروثة خاصة من خلال الزمنين الأموي والعباسي لأن الدولة العثمانية نفسها كانت قد تأسست من خارج حالة الصراع المذهبي حيث خلا تاريخها من إسقاطات ذلك الصراع إلا بحدود هامشية. بل أن تبنِيَّهم للمذهب الحنيفي قد جاء لكونه المذهب الوحيد من المذاهب الأربعة الذي يجيز الخلافة من خارج قريش وليس من خلال منطلقات فكرية منحازة ضد الشيعة أو نتيجة لإسقاطات النزاعات المذهبية المباشرة كما في حالتي الدولتين العباسية والأموية. ويوم تأسست الدولة العثمانية (1299) أو في مرحلة التمهيد لها فإن الخطر الشيعي السياسي كان قد تراجع كثيرا ولم يعد كما كان شأنه في أيام الأمويين والعباسيين.
     أما الدولة الصفوية فلم تتأسس إلا في عام 1501, لذلك ظلت العلاقة بين الطرفين السني العثماني من جهة والشيعي العربي والعراقي على الجهة الأخرى, ولقرنين من الزمن تقريبا, خالية من عقد الصراعات المذهبية الموروثة ومن إسقاطاتها وضغوطاتها النفسية والفقهية التي فعّلها الصفويون (نسبة إلى جدهم صفي الدين أردبيلي المولود في مدينة أردبيل في شمال إيران والمجاورة لأذربيجان) وذلك بعد قرنين تقريبا بادعاء تمثيلهم للشيعة تمهيدا لدخولهم إلى مضمار الصراعات الإقليمية مع الدولة العثمانية, وقد نجحوا بإقامة إمبراطورية ضمت بالإضافة إلى بلاد فارس جورجيا وأرمينيا والبحرين وأذربيجان وأفغانستان والعراق أيضا في فترات معينة.
      أما عموم المشهد فسوف يصعب التعرف عليه دون عودة زمنية إلى مرحلة التكوين, ففي عهد الدول الدينية كان أمامنا قبيلتان كلاهما من الترك, أولهما وقد نجحت في بناء دولتها العثمانية التي تمددت على مساحة إقليمية واسعة وتأثرت بإسقاطات صراعها مع البيزنطين, حيث خلا هذا الصراع من عقد الصراع المذهبي المذهبي (السني – الشيعي) متأثرا على العكس من ذلك بإسقاطات الصراع العثماني البيزنطي (الإسلامي المسيحي) وقد جعل عامل الصراع ذاك الشيعةَ العراقيين ملتزمين بسلطة الخليفة العثماني دون أية حساسية مذهبية وذلك لخلو الساحة أصلا من مفاعيل ذلك الصراع.
     وأما القبيلة التركمانية الثانية فقد نجحت بإقامة دولة على عموم ما نسميه حاليا إيران. ولتغذية صراعها السياسي مع الدولة العثمانية فقد تبنت تلك الدولة الناشئة طريقا مذهبيا في مواجهة الدولة العثمانية التي كانت قد تبنت الطريق الديني, وليس المذهبي لأنها أصلا لم تكن بحاجة إليه خلال القرنين اللذين سبقا قيام الدولة الصفوية. وحينذاك, أي متأخرا, بدأت إسقاطات تشغيل الصراع المذهبي تحتل مديات تأثيرها على الساحة الإقليمية ممتدة إلى العراق نفسه.
وحتى بعد قيام الدولة الصفوية فقد كان من الطبيعي أن يكون هناك موقفا عثمانيا متسامحا مع الشيعة العرب والعراقيين وذلك لضمان عدم إنحيازهم لإيران, وقد رافق ذلك إستعداد واضح لمنحهم المكاسب التي كانت ساهمت بتأسيس ما أسميه حاليا “الكيان الشيعي الذاتي” الحاصل على إدارات دينية غير متعارضة مع كيان الدولة العثمانية, بل تابعة ومبايعة له.
وإنه ليس بالمقدور فهم وإستيعاب هذه العلاقة إلا من خلال العودة الزمنية لذلك العصر وتحديدا من خلال (فِلتر أو مُرشِح) الدول الدينية, حيث تأثرت الدولة العثمانية بواقعية صراعها مع البيزنطين وصارت حينا تنطق بإسم المسلمين إزاء صراع مسيحي إسلامي كان خاليا من إسقاطات الصراع المذهبي.


وحتى بعد قيام الدولة الصفوية ولحين صعود الخمينية وتبني دولة الإمام الفقيه وحكم نائب الإمام الغائب فإن علينا أن نهتم بحقيقة أن الشيعة العراقيين والعرب بشكل عام كانوا بمنأى عن ضغوطات الولاء المذهبي او الديني للدولة الفارسية لأن حاكمها كان شاهاً ولم يكن خليفة, وقد جعلهم ذلك أقرب (دينو سياسيا) للخليفة العثماني كونه ولي أمر المسلمين بمعزل عن أي ضغط فقهي يجعلهم ملزمين بمبايعة الشاه الذي كان في حقيقته منصبا سياسيا وليس دينيا. وحتى ضمن إيران ذاتها فقد كان العديد من رجال الشيعة المؤثرين غير موالين للشاه ولا يعتبرونه سلطة دينية, وعلى ضوء ذلك أيضا يمكن تفسير إنحياز الشاه لمرجعية النجف بقيادة الحكيم ضد مرجعية قم غير الموالية له.
     ومن المهم أيضا أن نأخذ بنظر الإعتبار ان الخلفاء العثمانيين كانوا أقرب إلى فقه المتصوفة الذي جعلهم يدينون عن حق بالمحبة لآل بيت النبي وغير مستعدين لتصنيف هذا الحب على أساس كونه ملكا صرفا للفرس بما أسقط من يد الإيرانيين كثيرأ من أوراق الصراع مع العثمانيين وأهَلَّ الشيعة العراقيين لإتخاذ مواقف أكثر وديةً من الخليفة في إسطنبول.
     وفيما بعد سوف يكشف موقف الشيعة العراقيين الموالي للخليفة العثماني والمضاد للإنكليز في أثناء الحرب العالمية الأولى التي إنتهت بسقوط الخلافة العثمانية وتأسيس الدولة العراقية المدنية, سوف يكشف عن حقائق لا يمكن تفسيرها بمعزل عن غياب الشد النفسي المتراكم الذي أسس فيما بعد لموقفهم الممالئ للإحتلال الأمريكي ليؤكد لنا أن الإنحيازات كانت محكومة بالأصل بواقعية الصراعات السياسية وليس الفقهية.
     وإن ذلك لن ينسينا بأي شكل أن موقف سياسي (السنة) العراقيين من دولة الخلافة العثمانية كان محكوما بعوامل تختلف عن تلك التي ساهمت بتكوين الموقف الشيعي, إذ أن صراع السنة العرب مع دولة الخلافة في إسطنبول صار صراعا قوميا, وقد جعلهم ذلك التناقض الذي إستثمره الحلفاء الغربيون ميالين للإنضمام لثورة الشريف حسين في الحجاز. وهكذا فإن ترتيب القوى وخارطة التحالفات كان متحركا ومتوافقا مع المتغيرات التي جعلت السياسي يتقدم كثيرا على الموقف الفقهي بل وجعلت الثاني ينشط بإتجاه دعم الأول.
وختاما لهذا القسم من المقالة سأقول أن علينا, ولغرض ضمان الدخول الموضوعي السليم على المشهد السياسي, ناهيك عن العدالة التي ينشدها هذا الدخول, أن نكون ملمين بخلفيته التاريخية أولا, وأن ننزع ثوب العصمة ثانيا حتى نحتسب قبل أن نطلق التهم بحق خصومنا المذهبيين, وأن نؤمن ثالثا أن المشهد السياسي العراقي ما زال تحت التكوين. وحتى ينضبط هذا التكوين بإتجاهات وطنية فإن علينا تاريخيا فهم خصائص الصراع والدخول على المشهد بأكبر قدر من الموضوعية وبأقل قدر من التعصب والإنحياز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*يتبع القسم الثاني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى